معالم الطريق نحو دفتر مطالب الشعب المغربي..؟
هل يمكن أن يمر يوم وذكرى حدث مهم دون العناية به والتذكير به باعتباره يوما من أيام الله، أو باعتباره يوما تاريخيا بامتياز كما يقال؟ اعتقد أنه لا يكون الإنسان جديرا بإنسانيته الحقة، إذا كان بدون ذاكرة لأنها هي التي تحفظ له وعليه كل ما فعل أو يريد أن يفعل بل هي أساس الاستفادة من تجارب الآخرين ومواصلة مسيرة الحياة الإنسانية بكل مضامينها الإيجابية أو السلبية فهي مناط الاعتبار والتذكير والتاريخ كما يقال هو ذاكرة الأمم والشعوب، وإذا كان القرآن أمر بهذا التذكير والذكرى تنفع المؤمنين، وفي نفس الوقت أمر بالاعتبار، ولهذا الأمر بالاعتبار دور كبير في بناء أصل من أصول التشريع في الفقه الإسلامي، إذ اعتبرها الأصوليون تأسيسا ومصدرا من مصادر الفقه.
ومشكلة الناس في عالمنا الإسلامي اليوم ليس في هذا التذكير بتلك الأيام التي لها تاريخ والتي هي أيام من أيام الله، بل المشكل في عدم الاعتبار، وينبني على فقدان الاعتبار انعدام الإحساس بالتاريخ وأحداثه، ودوره في إثراء معرفة الإنسان، وما أمر القرآن بهذا التذكير وما في معناه مثل (قل سيروا في الأرض فانظروا) وهذا التوجيه ورد كثيرا في القرآن الكريم وقصص الأنبياء والأقوام السابقين نموذج لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من الاستحضار، ولعل (محمد إقبال) عندما اعتبر التاريخ مصدرا من مصادر المعرفة في القرآن لم يخطئ الصواب غير أن بعض الناس المتعالمين اليوم والذين يحلو لبعضهم أن يصنف نفسه في مقام الأستاذية في تسفيه تاريخ الأمة الإسلامية إن صح التعبير، ولم يقف به الأمر عند هذا الحد من الاجتراء والافتراء بل هو يناصر أولئك الذين يطمسون معالم التاريخ الإسلامي وتوجيهه الوجهة التي تخدم خصوم الأمة التاريخيين والتقليديين.
إن هذا ما نلحظه لدى بعض أولئك القوم المتعالمين والذين يلوحون في كل مرة بقشور المنهجية والموضوعية وليس لهم مما يلوكون من الألفاظ إلا اختيار الكلمات الجارحة والتي يرددها من يصنفون في إطار المدرسة الاستعمارية في الاستشراق والتاريخ.
ومنذ فجر النهضة كانت معركة النهضويين مع هذه النوع من البشر الذي سماه بعضهم أتباع المدرسة الاستعمارية في رواية أحداث التاريخ ومعالجتها وقد ابتليت الأمة منذ القدم بهذا النوع من الناس وما وضاع الحديث واصطناع الأحداث واسنادها إلى الغير بقصد الإساءة إلا الأصل الذي يقاس عليه هذا الصنف من الناس الذين ابتليت بهم الأمة حيث يزيفون كل شيء لصالح نظرية الأسياد، لأسباب ودواعي مختلفة أهمها التظاهر بالحداثة والتعالم على الناس.
وهذا لا يعني رفض النقد المنهجي بل النقد مطلوب وهو أساس من أسس المنهجية العلمية والتاريخية عند المسلمين الأولين.
وعلى أي حال فإن حديث الجمعة لهذا الأسبوع قد خصصناه للحديث عن الظروف التي هيأ فيها الوطنيون المغاربة مطالب الشعب المغربي لسنة 1934 وإطلاق اسم «كتلة العمل الوطني» على حركتهم، وذلك في سياق السنة التي خصصها المجلس الوطني لحزب الاستقلال في دورته ليناير 2013 للتذكير بملاحم الشعب المغربي وكفاحه من اجل الحرية والاستقلال كما سنحاول إلقاء نظرة على مضامين هذه المطالب التاريخية في حديث آخر بحول الله.
*******
محاولة فاشلة:
بحلول فاتح دجنبر المقبل تكون مطالب الشعب المغربي التي هيأتها الحركة الوطنية المغربية قد سلخت من عمرها ثمانين سنة ففي صيحة ذلك اليوم من عام 1934 انطلقت ثلاثة وفود أحدها إلى القصر الملكي والثاني إلى الإقامة العامة والثالث إلى مقر وزارة الخارجية الفرنسية بباريز، وكان لهذه المطالب «البرنامج» صدى كبير في الأوساط السياسية الفرنسية والغربية بصفة عامة إذ كانت هذه الأوساط تتبع خطوات الحركة الوطنية الوليدة منذ بواكرها الأولى وبصفة خاصة، منذ الاحتجاج على ظهير 16 مايو 1930 والذي كان يروم في محاولة فاشلة أحداث ثغرة في جدار الوحدة الوطنية المغربية والنسيج الاجتماعي المتماسك منذ قرون.
حفظ التوازن:
لقد تبنى المغاربة الأمازيغ الإسلام دينا واللغة العربية لغة الثقافة وأداء الشعائر الدينية وتحرير العقود والمكاتبات باللغة العربية دون سواها، وفي نفس الوقت كانت مراعاة الأعراف التي تتعامل بها القبائل مرعية وفي حين التعارض مع الشريعة كان إفتاء العلماء هو الذي يحسم الأمر وذلك بإيجاد مخارج عن طريق الاجتهاد وتحقيق المناط أو تنقيحه حسب ما هو موجود في كتب النوازل والدراسات المتعلقة بها ومن هنا كانت عبقرية المغاربة في حفظ التوازن المجتمعي الضروري.
نزول الصاعقة:
وإذا كان الفرنسيون قد نزلت عليهم المطالب نزول الصاعقة فإن المواطنين المغاربة بصفة عامة والوطنين بصفة خاصة تلقوها بابتهاج وانشراح، ورأوا فيها خطوة مهمة في طريق التحرر والانعتاق، وقد كان هذا العمل بالفعل عملا متميزا أو خطوة كبيرة إلى الأمام في سبيل كسر قيد الحماية الذي كان يعوق التقدم والبناء، ويمكن المعمرين من سرقة الأراضي وأجودها بالأخص من أصحابها، ولذلك كانت المطالب شاملة كما نستعرض لذلك عندما نتناول هذه المطالب بشيء من التفصيل ونحن نلقي عليها نظرة بمناسبة الذكرى الثمانين لتقدمها ووضعها.
الشعور بالتفرذ:
لقد كان الوطنيون في هذه المرحلة يشعرون بنفوذهم وقوتهم وسط الشعب المغربي إذ كان الشعب يتجاوب مع هذه الثلة من أبنائه الشباب الذين قرروا من تلقاء أنفسهم أن يخدموا بلادهم بكل الوسائل الممكنة وتوخوا من أجل ذلك السبل التي تفتح قلوب الناس لدعوتهم ومشروعهم النهضوي فإذا رجعنا إلى أدبياتهم في تلك المرحلة مرحلة الإعداد وجدنا أن طموحهم ربما كان فوق جهدهم وطاقاتهم وفوق ما تعطيه المرحلة باعتبار أن النفوذ الذي كانت تمارسه التقاليد البالية على عقول الناسفي تلك المرحلة. وفيما يلي نماذج من طموح هذا الشباب كما عبر عنها بعضهم شعرا:
فعلال الفاسي أنشأ القصيدة المعروفة:
أبعد مرور الخمس عشرة ألعب والهوا بلذات الحياة وأطرب
وكذلك النص الشعري:
كل صعب على الشباب يهون هكذا همة الرجال تكون
وسنضيف بعض الأبيات من هذه القصيدة
وفي هذه المرحلة أنشأ المختار السوسي قصيدة في الموضوع وعبد الله كنون أنشأ قصيدة في الموضوع وكلهم دون سن العشرين باستثناء المختار السوسي الذي كان آنذاك في سن الواحدة والعشرين،
علال الفاسي مثلا يقول في القصيدة المشار إليها أعلاه:
كل صعب على الشباب يهون
قدم في الثرى وفوق الثريا
قد حسبناهم رجالا فكانوا
مثلوا ما مضى لهم من فخار
يا شباب البلاد أحييتمونا
ولنا في الشباب خير ظنون
أخبروا القوم أعلموهم بانا
قد بعثتم رجاءنا فأديموا
واحفظوا ما ورثتم من لسان
لغة العرب أتقنوها فمنها
ودعوا كل من يريد عداكم
ما يضير الشباب شيء إذا ما
اعملوا واخدموا ولا تتوانوا
***** هكذا همة الرجال تكون
همة قدرها هناك مكين
ولهم في الحياة مغزى ثمين
ليرى ما أتاه دهر خئون
فلنا فيكم رجاء متين
حققت في الشباب تلك الظنون
قد حيينا وإننا سنكون
سيركم واعملوا ولا تستكينوا
فهو روح الحياة والأوكسجين
كل ما تبتغونه يستبين
فهو ما عاش جاهل مجنون
رضي الشعب عنهم والدين
وانا بالنجاح بعد ضمين
وفي نفس السياق يقول عبد الله كنون
أما وشبابي في العلا قسما برا
أحيد بنفسي أن تهان كرامتي
إذا قيل هيا للفضيلة! لم يكن
وفي طلبي للمجد ذقت منيتي
وإني على قصدي وتسديد منطقي
ثباتي وحزمي واشتهاري بمبدأي
فإن كان في طبعي اتضاع لماجد
لأني امرؤ آبى المهانة والضيرا
وأربأ أن أسعى لما يوجد العذرا
ليسبقني من جد في نيلها السيرا
ولا زلت أستحلي لإدراكه المرا
لدن صغري لم أُلف إلا الفتى الحرا
ثلاثتها تكفي لأن أُهر الدهرا
فرب اتضاع كان من لطفه كبرا
ونجد المختار السوسي يقول في نفس التوجه
شباب المغرب الأقصى يفيق
أراهم يطمحون إلى المعالي
ويجري في دمائهم شعور
فيشتاقون للشرف المولي
ليحى المجد والحسب العريق
وما يرقي البلاد وما يروق
تثور به الشرايين والعروق
ويذكرون والذكرى تشوق
رفض المكتوب:
لقد كان الدور الذي كان يلعبه بعض الطرفيين الذين يرون في الاستسلام لما حصل بدعوى أنه قضاء يؤدي في النتيجة إلى خدمة الأهداف التي تتعارض مع أهداف هؤلاء الشباب الذي يرون أن ما حصل ليس قضاء وقدر على نحو ما يفهم هؤلاء، ولكنه أمر ساهم فيه انعدام الوعي بحقيقة القضاء والقدر نفسه. لذلك كان اعتماد هذه الفئة من الشباب الذي تصدى لخدمة وطنه ومواطنيه على تغيير الواقع ليتغير ما اعتبر من لدن أولئك قضاء وقدر، فالله سبحانه وتعالى قد ربط التغيير بإرادة الإنسان، واستفاد هؤلاء من الردود التي قدمها الرواد الأولون على دعوى كان يرددها المستعمر وأبواقه من المستشرقين وهو أن ما أصاب المسلمين إن ما جاء من إيمانهم بالمكتوب، والذي تعبر عنه المقولة المروية عن الإمام الغزالي أو على الأقل المنسوبة إليه، ليس في الإمكان أبدع مما كان والمدعمة بالحكمة القاتلة ((ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوجود غير ما أظهره الله)) دون الالتفات إلى قوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وقول «وما كان الله ليغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» ودعوة القرآن إلى العمل للالتقاء مع سنن الله في الكون، ورد الرسول عليه السلام على السائل أفلا نتكل على ما كتب لنا؟ بقوله عليه السلام اعملوا بكل ميسر لما خلق له.
روح التغيير
لقد كانت روح التغيير والإيمان بأن الله سبحانه وتعالى ربط تغيير واقع الناس بما يحدث بينهم وفيهم من تغيير ووضع المسلمين المغاربة كغيرهم من بقية الشعوب الإسلامية، إنما أصابها ما أصابها من الوهن لأنها استكانت ورضخت لقواعد القابلية للاستعمار والشباب يريد تغيير الواقع المبني على التخلف بواقع جديد ينشد العزة والكرامة والتحرر وكلها مما نص عليه القرآن وأيدته أحاديث الرسول وصدقة واقع المسلمين الأولين الذين كانوا يسترخصون التضحيات فوهبهم الله من أجل ذلك الحياة كما كانوا يقولون اطلب الموت توهب لك الحياة.
لقد كانت الحركة الوطنية كما قال علال الفاسي:
ثورة على الواقع:
بدأت الحركة بطبيعتها ثورة على الواقع، وبحثا عن وسائل تغييره، فوضعنا منذ الساعة في إطار الثورة الدائمة التي لا تعرف الاندحار ولا الوقوف، ثرنا على الحاضر الخرافي الذي كان يملأ أذهان المغاربة ويعوقهم عن استئناف المسير، وعلى الواقع الاستعماري الذي استعمل تلك الخرافات وحملتها سدا واقيا له من غضب الشعب وانطلاقته فكانت هذه الثورة المزدوجة هي الطابع الحقيقي لكل حياتنا، إنها ثورة على عوامل الرجعية وعوامل الاستعمار وبذلك فإن لها من عناصر الحياة والتقدم ما يضمن لها كل نجاح وفوز.
ضد الانحراف
ويتحدث علال على مظاهر الانحراف والتخلف ومواجهة الشباب الوطني لها فيقول:
قاومنا الرجعية الخائنة التي تسترت وراء التصوف والنفاق الاجتماعي وكان ذلك تمهيدا روحيا لابد منه لتعبئة الأمة للكفاح ضد العنصرية والقبلية التي أرادت السلطات الاستعمارية أن تبعثها من مرقدها بسم السياسة البربرية، وقد أثبت الشعب المغربي بصفة عملية تعلقه الدائم بعقيدة الإسلام وبإخوته فلم يجد المستعمرين نفعا ما حاولوه مع إخواننا البربر من إغراء وتنكيل. وتقدم القطر المغربي برمته يناضل في سبيل الوحدة الدينية واللغوية والقضائية، ومن وراء ذلك في سبيل كيانه القومي ووحدة المملكة.
في صميم المعركة
«وهكذا وجدنا أنفسنا في صميم معركة وطنية لابد منها لتوحيد الأمة وتوجيهها نحو الكفاح والتحرر، ولم تمض برهة من الزمن، حتى كان الشعب المغربي كله ينادي بالوطنية ويطالب بمحو كل مظاهر الفروق والميز العنصري، ومع أن الحركة قامت ضد الظهير البربري فلم يعد يفكر الشعب وقادته إلا في القضاء على الميز الاستعماري والدسائس الاستعمارية والبحث عن وسائل النهوض التي تسلحه بأساليب العمل المثمر ليسترجع حريته ويستعيد سيادته» عقيدة وجهاد ص:14-15 الطبعة2.
زيارة ناجحة:
هكذا إذن كانت البداية وكانت الأهداف المسطرة واضحة عبرت عنها مختلف العرائض والمقالات والاحتجاجات التي كتبتها وتقدمت بها إلى الجهات المعنية وآن الأوان لكي تدون وتنظم بالشكل المطلوب ولكن ما هي الظروف التي تم فيها وضع دفتر مطالب الشعب المغربي.
لقد كانت الزيارة الملكية لمدينة فاس الحدث الذي فاضت به الكأس ذلك أنه بعد الاستقبال الحار الذي قوبلت به الزيارة الملكية لمدينة فاس وكان مقررا أن يصلي جلالته الجمعة بمسجد القرويين ولكن الفرنسيين ساءهم ما عبر عند الشعب من الحفاوة والاستقبال وقرروا منع صلاة الجمعة لأسباب واهية وفي هذا يقول علال في الحركات الاستقلالية (ص:185) (الطبعة الخامسة).
منع صلاة الجمعة:
وفعلا توجه مسيو (هيللو) صحبة الجنرال حاكم الناحية للقصر العامر، وبلغا جلالة الملك مطالب فرنسا من جلالته بمناسبة زيارته لفاس، وقد رفض جلالته فورا المصادقة على اعتقال رجال الكتلة وواعدهما بالنظر في مسألة الصلاة بالقرويين.
الملك يغادر فاس:
وقد أمر جلالته بعد خروج ممثلي فرنسا بعقد اجتماع مجل الوزراء، وعرض على وزرائه الموضوع، وكان جلالته شديد التأثر، ويريد المصادمة التامة مع الفرنسيين نهائيا، ولكن المجتمعين اتفقوا على أن يخرج جلالته في صباح يوم الجمعة باكرا من فاس احتجاجا على تصرف الحماية دون أن يتم برنامج الزيارة الملكية، لأنه لا يمكن لجلالته أن يعدل عن أداء الصلاة في القرويين، وإذا سمح للجيوش بحراسته ربما انتهزت الفرصة للتنكيل بالأهالي على عادة الجنود الفرنسيين، وإذا امتنع عن قبول الحراسة ربما أو عزت الإدارة الفرنسية لبعض أذنابها بارتكاب جريمة ضدا على جلالته أو ارتكاب شيء أعظم من المشكلة الأولى.
رد الفعل:
ويواصل علال الفاسي الحديث في شرح الظروف التي أفضت على العمل على وضع المطالب وتقديمها:
بعد هذا الاجتماع وبعدما كتب في جريدة عمل الشعب قامت الإدارة الفرنسية برد الفعل الذي كان منتظرا من إدارة متغطرسة وسعى بكل الوسائل للحيلولة دون الانسجام بين الحركة الوطنية وجلالة الملك وفي هذا يقول علال الفاس في الحركات الاستقلالية:
وفعلا رجع جلالته إلى الرباط، وقد بعثت (كتلة العمل الوطني) لجلالته برقية تعلن فيها تضامنها مع جلالته، وتعلقها بعرشه الكريم، كما أصدرت عددا خاصا من (عمل الشعب) تشرح فيه الحقيقة عن (يوم 10 مايو). 1934
اجتماع تاريخي:
وفي 14 مايو بعث جلالته استدعاء لرجال الكتلة الموقعين على برقية التضامن يدعوهم فيها للقدوم للعاصمة بقصد المفاوضة معهم في بعض المسائل المهمة، وقد توجهنا فعلا حيث انعقد بيننا وبين مجلس الوزراء اجتماع برئاسة الصدر الأعظم حضره رئيس الديوان الملكي الذي بلغنا باسم جلالته أنه لم يخرج غاضبا على مدينة فاس وفق ما أشاعه المغرضون، بل خرج بالعكس مغتبطا مسرورا، وقد قرر هذا الخروج شفقة على رعيته من أن تمتد إليها يد المستعمر بسوء، ثم وقع استعراض عام للمسائل المغربية، وأظهر الوزراء كلهم رغبتهم في تحقيق أماني البلاد، وصرحوا لنا بأن الجميع يجب أن يتعاونوا على استرجاع السيادة المغربية المأسورة.
للحركة أساليب أخرى:
لقد اعتبر الوطنيون رد الفعل من لدن الاستعمار هو محاصرة الحركة الوطنية وتجريدها من كل وسائل التعبير وفي هذا يقول علال الفاسي رحمه الله:
وإزاء هذا الموقف الملكي لم تجد السلطة الفرنسية شيئا للانتقام به من (كتلة العمل الوطني) إلا توقيف جريدتها (عمل الشعب)، ومنع مجلتها (المغرب) التي تصدر بباريس من الدخول لمراكش، ومنع مجلة (السلام) وجريدة (الحياة) اللتين تصدرهما كتلة الشمال من الرواج في المنطقة السلطانية أيضا.
الدروس الليلية
وإذن فقد جردت الحركة الوطنية من جميع العدد التي كانت تستعملها للدعاية لمبادئها، ولكن للحركة أساليب أخرى ووسائل متعددة، ومن أهمها الدروس الليلية التي لم تنقطع أثناء غيبتي بباريس؛ إذ كان يقوم بها صديقنا الحاج حسن أبوعياد، وصديقنا عبد العزيز ابن ادريس حتى منعا، وقد استأنفتها بعد عودتي، فكان الإقبال عليها أكثر وأعظم، ولكن ضغط السلطة كان أشد وأعظم عليها.
مراقبة وشجاعة
في محاولة لمنع الرأي الوطني من الوصول إلى الناس ابتكرت الحماية أسلوبا للمراقبة على الدروس التي كان يلقيها العلماء في القرويين كما كان الأمر مع علال الفاسي فقد ذكر عبد الهادي الشرايبي في مذكراته (ثمن الحرية) أنه كان يتعرض لنفس الأسلوب والمعاملة يقول علال الفاسي:
وقد بلغ الأمر بإدارة الشؤون الأهلية إلى ألا تكتفي بجواسيسها، بل أخذت تكلف عدول المحاكم الشرعية بالحضور رسميا وبطريق المناوبة عدلين في كل أسبوع يستمعان لدروسي ويسجلان ملخصا لها ويمضيانه ثم يصادق القاضي على شهادتهما طبقا للمسطرة القضائية، وتنفيذا لنوع من الرقابة كان يستعمله نابليون على بعض الجامعيين، وكانت الإدارة تناقش العدلين في شهادتهما.
احتجاج ورفض
الأمر الذي استوجب مني احتجاجات متوالية انتهت بطلب السلطة الفرنسية من الحكومة الشريفة منع دروسي، ولكن جلالة الملك أصر على عدم المصادقة على المنع، فانتظرت إدارة الشؤون الأهلية حتى واتتها فرصة حوادث 6 فبراير 1934 التي جرت فيها المصادمات بين حزب الصليب الناري وأحزاب اليسار في فرنسا، وأصدرت في جوها أمرا تليفونيا عسكريا لشيخ القرويين بمعنى من التدريس».
معارضة واستشراق
ومن جملة ما قامت به الحركة في هذه المرحلة معارضة استشراق الميزانية الغربية لفائدة المعمرين الاحاديث وفي هذا يقول علال:
«وموازاة للحملات الصحفية والدعاية الوطنية قامت الكتلة بتوجيه عدة مذكرات واستكتاب عرائض ورفع تقارير في مختلف النواحي التي تتناولها الحماية طبقا لسياستها، ومن أهم ما قامت به معارضتها لمطالب الموظفين الفرنسيين، وانتهازها فرصة إضرابهم للمطالبة بإحلال المغاربة الأكفاء محل الأجانب في الوظائف المغربية، وتحميل الميزانية الفرنسية النفقات الراجعة لما يسمونه بلوازم النفوذ الفرنسي، وعدم أداء الميزانية المغربية للتعويض الذي تدفعه الدولة لجيش الاحتلال، وإسقاط الثلث الاستعماري، وبصفة عامة الانتقاد المر لسياسة الحماية المالية والاقتصادية المبنية على الاستغلال والميز العنصري.
ذ.محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي




