كواليس اليوم: عن (ومع) بالتصرف
أعادت قضية الهبوط غير المتوقع في أسعار النفط عالميا، شبح نكبة 1988، التي عاشتها الجزائر.
ويؤكد خبراء ومراقبون أن الجزائر مضطرة لإعادة النظر في توجهها الاقتصادي والاجتماعي، على أمل تفادي سيناريو “الصدمة النفطية” التي ألمت بها قبل نحو أكثر من 26 سنة.
وضع العسكر الآن والمتحكمين في ثروات النفط والغاز بالجزائر من الجنرالات والأشباح وغيرهم، يوجدون الآن في وضع لا يسر عدوا ولا صديقا، وذلك بسبب التراجع المهول لأسعار النفط. وتحوم الشكوك حول مدى مناعة الاقتصاد الجزائري، الذي ظل يرسل إشارات حمراء منذ مدة طويلة.
ففي ظرف سنتين (أكتوبر 2012 / أكتوبر 2013) تهاوى الفائض التجاري للجزائر ب75 في المائة، بسبب تراجع عائدات النفط واحتداد نزيف الواردات، بشكل قياسي سنة بعد أخرى. والنتيجة، تفاقم في عجز الميزان التجاري الخارجي ب 1,32 مليار دولار في السداسي الأول من السنة الجارية، وفق أرقام البنك المركزي الجزائري.
وأكثر من ذلك، تراجعت احتياطات الجزائر من العملة الصعبة من 194 مليار دولار خلال نفس الفترة المرجعية ل2013 إلى 193,26 مليار دولار مع متم شهر يونيو الماضي، وهو تراجع إن كان يبدو طفيفا، فإنه حدث نادر الوقوع منذ سنوات، وقد يكون مؤشرا على دنو “أيام عصيبة” بالبلاد.
وكتب الصحفي الجزائري المعروف محمد بنشيكو أن “أكثر الواقعيين من الخبراء العالميين يتنبأون بسنوات صعبة التحمل، فيما لا يستبعد بعضهم حصول سيناريو ثمانينيات القرن الماضي عندما هوت أسعار النفط”.
وفي حديثها عن “ضرر” في مالية البلدان المنتجة للنفط، ضمنها الجزائر، زكت الوكالة الدولية للطاقة النظرة التشاؤمية للخبراء المحليين الذين لا يخفون امتعاضهم من تعامل الحكومة البارد مع الموضوع، في وقت هي مطالبة، برأيهم، بالتحضير من الآن للفترة اللاحقة.
وأكدت الوكالة، في تقريرها الشهري الأخير، أن “تراجع سعر البرميل بنحو الثلث منذ مطلع الصيف يعتبر إشكالية لعدد من البلدان المنتجة التي هي في حاجة إلى سعر مرتفع للذهب الأسود لتمويل نفقاتها”.
وبينما يتوقع أن يستقر سعر البرميل في حدود 60 إلى 65 دولار في الأمد المتوسط، تكون الجزائر، على عكس ذلك، محتاجة لأزيد من 100 دولار للتحكم في تدبير توازناتها المالية والحفاظ على موقعها المالي الخارجي الآخذ في الهشاشة منذ السنة الماضية، بفعل انخفاض عائداتها من النفط والغاز.
وخلال السداسي الأول من 2014، سجل (صندوق ضبط الإيرادات) القائم، بشكل كبير، على عائدات المحروقات، تراجعا بأزيد من 6 مليارات من الدولارات، وفق مذكرة للبنك المركزي الجزائري.
وذهب المحلل الاقتصادي والخبير في مجال الطاقة مصطفى مقيدش إلى أنه “في حال عدم ترشيد الميزانية (…)، سنكون أمام إلزامية الاستدانة في السنوات القليلة المقبلة”، كخيار “لا نعلم كيف الخروج منه”.
إن خفض ميزانية الدولة التي “تسير بسرعة تفوق طاقتها”، يقتضي المس بسلم اجتماعي هش أفرزته سياسة دعم كلي، مما يجعل الأمر صعبا خاصة في ظرفية تتسم بغضب شعبي في مختلف ولايات البلاد.
كاتب الافتتاحية بصحيفة (الوطن)، واسعة الانتشار في الجزائر، عبر عن أسفه لكون “النظام لم يبد، إزاء هذه الوضعية الحرجة، أي ردة فعل بينما كل المؤشرات توحي بأن الأمور ليست على ما يرام”، متهما النظام بأنه “تسبب في فراغ صناديق الدولة بتوزيعه، يمينا وشمالا، المال لشراء السلم الاجتماعي، حتى تظل الطغمة الحاكمة تتصرف في منأى عن أي انزعاج”.
وتبقى الجزائر قريبة جدا من تكرار سيناريو أحداث 1988، والتي انطلقت في يوم 25 سبتمبر بملامح ثورة شعبية وعمالية بعد أن عقدت نقابة مؤسسة صناعة السيارات سوناكوم لقاء بالمركب، حيث ندد العمال، لأول مرة، بالفساد وببعض رموز الدولة، مرددين شعارات مناهضة لهم• أما في الأحياء الشعبية، فقد فتح، خطاب الشاذلي بن جديد، المجال واسعا للحديث عن قرب ثورة شعبية في الجزائر ضد رموز الدولة، كيف لا والأزمة الاقتصادية التي عرفتها الجزائر عام 1986 بسبب تدني أسعار المحروقات، وما صاحبها من تدن للقدرة الشرائية وإعلان عدد من الشركات الوطنية إفلاسها وعدم قدرتها استيراد القهوة والدقيق، ساهم في تأجيج غضب الشارع•
في 4 أكتوبر الذي كان يوم أربعاء ،1988 بدأت بعض القلاقل تظهر في أحياء شعبية معروفة كباب الوادي والرويبة والحراش، فانتشرت مصالح الأمن أو كان يسمى سابقا لدى عامة الناس بـ الأمن العسكري، عبر بعض هذه الأحياء لتقصي الحقائق ومعرفة ما كان يحضر له•
في 5 أكتوبر، وفي وسط باب الوادي، اعترضت مجموعة من الشباب سبيل حافلة وقاموا بإنزال كل ركابها وأضرموا فيها النار، ثم توسعت إلى باقي شوارع الحي العتيق حيث استهدف المواطنون كل ما يرمز للدولة، وانتهز العاطلون عن العمل، وكذا البسطاء، مؤسسات أروقة الجزائر ونهبوا كل ما فيها، وقد بلغ صدى هذه الاحتجاجات إلى أحياء باش جراح والحراش والشراقة وعين البنيان، ثم حتى الأحياء الراقية كالأبيار وبن عكنون وحيدرة، وتحولت العاصمة، بأكملها، إلا بؤرة للاحتجاجات وأعمال التخريب والحرق ومحاولة اقتحام منازل عدد من الشخصيات التي كانت ترمز لنظام الحكم في الجزائر آنذاك•
أما المواطنون الذين لم يكونوا على علم بما يحدث وفضلوا المكوث ببيوتهم، فكانت آذانهم معلقة ببعض الإذاعات الدولية، خاصة فرنسا الدولية التي كانت تعطي بعض المعلومات عما يحدث، أما التلفزيون، فاكتفى ببث صور التخريب ونداءات تدعو للهدوء والتعقل•
يوم الخميس 6 أكتوبر 1988، امتدت المظاهرات إلى كل الأحياء الشعبية، وانقطعت الدراسة في المدارس والثانويات خوفا من أن تمتد المظاهرات إلى لثانويات ويلتحقون بالحركة، وذلك بأمر من وزارة التربية الوطنية•
يوم 7 أكتوبر 1988 المصادف ليوم الجمعة، حاول بعض قادة التيار السلفي في الجزائر قيادة مسيرة في شوارع باب الوادي انطلاقا من مسجد السنة الذي كان يتواجد به علي بن حاج، وقبل انطلاق المسيرة، دعا أحمد سحنون ومحفوظ نحناح المصليين للتعقل، غير أن هؤلاء لم يستجيبوا لنداءات الشيخين الذين كانا يحظيان بمصداقية لدى عامة الناس، وقد حاول كل من أحمد سحنون ونحناح وعباسي مدني التوجه إلى رئاسة الجمهورية لدعوة الرئيس الشاذلي بن جديد لوقف إطلاق الرصاص على المتظاهرين وإطلاق سراح الموقوفين من المتظاهرين، لكن مصالح الأمن رفضت ذلك ومنعتهم من الوصول إلى مقر الرئاسة•
وفي المساء، أعلن الرئيس الشاذلي بن جديد، حالة الحصار وفرض حظر التجول ليلا في العاصمة وضواحيها، وانتشرت قوات الجيش عبر كامل أحياء العاصمة حفاظا على ما تبقى مما خربه المتظاهرون•
8 أكتوبر، بدأ عدد من الشخصيات والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومنهم علي يحيى عبد النور وعدد من ممثلي تيار اليسار، في التحرك للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين بعد أن تسربت معلومات عن تعرض العديد منهم للتعذيب، وامتدت هذه المطالبات إلى جامعة بن عكنون حيث عقد الطلبة والجامعيون جمعيات عامة تطالب بالإفراج عن الموقوفين•
يوم 10 أكتوبر، يظهر الشاذلي بن جديد على التلفزيون، ودعا المواطنين للتعقل، ووعدهم بغد أفضل، وبإصلاحات في جميع المجالات السياسية والاقتصادية، وكان الهدوء قد عاد إلى كل أحياء العاصمة وما جاورها•
وفهم الجزائريون أن ثمة تلميحا لتغيير في نظام الحكم، وأن الجزائر مقبلة على الانفتاح، لكن بعد مرور نحو 26 سنة لا يزال الوضع عما كان عليه، إن لم نقل إنه سار من سيء إلى أسوأ.
وقد اعترفت الجزائر ب 169 قتيلا، في حين يقدر المعارضون عدد القتلى بأكثر من 500 قتيل وآلاف المفقودين قسرا.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



