د. محمد ناجي ـ أكادير
فقه النيابة العامة
الفقه سعة العلم وأساس الاجتهاد؛ والاجتهاد من فروع التشريع بالاستدلال. وهو عند الأصوليين استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية العقلية والنقلية من مصادرها المقررة؛ وببيانه يتجلى المستـنـدُ الشرعي أو القانوني في الأحكام والقرارات القضائية وفي غيرها من المجالات الفقهية. ولذلك فقد سمي المجتهد فقيها، واشـتُـرِط فيه أن يكون متبحرا في الموضوع الذي يجتهد فيه، ملما بأصوله وفروعه ومختلف علومه، قادرا على المقارنة والاستقراء والاستنباط .. فهذا هو الفقيه المجتهد في شرطه المعرفي الأساسي؛ بصرف النظر عن الشروط التكميلية الأخرى المتعلقة بشخصه وصفاته؛ من وقار، وورع، وصدق، وضبط.. وغيرها مما يزيده رفعة وتقديرا؛ كلما ازدادت أخلاقة سموا ورقيا..
هذا في عموم الفقه؛ أما في الفقه القضائي، فالأمر يزداد تشددا في تعداد الصفات الواجب توفرها في الفقيه ̸ المجتهد القضائي ؛ حيث يشترط فيه ـ إضافة إلى ما ذكر ـ التجردُ، والحيادية، والنزاهة، والترفع عن كل المغريات والمؤثرات الخارجية؛؛ حتى يكون اجتهاده مبرأ من أي شائبة أو شبهة؛ وينطق بحكمه، أو يصدر قراره بقلب سليم، وضمير مرتاح..
ولذلك فقد كانت مهنة القضاء أخطر المهن وأجلها في كل الأنظمة التي تنشد العدالة والطمأنينة لمواطنيها، والاستقرار والأمن لوطنها؛ لأن القضاء بمثابة القلب من الجسد؛ إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فـسَـد فسد الجسد كله..
والمشرعون، والقضاة، وشراح القانون، هم عمدة الفقه القضائي؛ بما يسنونه ويصوغونه من نصوص قانونية، أو بما يجتهدون في تطبيقها وملاءمتها للنوازل على الوجه الأمثل، أو بما يفسرون به تلك النصوص فـيُجْـلون غامضها، ويـفَـصّـلون مجملها، أو يحسمون فيما يكون قد شجر بين الممارسين من اختلاف في التأويل أو الفهم.. وهذا كله يشكل عملية إنسانية حضارية رائعة في تكاملها وتضافرها لتحقيق أنبل هدف إنساني على مر التاريخ: إحقاق الحق والاقتضاء من المعتدين. إنها عملية ليس لها في الحضارة البشرية، والرقي الإنساني نظير؛غايةً ووسيلة !
هذه العملية تبدأ بحاجة المجتمع إلى نص تشريعي ينظم علاقاته، وتنتهي بحكم قضائي مبنى عليه؛ يجتهد صاحبه في جعل الشيء المقضي به، أقرب ما يكون انطباقا على الواقع كما حدث؛ بعد أن أصبحت حقيقته المطلقة في علم الغيب؛ حيث لم يكن القاضي ولا وكيل النيابة ولا دفاع الأطراف شاهدين على حقيقة ما جرى، وإنما هم مجتهدون للوصول إلى ضبط أو استكناه حقيقة ما جرى، ليصبح الحكم المنطوق به بعد ذلك معبرا عن “حقيقة قضائية”، ليس من شرط صحتها أن تكون مطابقة تماما للحقيقة الواقعية؛ ولكنها مع ذلك تستفيد من تمتعها بقوتها القانونية…
ولذلك كانت الأحكام القضائية، ومثلها كثير من القرارات النيابية، هي نتيجة اجتهاد القاضي أو الوكيل، صاغه في منطوق حكم، أو نص قرار؛ مقدما له بالأسباب والحيثيات التي جعلته يركن إلى ذلك الحكم، أو ذاك القرار… فيكون التعليل، أو التسبيب كما يسميه المشارقة، خلاصة مركزة ودالة على الأسس والأركان التي بُـنِـيَ عليها ذلك الحكم، الذي هو في حد ذاته شعبة من شعب “الفقه”؛
وانطلاقا من هذه الحقيقة الراسخة، المؤكدة عبر التاريخ في كل الحضارات؛ في سبب قيامها وعلة انهيارها، والذي يتأسس أولهما على استقطاب الناس لإسقاط الفساد وإقامة العدل، فتنهض دولة جديدة لا تلبث أن تسقط وتنهار هي الأخرى متى ما تخلت عن ذلك المبدإ الذي تأسست عليه، أو تهاونت في تطبيق القانون وتفعيله، أو استأثرت طبقة منها دون أخرى بحمايته؛ سلبا أو إيجابا (ها1) ؛ فإن الدول الديمقراطية الحديثة أصبحت تضع سياساتها الجنائية العمومية بحسب حاجياتها الراهنة أو المستقبلية؛ أو استجابة لمطالب اجتماعية ملحة، أو لمواجهة اختلالات جنائية متفشية في المجتمع، تهدد كيانه، وتنذر بتقويض بنيانه، أو خلخلة توازنه؛ فتعمد إلى إيجاد الصيغ القانونية المناسبة للاستجابة لتلك المطالب، أو لتصحيح تلك الاختلالات وتجنيب المجتمع وبال آثارها، حفاظا على أمنه واستقراره،، وذلك إما بِـسَـن قوانين جديدة، أو بإصلاح وتتميم قوانين سارية..؛ وقد يصل الأمر إلى مراجعة دستورية جزئية أو شاملة لوضع أسس جديدة لتقدم المجتمع، أو لتخليصه من العوامل المعرقلة لتحقيق هدفه المنشود في عدالة اجتماعية حقيقية …
وحيث إن النيابة العامة هي السلطة القضائية المؤهلة قانونا، والمختصة تفويضا بتنزيل السياسة الجنائية للدولة من مظانها النظرية إلى مجالاتها التطبيقية .. فهي لذلك تعتبر مكونا رئيسيا من مكونات الفقه القضائي في أي دولة تعمل بمبدإ فصل السلط، واستقلالية القضاء؛ باعتبار سلطاتها المخولة لها في تكييف الملاءمة بتوجيه الاتهام أو بالحفظ. ولذلك فلكي تتمكن النيابة من حسن تنزيل النصوص القانونية وتطبيقها على الوجه الذي أراده لها المشرع، فلابد أن تكون مدركة كنه تلك النصوص وروحها، وأن تجعل نصب أعينها العمل على تيسير الوصول إلى تحقيق الغاية البعيدة التي توخاها المشرع من سياسته الجنائية العامة، بأن تتجاوب مع هذه السياسة تجاوبا إيجابيا مجديا؛ وفي هذا يتجلى بعض من فقهها الذي تستمد منه إجراءاتها المسطرية، أو قراراتها المتخذة. أما بغير ذلك التجاوب المنتج من قِـبَــلها لتفعيل النصوص القانونية وتحريك المساطر الإجرائية ؛ فإنه يكون من المستحيل أن تصل الدولة إلى تحقيق شيء من أهدافها المتوخاة من سياستها الجنائية العامة.
وفي هذا الصدد فإن ممارسة النيابة العامة لمسؤولياتها في تنفيذ السياسة الجنائية العامة يتنازعها نظامان متباينان، تميل كل دولة إلى اختيار الأنسب لها منهما، حسب مقاصدها منها، وباعتبار ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهذان النظامان هما :
النظام القانوني أو الإلزامي. والنظام التقديري أو ما يصطلح عليه بنظام خصيصة الملاءمة.
ففي النظام الأول تكون النيابة العامة ملزمة بإحالة أي شكاية على التحقيق، أو على القضاء مباشرة؛ بحيث تكون مجبرة على إقامة الدعوى العمومية في حال توصلها بشكاية صريحة، من مشتك معلوم، وبضرر مصرح به؛ مادي أو معنوي ، وتهمة تحيل على إتيان فعل يجرمه القانون، وينص على عقوبته.. بغض النظر عن جسامة أو خطورة الجريمة المقترفة أو المحتمل أن تكون مقترفة؛ وبصرف النظر أيضا عن قوة الأدلة المقدمة، أو ضعفها، أو ظروف ارتكاب الجريمة وملابساتها.
أما النظام الثاني: فهو نظام خصيصة الملاءمة أو النظام التقديري، وفيه تتمتع النيابة العامة بسلطة تقديرية واسعة في إقامة الدعوى العمومية أو عدم إقامتها؛ بحسب ما ترتــئيه من مصلحة للدولة أو للمجتمع في تحريك المسطرة أو تجميدها.. وفي هذا النظام يتطاول فقه النيابة العامة على المساطر القانونية والقانون الجنائي؛ فيما يجسد تحديا عمليا لذلك القانون الذي رغم تجريمه لفعل مقترف، يعاقَب عليه بنص قانوني صريح؛ إلا أنها ترتئي أن من مصلحة المجتمع أن تتجاوز عن تلك الجريمة، وتغمض عينيها عن مرتكبها؛ متعللة بأي سبب تدعيه وتتوسل به لإخراج تحريك الدعوى العمومية من دائرة اختياراتها إزاء تلك الشكاية…
وبالمقارنة بين النظامين من حيث مساوئ ومحاسن كل منهما، نخلص إلى الملاحظات الآتية:
أن النظام الأول يتميز بتحقيقه للعدالة الجنائية بشكل فوري وتلقائي؛ وبكونه يكرس مبدأ المساواة بين جميع المدعى عليهم دون تمييز، أو تفاضل، أو محاباة، أو ما أشبه ذلك.
ومزيته الأخرى أنه يُــبـعِـد قرارات النيابة العامة عن أي شبهة.
كما أنه يرسخ فكرة الردع العام، وفرض سلطان القانون، ويضمن حق الدولة في تكريس مبدإ عدم الإفلات من العقاب، لكونه يكون متبنيا لواحد من أهم أركان فلسفة القانون التي ترى أن المسؤولية القانونية ليست وسيلة لتحقيق العدالة بقدر ما هي وسيلة لدفاع المجتمع عن نفسه ضد الخطر الذي يهدده حالا أو مستقبلا بوقوع جريمة أخرى قد تُـقـتـرَف من نفس المجرم أومن غيره (ها2).
فضلا عن كونه يكرس المبدأ الأسمى في العدالة الاجتماعية؛ حيث إنه إذا كانت هناك مبادئ حقوقية مُـجـمَـعٌ عليها كمبدإ البراءة ، وألا عقاب بدون جريمة، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني؛ فإن هناك مبدأ آخر مقابلا لها، لا يقل عنها قوة وأهمية، وهو إقامة العدل؛ الذي يُـتـرجَـم قضائيا بمبدإ المساواة في الحقوق أمام القانون؛ باعتباره المبدأ الأخلاقي الذي يؤسِّس لاحترام الحقوق الثابتة للكائن الإنساني التي لا يجوز التصرفُ فيها. ولذلك فقد تصدر هذا المبدأ وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ حيث جاء في مادته الأولى : « يولد جميع الناس أحراراً، متساوين في الكرامة والحقوق » ، ثم أكدته مرة أخرى المادة السابعة: « كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أي تفرقة، » وبهذا فإن مبدأ المساواة أمام القانون، بغض النظر عن نوع الجريمة ومرتكبها والآثار المترتبة عن متابعة مقترفها؛ هو وحده الذي يرقى بالعدالة الاجتماعية إلى أسمى مراتبها؛ ويضمن للدولة حقها في العقاب؛ الذي هو المقابل الجزائي لصيانة حق المتقاضين في محاكمة عادلة، والذي به تتحقق إشاعة الطمأنينة بين الناس، وثقتهم في عدالتهم.
وعلى ذلك يمكن اعتبار هذا النظام هو الضامن الفعلي للمطلب المشروع الذي ترفعه كل المجتمعات المدنية، خاصة منها تلك التي تتفشى فيها مظاهر الفساد؛ وهو مطلب ” سيادة القانون” ، و”لا أحد فوق القانون”.
أما النظام الثاني؛ فإن الداعين إليه يذكرون له ثلاث مزايا :
الأولى : أنه يمنح النيابة العامة المرونة في تقدير ملاءمة إقامة الدعوى أو عدم إقامتها بما يحقق مصلحة أفضل للمجتمع، حيث إن النيابة العامة تباشر وظيفتها الجزائية حماية للمصالح الاجتماعية التي تسود المجتمع، فتختار الإجراء الأكثر صلاحية له، باعتبارها الأقرب إلى إدراك مدى تقدير المجتمع لتلك المصالح التي تهمه تبعا لظروفه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
والميزة الثانية ، متفرعة في حقيقتها عن الأولى؛ وهي أن هذا النظام يحث النيابة العامة على اختبار جدارتها الفقهية، وإبراز مهارتها الاستقرائية والتحليلية؛ فلا يتركها بمثابة مُـحَـوِّل آلي؛ بل يكرس شخصيتها في قراراتها، ويمنحها فرصة التقدير والموازنة بين محاسن ومساوئ تطبيق القانون أو تجميده في أي نازلة عرضت عليها؛ على أن يكون تعليلها لقرارها بحفظ شكاية بجريمة ثابتة الوقوع، قادرا على إقناع المجتمع المدني بذلك القرار المُـعـطِّـل للقانون، والحامي للمجرم الجاني..
أما المزية الثالثة فهي أن هذا النظام يتفادى تكدس القضايا أمام قضاء الحكم، فلا يشغله بقضايا قد تنتهي بالبراءة، أو يجعله غائصا في قضايا لا تستحق أن تعرض عليه لتفاهتها أو بساطتها، وأنه يمنح المشتكي المتضرر من قرار حفظ شكايته فرصة تقديمها في شكاية مباشرة، بحسب المسطرة المتبعة في دولته.
وهذه كلها دفوع يمكن مناقشتها، والرد عليها انطلاقا ـ بطبيعة الحال ـ من حاجيات المجتمع وظروفه وغايته من سياسته الجنائية؛ ولذلك :
فإذا كانت الدولة تختار سياستها الجنائية بحسب حاجياتها وغاياتها، متوخية في ذلك الحفاظ على خصوصياتها الاجتماعية أو العقدية حسب النظام المتبع فيها، مع مراعاة تقاليدها وأعرافها السائدة ؛ فإن هذا الاختيار يتحدد أساسا انطلاقا من ظروف المجتمع؛ إما لمحاربة ظاهرة أو ظواهر جنائية تفشت فيه، أو للتصدي وقطع الطريق على أفعال جرمية بدأت بوادرها تظهر أو تنذر بالظهور… ومن ثم فالنص القانوني الجنائي لا يكون بالضرورة ردعا وعقابا لفعل جرمي واقع؛ بل قد يكون استباقيا واحترازا وقائيا لفعل جرمي من المحتمل وقوعه.. وهذا يقتضي أن يكون موقف النيابة العامة من الجريمة موقف النابذ لها، وليس فقط المقدر لمدى خطورة آثارها، لأن ذلك من اختصاص قضاء الحكم.. وبهذا فإنه يكون من الصعب ـ إن لم نقل من المستحيل ـ على النيابة العامة أن تقنع مجتمعا بكامله بأنها حفظت شكاية بجريمة عرضته لاضطراب اجتماعي، أنها فعلت ذلك دفاعا عن مصالحه، أو حفاظا عليها؛ أو خدمة للمنفعة العامة للوطن، أو لما فيه صالح العدالة. كما أنه لا يوجد في أي فقه ما يبرر السكوت عن جريمة أو حماية مجرم مدرك لخطورة جرمه، ومتعمد لارتكابه: لا في فقه شرعي، ولا في فقه قانوني أو قضائي ؛ وأي اجتهاد يتعارض مع الشريعة والقانون؛ فهو اجتهاد مردود ولا ريب، لأن الاجتهاد الذي ينتهي إلى تعطيل النصوص؛ لا يكون إلا في الظروف الاجتماعية أو السياسية الاستثنائية للدولة، كانتشار المجاعة، أو تفشي وباء خطير معد، أو في حالة الحرب، أو الفوضى العارمة.. إلى غير ذلك من الأحوال الاستثنائية التي لا يملك صلاحية الإعلان عنها إلا ولي الأمر..
هذا بالنسبة للرد على ما اعتبر الميزة الأولى لنظام خصيصة الملاءمة.
أما بالنسبة لما اعتبر ميزة ثانية في هذا النظام، فأبسط نقط ضعفها يتمثل في ربط السياسة الجنائية في أي دولة ديمقراطية عضو في الأمم المتحدة بالعمل على تحقيق عدالة جنائية حديثة تقوم على خلق نوع من الملاءمة بين تعهدات تلك الدولة والمعاهدات والمواثيق الدولية الحقوقية التي صادقت عليها، بدءا من احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، إلى ضمان محاكمة عادلة يتساوى فيها كل الأطراف؛ إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والتي صادق عليها المغرب في ماي 2007 والتي جاء في ديباجتها :
« إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية :
إذ تقلقها خطورة ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها، مما يقوض مؤسسات الديمقراطية وقيمها والقيم الأخلاقية والعدالة ، ويعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر ،
وإذ تقلقها أيضا الصلات القائمة بين الفساد وسائر أشكال الجريمة ،
وإذ تضع في اعتبارها أيضا مبادئ …الإنصاف والمسؤولية والتساوي أمام القانون وضرورة صون النزاهة وتعزيز ثقافة نبذ الفساد ،»
حيث يتضح من هذه الفقرات خطورة ما يحدثه الفساد من تقويض لأي مجهود يمكن أن تبذله الدولة لبناء مجتمع ديمقراطي تسوده قيم أخلاقية رفيعة وعدالة اجتماعية ، ومدى حرص دول العالم على مكافحته.
وبما أن معظم الجرائم التي تحفظها النيابات العامة عندنا تكون من صنف الجرائم الداخلة في خانة الفساد ؛ فإن ذلك سيساهم بالضرورة في إفشال أي سياسة جنائية تضعها الدولة للقضاء على الفساد ومحاصرته، مما يحول دون وصولها إلى تحقيق تنمية بشرية مستدامة..
فأي فقه هذا تكون نتيجة اجتهاده بتعطيل القانون، جلب الضرر ودرء المنفعة ؟
ومما لا يحتاج إلى التذكير به؛ أن الفساد في المغرب هو الظاهرة الأكثر خطورة وانتشارا؛ فقد عم جل المرافق الحيوية، واكتسح معظم القطاعات البنيوية؛ حتى إنه تحول لدى البعض؛ إن لم نقل لدى العامة؛ من فعل مذموم مُخـزٍ، إلى سلوك يدل على الجرأة والشطارة والتحسب للمستقبل، عند ممارسته في مستوياته الدنيا أو المتوسطة داخل سلم الأجور؛ أو دليلٍ على السلطوية والجاه واستغلال النفوذ عند ممارسته في مستوياته العليا ولدى النخب؛ حيث يمكن أن نستنتج من تصريحات المسؤولين، وما تنشره وسائل الإعلام أن عدد الفاسدين في مجتمعنا يزداد كثرة وتغولا يوما عن يوم؛ مما يعطي الانطباع بأن الفساد قد تحول بين ظهرانينا من حالة فردية استثنائية، إلى ظاهرة اجتماعية عامة؛ يجتهد المستفيدون منها بكل إمكانياتهم وطاقاتهم ونفوذهم لجعل الناس يتعودون عليها؛ وقد تعودوا.. !! صاغرين أو مكرهين.
والفساد في المغرب يتجسد في ثلاثة مظاهر: الرشوة، والتزوير ، ونهب المال العام، على اختلاف مراتبها في التقدير بحسب القطاعات والمرافق، وبحسب الجهات والمناطق ومستواها الاقتصادي والاجتماعي .
وما دام هناك إجماع وطني على أن الفساد يمثل الآفة الكبرى التي يعاني منها المغرب في عقوده الأخيرة، وأن خطره أصبح يهدد الدولة في أمنها واقتصادها وتنميتها البشرية؛ المادية وغير المادية ؛ فإن السياسة الجنائية التي يظهر أن الدولة قد اختارتها لنفسها هي “محاربة الفساد”؛ فالحكومة المغربية الراهنة، كان شعارها الأول والأساسي في حملتها الانتخابية وبرامجها الحكومية، وفي تصريحات وزرائها في البرلمان، وفي التجمعات الجماهيرية والخطب السياسية هو “محاربة الفساد” ..
لذلك كان لابد للحكومة لكي تكون قوانينها الجنائية مسايرة لسياستها من أن تشدد على معاقبة المفسدين، وتحرص ـ بلا هوادة ـ على متابعة كل مجرم تبين فساده وظهرت معالم جرائمه.. وهذا يقتضي بطبيعة الحال اعتماد النظام الأول في ممارسة السياسة الجنائية المنشودة عملا “بسيادة القانون” وأن “لا أحد فوق القانون”، وهو ما يتعارض تعارضا مطلقا مع حفظ شكاية بجريمة جنائية ، وتقاعس النيابة العامة عن متابعة مقترفها لأي سبب من الأسباب.
أما عن القول بأن النيابة العامة تتحول في ظل نظام سيادة القانون إلى مجرد محول آلي، فهذا مردود عليه بأن مجالات اجتهاد النيابة العامة تبقى وفيرة وافية في أي نظام من النظامين: وذلك في مباشرتها للتحقيق مع المتهمين، وفي سلطتها في تكييف التهمة، وفي تفردها بممارسة الدعوى العمومية، وفي تقييمها للمتهم وأحواله قصد اتخاذ الإجراءات المناسبة في حقه إما بالسراح أو بالمراقبة القضائية أو بالاعتقال الاحتياطي إن اقتضى الحال.. وهي كلها مجالات شاسعة تمكنها من إظهار مهارتها، وإبراز تفوقها، وممارسة اجتهادها..
أما الميزة الثالثة، وهي أن نظام الملاءمة يتفادى تكدس القضايا أمام قضاء الحكم، ويخفف عنه عبء الشكايات التي يرجح أنها ستنتهي ببراءة المشتكى به؛ فهذه تدل على شيء من قصر النظر؛ لأن السياسة الجنائية التي تعمل بهذا النظام، لا تجعل قرار حفظ الشكاية نهاية الطريق لاكتساب الحق أو المطالبة به؛ بل إنها تتيح للمشتكي إمكانية تقديم شكاية مباشرة؛ وبذلك تكون النتيجة عكس ما ادعاه أنصار هذا النظام من تخفيف القضايا المعروضة على المحاكم؛ لأن الشكاية الواحدة في هذه الحالة تصبح بمثابة شكايتين: إحداهما تكون قد قدمت للنيابة العامة، فلما حفظت، قدمت مرة أخرى في شكاية مباشرة لقاضي التحقيق أو للمحكمة مباشرة..
أما صدور حكم ببراءة المشتكى به، سواء في الدعوى العمومية أو في الشكاية المباشرة، فهذا يجعله صاحب حق في متابعة المشتكي بالوشاية الكاذبة. والخوف من هذه المتابعة ـ بطبيعة الحال ـ يجعل الناس في الدول التي تتمتع بقضاء عادل ونزيه، لا يغامرون باتهام الغير باقتراف جريمة تضرروا منها بدون أن تكون لديهم وقائع ثابتة أو حجة قاطعة.
وبما أن المشرع المغربي قد انطلق في تشريعاته من حسن نيته بكل الهيئة المكونة للسلطة القضائية؛ وإدراكا منه أن الكمال لله؛ وأن كل مجتهد معرض للصواب والخطإ، وأن الإصابة في الاجتهاد ليست قرينة أصلية فيه؛ بل هي تضمن للمجتهد مضاعفة الأجر؛ فقد وضع بابا للاحتراز، جعله مفتوحا أبدا في وجه النيابة العامة، تَـنْـفُـذ منه متى شاءت، قصد تمكينها من تدارك قراراتها بالحفظ التي قد يتبين لها فيما بعد أنها لم تكن صائبة؛ فجعل لها إمكانية التراجع عنها في أي وقت، طبقا لما نصت عليه المادتان 40 و 49 من ق.م.ج.
إذن ؛ فالنيابة العامة ليست مجبرة على التمسك بقرار اتخذته بادئ الرأي بحفظ شكاية ما، ثم تبين لها فيما بعد أنه كان قرارا مجحفا ، أو لا يخدم المصلحة العامة للمجتمع، أو لا يتماشى مع الأهداف الكبرى للسياسة الجنائية للدولة، أو أن التعليل الذي عللته به لا ينطبق على الواقع، أو لا يقدم فقها سديدا مقنعا؛ حيث يحق لها أن تتراجع عن ذلك القرار بدون قيد ولا شرط، وأن تعيد فتح المسطرة من جديد، وإحالة القضية على التحقيق أو ممارسة الدعوى العمومية مباشرة .. والمرجع المعتمد في كل هذا هو “ضمير القاضي”، الذي خاطبه الملك عند ترؤسه لافتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء في دجنبر 1999؛ حيث دعا إلى «أن تكون الأحكام صادرة عن التطبيق السليم للقانون، وفق مقتضيات نصوصه وما يمليه ضمير القاضي بمنأى عن كل أشكال الضغوط المادية والمعنوية وسائر الاعتبارات الذاتية والمؤثرات الخارجية.« والأحكام والقرارات في علاقتهما بالتطبيق السليم للقانون سيان.
وإذا كان المشرع المغربي قد هيأ للنيابة العامة أن تعمل بعيدا عن أي ضغط نفسي أو معنوي أو مادي؛ وضمن استقلالها التام بقراراتها؛ إلا أن كثرة الانتقادات التي وجهت لها؛ حتى من أعلى سلطة قضائية في البلاد، ومن كثير من المؤسسات والهيآت المدنية والحقوقية وطنيا ودوليا، ومما لا حصر له من المواطنين الذين تضرروا بتلك القرارات؛ فقد جعلت الفقه المغربي الجديد يلتفت إلى ضرورة عدم الإبقاء على بعض الأخطاء القضائية التي ترتكبها السلطة القضائية بدون عوض؛ حيث إنه في نطاق ترشيد السياسة الجنائية للدولة المغربية، وتحسيس القائمين عليها والمكلفين بتطبيقها بما يمكن أن يترتب عن سوء ذلك التطبيق؛ فقد أضيف إلى دستور 2011 فصل يجعل الدولة تتحمل مسؤولية الخطإ القضائي، ومؤونة التعويض عن الضرر الناتج عنه ، إذ نص الفصل 122 منه على أنه : « يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة» ؛ حيث لم يمض وقت طويل على تنزيل هذا الفصل حتى صدر أول حكم في المغرب عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 25 يوليوز 2013، في الملف عدد 613 ـ 12 ـ 2012 ، يقضي بتعويض مواطن عن خطإ قضائي صادر عن النيابة العامة ، جاء في قاعدته :
«مسؤولية النيابة العامة عن الخطأ القضائي في الإشراف على الشرطة القضائية المتمثل في عدم تنفيذ مقرر المحكمة الزجرية بإحضار المتابعين لجلسة المحاكمة – الإخلال بقواعد المحاكمة العادلة الدستورية والقانونية الوطنية والدولية – خطأ جسيم قد يرقى إلى معاملة مهينة – تعويض : نعم »
… وبهذا ازدادت النيابة العامة حاجة إلى ضرورة التفقه، وإعمال النظر وتقليبه، تحرزا من الإضرار بأي مواطن من جراء خطإ كان من الممكن عدم الوقوع فيه.. والتزاما بالسير على النهج القويم الذي رسمته الدولة لتحقيق الغاية القصوى من سياستها الجنائية لضمان حق المتقاضين في محاكمة عادلة، ومناهضة سياسة الإفلات من العقاب، والمحاباة في الأحكام أو القرارات …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1ـ نقصد بالحماية السلبية للقانون لبعض أفراد المجتمع المحظوظين ، أن يتغاضى عن جرائمهم، إما بحفظ الشكايات ضدهم، أو بتبرئتهم، أو بعدم تكييف الفعل بما يناسبه في القانون الجنائي، أو بمنحهم من ظروف التخفيف ما ليسوا بها جديرين؛ إلى غير ذلك من أنواع الحماية التي تقدم عليها الأنظمة الفاسدة في الدول الضغيفة.
أما الحماية القانونية الإيجابية لهذه الطبقة، فتتمثل في جعل القانون في خدمتهم ليقتص لهم ممن ألحق بهم ضررا ماديا أو معنويا، ويسخر كل وسائله، ويقدم كل تسهيلاته المادية والزمانية لإرجاع حقوقهم، وتشديد العقوبة على خصومهم..
2 ـ للتوسع في هذه النقطة يرجع إلى كتاب : “حق الدولة في العقاب” ـ نشأته وفلسفته، اقتضاؤه وانقضاؤه / د. مصطفى عبد الفتاح الصيفي. ط2 – دار النهضة العربية 1985 ص71 وما بعدها




