السياسة الجنائية المغربية بين التوجيه والتطبيق (ح5)

«إذا كان الطرف الآخر لديه ورقة خضراء يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية؛ فإن لدينا مبادئنا وعدالة قضيتنا !» .
من خطاب جلالة الملك في ذكرى المسيرة الخضراء 2014.

وإن قضيتنا عادلة… مهما تكدست الأوراق الخضراء في الصناديق
د. محمد ناجي ـ أكادير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوثائق القضائية والرسمية وقيمتها الحجاجية (ب)
قرار حفظ شكاية لانعدام الإثبات، يعني ضمنيا خلو الشكاية من أي وسيلة من وسائل الإثبات المنصوص عليها في الفصل 404 من قانون الالتزامات والعقود، أو من أي دليل آخر يثبت وقوع الجريمة، أو يثبت أن المشتكى به هو من ارتكبها ..
والحالتان معا منتفيتان في شكايتنا هذه ؛ لأنها قامت على شهادة رسمية وعمومية متهمة بالزور، صنعها المشتكى به؛ المساح الطوبوغرافي عبد الواحد أوبلقاس من أكادير، وسماها “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك” (ها1).. وبهذا يكون إثبات وقوع الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها مستفاد من تلك الشهادة نفسها؛ التي هي جسم الجريمة وأداتها، والتي لم ينكرها المساح ولم يطعن فيها..
وإذا كان المشرع المغربي لم يُـعَـرِّف الإثبات؛ لا مدنيا ولا جنائيا؛ فإنه قد حصر وسائله في القضايا المدنية في الفصل المذكور (404 ق. ل. ع.) ، وتركها مطلقة في القضايا الجنحية والجنائية، حسب المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على أنه: «يمكن إثبات الجرائم بأي وسيلة من وسائل الإثبات؛ ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك…»، ولهذا السبب فقد أوكل الشارع للنيابة العامة بأن تعهد إلى الشرطة القضائية بجمع الأدلة عن الجريمة والبحث عن مرتكبيها (المادة 18 ق.م.ج.) .
وإذ مـيّـزنا بين الإثباتين المدني والجنائي، فـلِـمَا بينهما من فرق يتمثل في أن المدعي في الدعوى المدنية يُـفترض فيه أن يكون قد هيأ أدلته الإثباتية قبل مباشرته للدعوى المدنية، من وثائق أو شهود أو غيرها؛ لأنه هو الملـزَم بالإثبات: فإذا ادعى أحد على غيره أنه دائن له بمبلغ من المال ـ على سبيل المثال ـ ، وأنكر المدعى عليه ذلك، فإن إثبات وقوع الدين ومبلغه يقع على كاهل المدعي الذي يكون قد حـضَّـر أدلته قبل مباشرة دعواه المدنية..
أما في الدعوى العمومية؛ فإنها في حالة جريانها وِفْـق المساطر الإجرائية الاعتيادية؛ فإن الإثبات الجنائي يأتي بعد تقديم الشكاية؛ سواء كان ذلك أثناء البحث التمهيدي، أو خلال التحقيق الإعدادي؛ حيث بعد أن تقتنع النيابة العامة بوجود عنصر المتابعة في الشكاية، تشرع هي ذاتها في مباشرة إجراءاتها المسطرية بجمع الأدلة، وتوجيه الاتهام، وتكييف التهمة، حتى يصبح ملف الدعوى العمومية جاهزا لديها، متضمنا للأدلة الكافية في نظرها على وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم، فـتـتخلى عنه بإحالته على قضاء الحكم.
هذا في حالة تقديم شكاية متوفرة على عنصر المتابعة، ومفتقرة إلى أدلة الإثبات..
أما إذا كانت الشكاية مرفقة بالحجة الدامغة على وقوعها، والدليل القاطع على نسبتها لمرتكبها المشتكى به؛ فإن حفظها، وتعليل ذلك الحفظ بانعدام الإثبات يبقى موضع نظر، ومبعث تساؤل عن مدى موافقة هذا الإجراء للصواب، وكذلك عن مدى حجية تلك الوثائق القضائية والرسمية المدلى بها بالنسبة للنيابة العامة .. ؛ خاصة إذا كان الأمر يتعلق بشكاية بجريمة خطيرة تدخل في خانة الجرائم التي تشملها المادة 83 من قانون المسطرة الجنائية .. حيث إن إحالة هذا النوع من الشكايات على التحقيق إلزامي بنص المادة المذكورة .. مما يجعل حفظها دون إحالتها على التحقيق يشكل تعارضا واضحا بين المبادئ العامة للسياسة الجنائية للدولة، وما يجري به العمل على أرض الواقع ؛
أما على مستوى التعليل في حد ذاته، فمما لا ريب فيه أنه يكون في هذه الحالة معيبا من جانبيه : القانوني والواقعي.
فأما في جانبه القانوني، فقد أبرزناه في الحلقة السابقة، وبـيّـنا مجانبته للصواب، بتحميله عبء الإثبات لغير الملزم به، وإعفاء الملزم به منه؛ والذي هو:
1ـ النيابة العامة فيما يتعلق بجمع الأدلة على وقوع الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها، بعد اقتناعها بوجود عنصر المتابعة في الشكاية.
2ـ المشتكى به فيما يتعلق بإثبات صحة ما يدعيه في شهادته من وجود أرض مساحتها 13 هكتارا على ضفة أبي رقراق، وما ذكره من وقائع متعلقة بها. (ها2).
أما بالنسبة للجانب الواقعي، فهو أيضا غير مطابق لواقع الشكاية باعتبار مرفقاتها التي تعد جزءا لا يتجزأ منها؛ لأنها تُـكَـوّن جوهر الشكاية، والأدلة المبنية عليها ..
وإظهار الكاتب لمفارقة ذلك التعليل لهذين الجانبين معا، إنما هو مستمد من المادة 365 من قانون المسطرة الجنائية التي تشترط في التعليل ليكون صحيحا مُـبـرَّأً أن يُـبـيِّن «الأسباب الواقعية والقانونية التي ينبني عليها الحكم أو القرار أو الأمر، ولو في حالة البراءة ». ولذلك فهو يدخل عنده في باب تكريس حقه الدستوري في التعبير عن موقفه من الأشياء، وفهمه للأمور بحرية وصراحة؛ ولو كان مصدره اختلافا في الفهم أو في التأويل المبني على حسن النية، بقصد إظهار الحقيقة التي هي في صالح العدالة قبل أن تكون لصالح المتضرر؛ حيث سيظهر بشكل جلي في الحلقات المقبلة مدى خطورة مقتضى ذلك المبدإ العام المعمول به في المغرب بعدم قابلية قرر الحفظ للطعن، مهما كانت حالة التعليل المبني عليه من الرخاوة أو الهشاشة،، على السياسة الجنائية العامة للدولة ، وعلى الدولة نفسها، ثم على المجتمع باعتباره المستهدف من كل سياسة جنائية تتبناها الدولة ، ثم على المشتكي المتضرر مباشرة من ذلك القرار .
لقد بـيّـنا في حلقات سابقة كيف بنى السيد وكيل الملك قراره بحفظ الشكاية للمرة الثانية على “انعدام الإثبات” ، بعد تراجعه عن حفظها “لانعدام عنصر المتابعة”؛ مما يفيد اقتناعها بوجوده..
والإثبات يعني بالمنظور القانوني، إقامة الدليل أمام القضاء، بالطرق التي عددها القانون في فصله 404 من ق. ل. ع.، أو بأي وسيلة أخرى بالنسبة للقضايا الجنحية والجنائية .
وبما أن شكاية المشتكي تقوم على اتهام شهادة رسمية وعمومية، أنجزها مساح طوبوغرافي، بأنها شهادة لا أصل لها؛ ولا أساس لها من الصحة لأنها صنعت لأرض لا وجود لها؛
وبصرف النظر أيضا عمن يلزمه الإثبات بالنسبة لطرفي الشكاية؛ هل هو المدعي بالشيء أم الذي ينفي وجوده ويبرئ ذمته منه؛
وتجاوزا عن السلطة المخولة للنيابة العامة في هذا الشأن..
فإن المشتكي مع ذلك قدم بين يدي شكايته أدلة قاطعة، عبارة عن وثائق قضائية ورسمية تمثل أقوى وسائل الإثبات في القانون: إقرار المشتكى به، والحجة الكتابية، والدليل الرسمي الصادر عن الدولة ..
فأما الإقرار فقد تضمنه محضرا الاستجوابين المرفقان بالشكاية (ها2)؛ حيث يقر المشتكى به فيهما بإنجازه لتلك الشهادة، وبأنه لم يرجع فيها إلى أي مستند قانوني، ولا إلى أي وثيقة عقارية أو رسم عدلي أو أي شيء .. مما يؤكد وضعها على غير أساس قانوني ..
وبما أنه لا وجود لأي بقعة أرضية تدخل في المجال الحضري لأي مدينة في المغرب إلا ولابد أن يكون لها مستند عقاري، أو رسم عدلي، أو مقرر عرفي، أو شهادة استغلال، أو أي شيء يثبت وجودها، ويُـعَـرّف بمالكها؛ فإن فراغ يد المساح وشريكه في الجريمة من أي وثيقة من هذا النوع لَـمِـمّا يثبت عدم وجود تلك الأرض.. لأنه لو كانت شهادة المساح الطوبوغرافي سليمة صحيحة، قد وُضعت لأرض موجودة بالفعل؛ لاستطاع أن يثبت وجودها وجودا حقيقيا ماديا بكل سهولة ويسر، ولكن عجزه عن ذلك يؤكد أن شهادته مجرد افتراءات وأباطيل، سماها زورا “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك”، تضليلا للعدالة ومغالطة للقضاء.
ومن الغريب في الأمر أن ينص المساح في شهادته على أسماء جوار تلك البقعة الأرضية، دون الإشارة فيها إلى اسم مالكها الذي هو الأهم في كل شهادة عقارية كيفما كان نوعها؛ حيث لا وجود لأرض ليس لها مالك؛ خاصة إذا كانت داخلة في المجال الحضري للمدينة.
كما أن المساح يُـقِـر في الاستجوابين معا بأنه إنما استقى معلوماته عن تلك الأرض من “تحرياته التي أجراها بعين المكان”.. مما يدل على فساد الشهادة من حيث مصادرها وأصولها ..التي هي في كل عقار كيفما كان نوعه عبارة عن وثائق قانونية، أو رسوم عدلية،، وليس في القانون العقاري شيء اسمه “التحريات في عين المكان”؛ باعتبارها من وسائل الإثبات؛ فهذا مصطلح تستعمله الشرطة القضائية بحكم صلاحياتها واختصاصاتها؛ حيث يشترط فيها أن تكون مبـيَّـنة ومفصلة. أما عند المساح، فلا يُـدرَى ما هي تلك “التحريات” التي قام بها في “عين المكان” ، والتي خرج منها بمعرفة أسماء مالكي الأراضي المجاورة دون معرفة اسم مالك البقعة، مع أن اسم المالك الحقيقي أو المفترض يعتبر هو الركن الأساسي في أي شهادة عقارية من هذا النوع؟
وهذه أمور لا تخفى على أحد؛ فما بالك بالنيابة العامة المتمرسة على أساليب التغليط ومحاولات التضليل التي يقترفها عتاة المجرمين؛ ولا يفلحون !
ثم إن هناك إقرارا آخر للمساح، أدلى به للضابطة القضائية في محضر رسمي أنجز له بعد تقديم الشكاية؛ حيث صرح بأنه إنما استقى معلوماته واسم مالك الأرض من “زميل له” ..
وهي طامة أخرى ..
فقد أصبح في قوانيننا مصدر آخر أضافه المساح لإثبات وجود أرض والتنصيص على أسماء الملاك للأراضي المجاورة لها، وهو “زميل لي” ، دون أن يُـعَـنِّـيَ نفسه عناء ذكر اسمه ليتسنى النيابة العامة التأكد من صحة ادعائه، أو أنه مجرد تستر وراء مضمر آخر مجهول، كتحرياته المزعومة..
ولم يقتصر الأمر في إقرارات المشتكى به على هذا؛ بل إنه أضاف معلومة أخرى في محضره الرسمي لدى الضابطة القضائية؛ وهي نسبة ملكية تلك الأرض إلى “عائلة الشريف علوي”؛ مدعيا أنه إنما عرف هذا الاسم من طالب الشهادة المسمى عبد العزيز أبو المجد ..
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يذكره في شهادته ؟
إنها أمور لا يمكن أن تغيب عن النيابة العامة بما عرفت به في أكادير من نباهة وحذق وشطارة، وقدرةٍ كبيرة على استقراء مُـضـمَـرات أجوبة المجرمين عن الأسئلة المحرجة، والموصلة إلى الكشف عن الحقيقة .
وهكذا يتبين أن تصريحات المشتكى به وأجوبته الموثقة قضائيا، في ثلاثة محاضر، كلها أوهى من بيت العنكبوت، لا تقدم أي معلومة على الإطلاق لإثبات وجود تلك الأرض وجودا ماديا وحقيقيا، وبوسائل قانونية مقبولة .
فأين الفقه إذا لم يكن بصيرا بما تضمره التصريحات الهوائية الجوفاء من حقائق تحاول التستر عليها بخوائها وأباطيلها ؟ !
وبناء عليه فإن الذي يستنتج من إقرار المشتكى به في كل محاضره القضائية، هو زورية تلك الشهادة التي صنعها من فراغ .. بدليل فراغ يده من أي وثيقة أو أي مصدر يثبت وجودها قانونا .
إننا لا يمكن أن نتصور أبدا أن تكون هناك في المغرب، بلد النبهاء وفطاحلة القانون، نيابة عامة بهذه السذاجة التي تصورها المساح الطوبوغرافي في تصريحاته، معتقدا أن بإمكانه أن يغالطها أو يحجب عنها الحقيقة؛ أو أنها ستنخدع لتفاهاته وسخافاته الواهنة؟
كما أنني أربأ بأي نيابة عامة في المغرب، وخاصة نيابتنا العامة في أكادير التي نكن لها كل التقدير، ونشكرها على مجهودها المتواصل لضمان الأمن والاستقرار لمدينة أكادير الزاهرة ، إننا نربأ بها أن تكون بالصورة التي توهمها لها ذلك المساح الطوبوغرافي وهو يدلي بتصريحه المبني على المجهول أمام الضابطة القضائية، والقائم على التفاهات والأباطيل، معتقدا أنها ستصدقه في كل كلمة فاه بها، أو أن سخافاته ستجوز عليها .
إنه واهم إن اعتقد ذلك. لأن رأينا في نيابتنا العامة أنها أذكى منه ومن كل مجرم مهما حاول أن يخادع ويتلاعب..
هذا عن الحجة المتمثلة في إقرار الخصم المُـضـمَّـن في وثائق الشكاية المدلى بها؛ والتي يتضح منها أن قرار حفظ تلك الشكاية بسبب “انعدام الإثبات” يتنافى مع واقع وجودها ضمن المرفقات؛

أما الحجة الكتابية، فهي بكل بساطة تلك الشهادة التي صنعها المساح المشتكى به، ومهرها بتوقيعه، وسماها “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك” دون أن يكون فيها أي جانب من الحقيقة والواقع؛ وإنما هي شهادة إثبات حالة من الزور البين، والكذب الصراح، بدءا من خرقها السافر للشروط القانونية الواجبة لإنجاز أي شهادة من هذا النوع، وأبسطها وأهمها في نفس الوقت، الحصول على موافقة المالك لإنجاز مسح طوبوغرافي لأرضه . حيث لم يسبق ـ حسب علمي المتواضع ـ أن قام أي مساح طوبوغرافي بالهجوم على أرض، لا يعرف مالكها، ثم دخلها عنوة رفقة شخص آخر غريب عنها هو أيضا، ليعبث بأحوالها، ويضع عليها آلاته وأدواته، ويغرس فيها أوتاده ومساميره فيما ادعاه من إنجاز مسح طوبوغرافي لها، وكأننا في بلد السيبة، والفوضى، وغياب القانون، وانهيار مبدأ احترام ممتلكات الناس وحمايتها؛ مما يستحيل أن يقدم عليه أي إنسان؛ ولو كان لا يفقه في القانون حرفا؛ فما بالك بموظف عمومي من أصحاب الوزن الثقيل، المرتبط ارتباطا ضروريا ومهنيا بقوانين التعمير والعقار والممتلكات الخاصة والعمومية ..
إنني أتحدى هذا المساح المغامر أن يحضر للعدالة شهادة واحدة بإثبات الحالة الراهنة لأي ملك، أنجزها مساح طوبوغرافي، دون إذن من مالك تلك الأرض أو إذن من يقوم مقامه؛ أو دون حضوره أو حضور من يقوم مقامه.
ولكن مساح أكادير المغامر يدعي أنه فعل ذلك، دون خوف ولا وجل، ولا تَـحَـسُّـبٍ من متابعته من طرف النيابة العامة على تهجمه على أراضي الغير والعبث بها في غيبتهم وبدون إذنهم.
وبقليل من الفطنة التي لا ترقى إلى فطنة النيابة العامة ونباهتها، يستطيع أي شخص أن يدرك أن شهادة ذلك المساح مزورة؛ لأنه لو كان لتلك الأرض وجود، فسيكون لها مالك بطبيعة الحال. وإذا كان لها مالك، فلاشك أنه لن يسمح له بالهجوم عليها والعبث بها في غيابه وبدون إذنه؛ خاصة وأنها أرض لا يقل ثمنها عن عشرين مليار سنتيم؛ لو كان لها وجود بالفعل..
ومن أبرز الأدلة الكتابية الأخرى على زورية شهادة المساح الطوبوغرافي، ذلك التاريخ الذي صُـدِّرت به وهو 22 يونيو 2009 .. فهذا التاريخ هو فرية لا تتناسب مع حاله بصفته مساحا طوبوغرافيا يفترض فيه أن يكون مطلعا على القوانين العقارية والمعمارية المتعلقة بمهنته، والجاري بها العمل في ذلك الوقت. حيث إن جميع المغاربة يعلمون بأن كل الأراضي المحاذية لضفتي نهر أبي رقراق كانت قد خضعت لنزع الملكية للمنفعة العامة، منذ سنة 2005 ،، وأنه قد صدر في شأنها ظهير بمثابة قانون، بتاريخ 23 نونبر 2005 ، رقمه: 70 – 05 – 1. نشر بالجريدة الرسمية عدد 5373 بتاريخ 25 شوال 1426 الموافق لـ 28 نونبر 2005 (قانون رقم 16.04 يتعلق بتهيئة واستثمار ضفتي نهر أبي رقراق) ..
وهذا وحده دليل كاف يمتنع معه القول بأنه قام بعد أربع سنوات على دخول هذا القانون حيز التنفيذ، بإنجاز مسح طوبوغرافي لها.
فإذا أضفنا إلى هذه المعلومة التي كانت قد وصلت إلى علم جميع المغاربة، حيث واكبتها حملة إعلامية واسعة عبر كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، فتهافتت الشركات العالمية، وكبار المستثمرين من كل بلد على الاستفادة من بعض عروضها في مجال البناء والتعمير والسياحة وغيرها من المشاريع الهائلة التي يسيل لها لعاب رجال الأعمال من أي قطر؛
إذا أضفنا إلى هذا تلك الموانعَ المذكورة في المواد القانونية 4 و6 و7 الواردة في الظهير المذكور، وهي :
«المادة 4: توقف ابتداء من تاريخ نشر هذا القانون بالجريدة الرسمية، … جميعُ العمليات العقارية بالأملاك المحفظة أو الموجودة في طور التحفيظ، أو غير المحفظة الواقعة داخل منطقة التهيئة، ما عدا العمليات المبرمة مع وكالة تهيئة ضفتي نهر أبي رقراق واللازمة للقيام بمهامها.
المادة 6 ــ يجب على الموثقين والعدول وجميع المأمورين والمحافظين على الأملاك العقارية والرهون وقباض التسجيل رفض تلقي أو تسجيل جميع العقود المتعلقة بالعمليات المشار إليها في المادة 4 أعلاه ، وذلك ابتداء من تاريخ نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية.
المادة 7 ــ تعتبر باطلة وعديمة الأثر كل عملية مشار إليها في المادة 4 أعلاه ، لم يكن لها تاريخ مثبت قبل نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية »
ومعلوم أن مؤسسة النيابة العامة التي يُـعَـيَّـن أعضاؤها بظهائر ملكية، هي الجهة المختصة بحماية مقتضيات الظهائر الملكية ومتابعة كل من تسول له نفسه تجاهلها أو تحديها ..
فسنكون أمام دليل لا أعتقد أن يكون في المغرب من يجرؤ على خرقه، أو يتطاول عليه ..
ومعلوم أن مؤسسة النيابة العامة التي يُـعـيَّـن أعضاؤها بظهائر مماثلة، هي الجهة المختصة بفرض احترام موجبات الظهائر الملكية ، والمكلفة بالحرص على تنفيذ مقتضياتها، وعدم السماح بخرفها أو تجاوزها، والموكول لها حصريا متابعة كل من تسول له نفسه تجاهلها أو تحديها ..
ولذلك؛ فإنه متى ما تعارض أي إجراء مع ما ينص عليه أي ظهير شريف، فإنه يكون من واجب النيابة العامة أن تقدم مضامين الظهير الملكي على أي مصلحة أخرى، كيفما كان نوعها.
وهذا المساح المغامر، لم يكتف ـ حسب تصريحاته ـ بتحدي المالك لتلك البقعة التي ادعى في شهادته أنه هجم عليها وعبث بها في غيابه وبدون إذنه؛ بل إنه تطاول على ما هو أسمى وأوجب للتقدير والاحترام، فتحدى مضامين ذلك الظهير الذي يمنع منعا مطلقا القيام بأي إجراء عقاري على أراضي الضفتين، ابتداء من تاريخ صدوره سنة 2005؛ إلا ما كان داخلا في مهمة الوكالة الوطنية المكلفة بتهيئتها… وكتب بيده شهادة يتبجح فيها بأنه أنجز مهمة عقارية على بقعة من أراضي الضفتين في 2009، رغم المنع الصريح بظهير شريف صادر قبل أربع سنوات .. وكأنه يعيش في بلد لا ينظمه قانون، ولا يحميه سلطان .
جاء في الدستور الدائم لدولة قطر، المادة 129: « سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وشرف القضاء، ونزاهة القضاة وعدلهم ضمان للحقوق والحريات» .
وإننا لنتطلع أن يكون الحال كذلك عندنا…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1) للمزيد من الاستيضاح يرجع إلى المقال الذي نشرته جريدة كواليس بعنوان “ما رأي وزير العدل في جرائم هذا المساح الطوبوغرافي ” ، حول الشكاية المرفوعة إلى النيابة العامة بأكادير تحت عدد 8878-12 . رابطه الإلكتروني :
http://www.cawalisse.com/archive_old/49832/06/12/41/48?
2) انظر مقال : “السياسة الجنائية بين التوجيه والتطبيق (ح4) . رابطه :
http://www.cawalisse.com/archive_old/59340/11/13/15/23

[email protected]


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني