تقرير حول وضعية منظومة التربية والتكوين

الرباط، في:30/12/2014

السياق العام:
يأتي هذا التقرير التركيبي لجمعية الشبيبة المدرسية في إطار سياق جد هام تعرفه البلاد على مستوى الشأن التربوي والتعليمي. خصوصا وأن مسالة التعليم تحظى باهتمام كبير من أعلى سلطة بالبلاد.هذا السياق تؤطره لحظات سياسية أساسية تتمحور كلها حول سؤال إصلاح منظومة التربية والتعليم والسبل الكفيلة لتجاوز معيقات التنمية المستدامة لتحقيق الازدهار و الرقي، لقد شكلت قضية التربية والتكوين المحور الأساسي للخطاب السامي الذي ألقاه جلالة الملك بمناسبة الذكرى الستون لثورة الملك والشعب، يوم الثلاثاء 20 غشت حيث ذكر بأهمية الميثاق الوطني للتربية والتكوين: باعتباره أهم وثيقة لإصلاح منظومة التربية والتكوين أجمع وتوافق عليها مختلف الفاعلين والفرقاء والمتدخلين والمهتمين بالمجال التربوي ببلادنا، والتي تم الحسم من خلالها في المرتكزات الثابتة والغايات الكبرى لنظام التربية والتكوين
لكونه يعد المرجع الأساس للإصلاح التربوي المنشود من خلال تحديده المرامي الأساسية للمنظومة التربوية المستقبلية، والتي تتمثل بالأساس في: ضمان الولوج العادل والمنصف إلى المدرسة والحق في الاستفادة من تعليم جيد وملائم لمتطلبات الحياة، وكذا ضرورة تطوير الملكات والكفايات لدى المتعلمين واستثمار طاقاتهم الإبداعية اعتماد النقاش الواسع والبناء: من خلال الحرص على نهج مقاربة وطنية تشاركية واسعة في معالجة الإشكاليات التربوية الكبرى والتي تعتمد أساسا على الإشراك والتشارك الحقيقي لكل الفاعلين والمتدخلين والشركاء في الحقل التربوي (تلاميذ، مدرسون، إدارة تربوية، أطر المراقبة والتأطير التربوي، آباء وأمهات، فاعلون ومتدخلون، شركاء، نقابات تعليمية، القطاعات الحكومية والجمعيات ذات الصلة بالتربية والتكوين، خبراء وأكاديميون…
لقد شكل حدث تعيين أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من طرف جلالة الملك الحدث الأبرز في الساحة التربوية هذه السنة, وإذا كانت هذه المؤسسة الدستورية قد جاءت بهدف إصلاح اختلالات المنظومة التعليمية إلا أن الإشارات الأولى لا تبشر بالخير لاسيما بتغييب تام لممثلي الطلبة وكذا تغييب مقصود لممثلي الشريحة التلمذية ممن راكموا تجارب في الاشتغال في جمعيات المجتمع المدني الناشطة في الميدان التربوي في اللقاءات التشاورية الإقليمية والجهوية حول إصلاح المنظومة التربوية وكذا في هيكلة المجلس.
ووعيا من جمعية الشبيبة المدرسية التي شكلت منذ الاستقلال صوتا جماهيريا وقوة اقتراحية فاعلة من أجل تحقيق شعارها الخالد ” تعليم شعبي ووطني” وانطلاقا من مواكبة الجمعية لواقع منظومة التعليم وما تطرحه من رهانات وأسئلة تتطلب أجوبة دقيقة لاستشراف حاضر وواقع القطاع، فقد التأمت كل جهود أبناء الشبيبة المدرسية لوضع تصور يرصد كافة الجوانب التي أسهمت من قريب أو بعيد في التراجع الخطير لمنظومة التعليم وذلك على أسس تحليلية ميدانية و دراسة متأنية جمعت بين آراء المختصين و الفاعلين و الشركاء و المتدخلين و التلاميذ وأسرة التعليم مدعومة بمعطيات و دراسات رقمية و إحصائية كفيلة بكشف الاختلالات البنيوية و تشخيص العلل التي أضحت التربية و التعليم تتخبط في شباكها بالرغم من كل البرامج و المخططات الاستعجالية و الاستثنائية و الظرفية التي تعتبرها الشبيبة المدرسية مجرد ترقيعات سطحية تزيد من تعميق جراح قطاع يحتل موقعا متقدما وحيويا.
فالحديث عن واقع التربية والتعليم ببلادنا يجرنا للوقوف عند المراتب المتأخرة التي يحتلها المغرب في سبورة الترتيب العالمي على مستوى جودة و أداء المنظومة ككل سواء من حيث المستوى المرجعي الدولي في الرياضيات و العلوم الذي سجل تراجعا وكذا وضعية التحصيل بالنسبة للتلاميذ و وواقع ممارسة مهنة التعليم بالنسبة للأساتذة الذين يفتقد جلهم لتقنيات التقويم المدرسي والتربوي وآليات التكوين الأساس أو المستمر الذي يندرج في إطار مقاربة الكفايات أو على مستوى الميزانية القطاعية المحتشمة، فيما يبقى الهدر المدرسي أحد تجليات فشل السياسات التعليمية ناهيك عن حالات التكرار التي تسجل أوج معدلاتها بالعالم القروي.

إن المسؤوليات التي اضطلعت بها الشبيبة المدرسية لأزيد من 57 سنة مكنتها من مراكمة تجربة و رصيد هام كما منحها ما يلزم من آليات التقييم للسياسات العمومية المرتبطة بالتعليم انطلاقا من معايشتها الميدانية و اليومية لتطلعات الحركة التلمذية و انتظارات هيئة التدريس بكافة المستويات الابتدائية و الإعدادية و الثانوية و قدرتها على طرح الحلول و بدائل لكل البرامج التي أثبتت فشلها في العديد من باستثناء النجاح الكبير في هدر المال العام و تشريع قوانين و مساطر سمتها تغييب الشركاء وغياب رؤية مندمجة تتماشى مع الحاجيات المتزايدة للحاضر و رهانات المستقبل.

الدخول المدرسي لموسم 2014/2015 نموذجا:
شهد الدخول المدرسي برسم هذه السنة ارتباكا واضحا في التدبير والتتبع لدى النيابات الإقليمية والمصالح المختصة عبر ربوع المملكة، فقد مرت عملية الدخول المدرسي في جو سيء ومشحون بين كل المتدخلين المباشرين في الحقل التربوي لم يعرف بذلك طريقا لبر الأمان.
وإذا كان بلاغ وزارة التربية الوطنية و التكوين المهني قد حدد 10 شتنبر 2014 كتاريخ للدخول المدرسي بالنسبة للسلك الابتدائي والإعدادي ويوم بعد ذلك بالنسبة للطور الثانوي التاهيلي فان كل المتتبعين قد أكدوا على أن الوزارة الوصية أخلفت موعدها مع الملايين من التلاميذ وعبرهم كل الشعب المغربي خصوصا إذا استحضرنا المشاركة الواسعة لأكثر من30,000 إطار من رجال و نساء التعليم في عملية الإحصاء العام للسكان و السكنى التي لم تنتهي إلا بتاريخ 20 شتنبر 2014
لم تنجح الخرجات الإعلامية المتكررة للوزير الوصي على القطاع في إخماد غضب أباء وأولياء التلاميذ وفعاليات المجتمع المدني الذين لم يتوانوا في الضغط على الجهات المسؤولة في العديد من المناطق قصد التسريع في إجراءات واقعية تحد من نزيف الزمن المدرسي. هذا المطلب الملح والمستعجل تجاوبت معه النيابات الإقليمية والمصالح المختصة بكثير من الاستهتار لاسيما عندما شرعت في توزيع مهمات التكليف لأساتذة بشكل عشوائي وكأن الأمر لا يتعلق بتدريس وتعليم بل بوضع تلاميذ تحت الحراسة.
تخبط كبير في تدبير الدخول المدرسي راجع بالأساس إلى انفراد الوزارة بهذه العملية الهامة دون إشراك بقية المتدخلين و المهتمين بالشأن التربوي خصوصا ممثلي التلاميذ و أولياء أمورهم.
مر اليوم الوطني للمدرس الذي يصادف 05 أكتوبر من كل سنة بدون بادرة رمزية تذكر، حيث لم تعر بمناسبته الوزارة أي اهتمام يذكر لهذه الفئة الواسعة بل أكرمتهم بقرار مجحف لا دستوري القاضي بمنع رجال التعليم من متابعة الدراسة الجامعية و ذلك بامتناعها عن منح تراخيص متابعة الدراسة. هذا الأمر يفتح الباب للتساؤل على مسالة التكوين المستمر لموظفي الوزارة المعنية خاصة هيئة التدريس المطالبين بالمقابل بمواكبة المستجدات التربوية والتعليمية للرفع من المستوى التكويني لما لهذا من انعكاس ايجابي على مستوى التلاميذ..والرأي العام المغربي كله شهد كيف أن مصادرة حق نساء ورجال التعليم في متابعة الدراسة خلق استياء كبيرا في صفوفهم، مما أثر على انطلاق عملهم الدراسي لهذا الموسم الذي طبع بنفسية محطمة.

الموارد البشرية:
لا يستقيم النقاش حول الأسباب التي تقف وراء التعثر المتكرر للمنظومة التعليمية دون الإشارة إلى محور أساس و الحلقة الوسطى في تدبير العملية الدراسية ألا وهو العنصر البشري الذي يضطلع بمهام الإدارة و التدريس بحيث أن التدقيق في حريطة الموارد البشرية يجعلنا نقف عند عدم التوازن و سوء توزيع الكفاءات و الأطر التي غالبا ما نجدها تتحمل مسؤولية خارج اختصاصاتها و مهاراتها مع وجود تركيز واضح لرجالات التعليم في أهم الحواضر التي تعرف مستويات التمدن. وطبعا كل هذا ناجم عن عدم توازن المجالات الترابية من حيث التنمية و توفير الخدمات و شروط الاستقرار التي تتحكم في انتشار الموارد البشرية كما تتحكم في الكثافة السكانية و توسع العمران. مما ينجم عنه اختلالات بالجملة تبدو أولى تجلياتها في معدلات الاكتظاظ المرتفعة خاصة في المدن التي يبلغ فيها عدد التلاميذ في الحجرات 50 فردا مما ينعكس على جانب التلقي و الفهم و الجودة، وكذلك على مستوى التتبع و المراقبة الإدارية التي فرضت وجود حارس عام واحد وبدون مساعدين لأزيد من 300 تلميذ يصبح التواصل معهم و فرض هيبة الحراسة العامة مهمة صعبة وشبه مستحيلة غالبا ما يترتب عنها انفلاتات و سلوكات تجد في هذا الفراغ فرصتها لتتكرس كواقع يومي يضر بالمؤسسة

البكالوريا الدولية:
تشكل المرحلة الثانوية محطة مفصلية لتقييم سنوات من التعلم و لحظة لاتخاذ القرار المناسب لدى التلاميذ المقبلين على الدراسات الجامعية إلا أن واقع و طبيعة مستوى الباكلوريا و التفاوت الملوحظ من حيث فرص الدراسة بين إقليم أو جهة و أخرى على ضوء الامتيازات المطروحة في محاور حضرية كبرى فرض نتائج غير مستقرة و بمقاييس غير متقاربة، وفي الوقت الذي تطلعت أفواج التلاميذ إلى ضرورة إيجاد الحل لهذه المعضلة عبر تدابير ميدانية تؤسس لعدالة تعليمية بين كافة أبناء الوطن تفتقت عبقرية الوزارة الوصية بمنتوج جديد يحمل إسم البكالوريا الدولية وكأنها درجة متقدمة و تصنيف يجعل من البكالوريا المغربية التي استأنست بها أجيال مغربية شهادة من الدرجة الثانية التي لا تحقق المبتغى. مما يعتبر تبخيسا لمنظومة التعليم الوطنية و مسا خطيرا في جودة و مصداقية شهادة لها قيمتها و قوتها في رسم طريق الدراسة و البحث الجامعي لدى الطالب في المستقبل.
إشكالية الهدر المدرسي:
بقدر ما ما حرصت الشبيبة المدرسية على القيام بواجباتها التأطيرية لفائدة التلاميذ فإن إشكالية الهدر المدرسي تبقى عائقا كبيرا يتهدد منظومة التعليم، في الوقت الذي لا يزال أفواج التلاميذ يغادرون الفصول الدراسية بسبب قلة الإمكانيات و العزلة و انعدام أفق يشجع على متابعة المسيرة الدراسية إضافة إلى مساهمة المساطر و القوانين الداخلية و الإدارية المعمول بها و التي تكون صرامتها و طبيعتها الزجرية وقرارات مجالس الإنضباط دافعا للتلميذ من أجل الانقطاع عن الدراسة بدون أن ننسى الشروط التعجيزية المفروضة على من يرغب في متابعة الدراسة بعد فترة انقطاع طويلة، ما يتنافى مع المواثيق الدولية لحقوق الطفل و يتعارض مع روح الوثيقة الدستورية التي نصت على الحق الكامل في الدراسة و التحصيل دون أن تخضع ذلك لمقاييس و شروط معينة ما دام ذلك له أثر إيجابي في محاربة الجهل و الأمية وهنا نستحضر كل الحالات التي استهدفتها قرارات المجالس التأديبية في ظرفية لم تراعي مصلحة التلميذ و معاناة الأسرة ووضعها الاجتماعي كماهو الشأن بالنسبة لمجموعة بني أنصار من التلاميذ المفصولين لأسباب غابت فيها شروط العقاب كما غاب البعد التربوي في معالجة إشكالية لا تستحق كل التهويل الذي يجعل تصرف التلاميذ أشبه بجناية و جرم مع العلم أن القطاع يحمل إسم وزارة التربية الوطنية مما يعبر على سيادة نوع من المزاجية و التدابير النابعة من مواقف شخصية في غالبها يذهب ضحيتها التلميذ بل يشكل ذلك خسارة لفرد وعنصر من هذا المجتمع.
قضايا تلمذية:
شكلت سنة 2014 سنة كارثية فيما يخص المقاربات المعتمدة من طرف الوزارة الوصية لحل بعض المشاكل التي لم يتم فيها إنصاف التلاميذ، ولعل الملف المتشابه لكل من التوأم سمية وسلمى الأحمدي من بركان وكذا التلميذتين سارة وأسماء من مراكش قد كشف الوجه البيروقراطي للوزارة وكذا سياستها التحكمية وأسلوب التعنت والتجبر في مواجهة التلاميذ الذين لا زالوا يشكلون الحلقة الأضعف في منظومة التربية والتكوين.
وهنا وجب التذكير بأن محكمة الاستئناف الادارية بالرباط قد أيدت الحكم الابتدائي وحكمت بإلغاء قرار ترسيبهن وبالتالي تسليمهن شهادة الباكالوريا وما يترتب عن ذلك من جبر ضررهن، ولكن الوزارة تأبى إلا أن ترفض تطبيق المقرر القضائي في مشهد يعيدنا إلى زمن تحتقر فيه السلطة التنفيذية السلطة القضائية.
كذلك، وجبت الاشارة الى أن هذه السنة شهدت فواجع راح ضحيتها تلاميذ وسط المؤسسات التعليمية وفي محيطها، كما وقع للتلميذة لطيفة صبري من قلعة السراغنة والتلميذ جواد اليوسفي بمنطقة تيداس بالخميسات والتلميذتين اللتين راحتا ضحية الفيضانات بأزيلال بعد أن قذفتهما المدرسة خارج أسوارها.

مواطن الاختلال التي تواجه المدرسة المغربية:
تواجه المدرسة المغربية اختلالات كثيرة داخلية وخارجية لم تستطع تجاوزها رغم المجهودات المبذولة لإيجاد حلول ملائمة لها. ورغم صعوبة رصد جميع هذه الاختلالات فسنحاول الوقوف عند أهمها وهي كالتالي:
 عدم القدرة على الاستجابة لمتطلبات المجتمع بالإيقاع والحجم المطلوبين، فبالرغم من عمليات توسيع البنيات التحتية، وتقديم الدعم الاجتماعي للتلاميذ، فإن المدرسة المغربية لم تستطع بعد مسايرة متطلبات المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ،بدليل حالة اللاتوازن القائمة بين منتوج المدرسة وسوق الشغل تعبيرا عن علاقة غير متوازنة بين المدرسة ومحيطها الاقتصادي عنوانها المزدوج بطالة الخريجين من جهة، وندرة الكفايات والأطر في قطاعات انتاجية معينة
 ضعف القدرة على كسب رهان التنافسية العالمية في المجالين الاقتصادي والمعرفي ، ذلك أن التعليم العمومي بالمغرب ما يزال أسير المؤشرات الكمية يراهن على رفع معدلات الولوج، دونما الالتفات الى نوعية الخدمات المقدمة، وهذا ما يجعل مسألة جودة التعلم والانخراط في مجتمع المعرفة بعيدة المنال وذلك في غياب تبني اختيارات بيداغوجية ملائمة وناجعة تمكن زبناء المدرسة المغربية من اكتساب الكفايات التي تتيح لهم الإسهام في تدبير المعرفة وانتاجها.
 ضعف في التمكن من الكفايات الأساس المحددة لكل سلك وخاص التمكن من اللغات التواصلية مع العالم الخارجي
 ضعف الاهتمام بالموارد البشرية داخل وخارج وزارة التربية الوطنية: تؤكد مختلف الأبحاث والدراسات الدولية على مركزية المورد البشري ومكانته في إنجاح المنظومة التربوية، وتواجه وزارة التربية الوطنية صعوبة تدبيرالكتلة الضخمة من الموارد البشرية، نظرا لخصوصيتها واختلاف أصنافها و أنواعها (أساتذة، أطر الإدارة التربوية، المساعدين الإداريين والتقنيين، ملحقين إداريين وتربويين، مستشارو التخطيط و التوجيه التربوي، هيئة التفتيش، الأطر المشتركة…) الشيء الذي يجعل تدبير الموارد البشرية بقطاع التربية الوطنية يصطدم بمجموعة من الصعوبات و الإكراهات أهمها ضعف ممارسة الحكامة الجيدة في تدبير الموارد البشرية (ضعف المشاركة و التشارك في تدبير العنصر البشري، نقص الشفافية، ضعف ثقافة التقييم و المحاسبة…)؛
 لم تستطع بعد تحقيق تعميم التعليم على كافة الأطفال البالغين سن التمدرس. فرغم جميع المجهودات المبدولة في هذا الإطار فإن نسبا مهمة من الأطفال البالغين سن التمدرس في العالم القروي لازالوا خارج أسوار المدارس، وخاصة الفتيات منهم..
 غياب نظام ناجع لتقويم كل مكونات المنظومة التربوية، إذ غالبا ما يتم اعتماد تقارير سريعة أو تغمينات غير موضوعية لاتخاد قرارات مصيرية تهم جوانب مصيرية في حياة المجتمع.
 انتشار العنف المدرسي في أوساط المؤسسات التعليمية بمختلف أنواعه، عنف رمزي ولفظي وجسدي، لم يعرف طريقه الى المدرسة المغربية إلا في السنوات الاخيرة بهذا الشكل وهذه الحدة؛
 التعامل غير الواضح مع إشكالية اللغات، التي يعتبر دورها وتأثيرها على النجاح المدرسي والإدماج المهني بديهيا، في اتجاه تحديث تدريس اللغة العربية، والتحكم في اللغات الأجنبية، والنهوض باللغة الأمازيغية؛
 اعتماد الكم والتلقين في إعداد المناهج والبرامج بدل اعتماد الكفايات وتنمية المهارات والقيم الانسانية الوطنية والكونية في تصريفها؛
 ضعف الانفتاح عل المحيط وغياب المقاربة التشاركية في تدبير شؤون المدرسة سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني؛
 تسجيل قصور في النصوص التشريعية و التنظيمية الحالية ويتجلى ذلك فيما يلي:
– غياب الإطار المرجعي للكفاءات والوظائف، الذي يحدد بشكل مفصل و بدقة المهام و الأدوار المنوطة بكل موظف و يضمن له الحقوق ويحدد له الواجبات؛
– قصور النظام الأساسي الحالي في معالجة الإشكاليات الروتينية المتعلقة بتدبير الموارد البشرية (الترقية ،التقييم ،التكوين المستمر ، حركية و انتقال الموظفين…)؛
– تعقد المساطر الإدارية نتيجة تعدد وتشعب المسالك الإدارية وكثرة القوانين و التشريعات المنظمة، وكذا كثرة الوثائق و المستندات.
خطاب ذكرى 20 غشت 2013 بداية جريئة لاقتراح حلول عملية لإشكاليات التعليم:
يعتبر خطاب 20 غشت 2013 الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب بمتابة إنذار للحكومة الحالية في الطريقة التي يتم بها تدبير الشأن العام وخاصة قضايا التربية والتكوين. ومما جاء في هذا الخطاب التاريخي حول وضعية منظومتنا التربوية نقتطف مايلي:
“… إن قطاع التعليم يواجه عدة صعوبات ومشاكل، خاصة بسبب اعتماد بعض البرامج والمناهج التعليمية، التي لا تتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، فضلا عن الاختلالات الناجمة عن تغيير لغة التدريس في المواد العلمية، من العربية في المستوى الابتدائي والثانوي، إلى بعض اللغات الأجنبية، في التخصصات التقنية والتعليم العالي. وهو ما يقتضي تأهيل التلميذ أو الطالب، على المستوى اللغوي، لتسهيل متابعته للتكوين الذي يتلقاه.
… إن الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات.
وهنا يجدر التذكير بأهمية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي تم اعتماده في إطار مقاربة وطنية تشاركية واسعة. كما أن الحكومات المتعاقبة عملت على تفعيل مقتضياته، وخاصة الحكومة السابقة، التي سخرت الإمكانات والوسائل الضرورية للبرنامج الاستعجالي، حيث لم تبدأ في تنفيذه إلا في السنوات الثلاث الأخيرة من مدة انتدابها. غير أنه لم يتم العمل، مع كامل الأسف، على تعزيز المكاسب التي تم تحقيقها في تفعيل هذا المخطط بل تم التراجع، دون إشراك أو تشاور مع الفاعلين المعنيين، عن مكونات أساسية منه، تهم على الخصوص تجديد المناهج التربوية، وبرنامج التعليم الأولي، وثانويات الامتياز. وانطلاقا من هذه الاعتبارات، فقد كان على الحكومة الحالية استثمار التراكمات الإيجابية في قطاع التربية والتكوين، باعتباره ورشا مصيريا، يمتد لعدة عقود. ذلك أنه من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد، خلال كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله، نظرا لقصر مدة انتدابها. لذا، فإنه لا ينبغي إقحام القطاع التربوي في الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية. بل يجب وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية، وذلك من خلال اعتماد نظام تربوي ناجع.
… غير أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة. وهو ما دفع عددا كبيرا من الأسر، رغم دخلها المحدود، لتحمل التكاليف الباهظة، لتدريس أبنائها في المؤسسات التعليمية التابعة للبعثات الأجنبية أو في التعليم الخاص، لتفادي مشاكل التعليم العمومي، وتمكينهم من نظام تربوي ناجع.
… لذا، لا بد من اعتماد النقاش الواسع والبناء، في جميع القضايا الكبرى للأمة، لتحقيق ما يطلبه المغاربة من نتائج ملموسة، بدل الجدال العقيم والمقيت، الذي لا فائدة منه، سوى تصفية الحسابات الضيقة، والسب والقذف والمس بالأشخاص، الذي لا يساهم في حل المشاكل، وإنما يزيد في تعقيدها.”
مقترحات بديلة:
تم اعتماد مجموعة من المرجعيلت والمبادئ في إعداد المقترحات التي يرى حزب الاستقلال أنه يمكن أن تساهم، عبر حوار وطني مسؤول، في تغيير صورة المدرسة المغربية وجعلها محركا للتنمية البشرية المستدامة، قادرة على رفع تحديات الألفية الثالثة المتسمة بالتنافسية القوية والتحكم في التكنولوجيات الحديثة للاتصال وبالجودة في المردودية وبتكافؤ الفرص بين جميع المغاربة ذكورا وإناثا، في الحواضر والقرى كيفما كانت انتماءاتهم الاجتماعية. هذه المرجعيات والمبادئ هي كالتالي:
• المرجعيات:
– خطب جلالة الملك ورسائله حول موضوع التعليم
– مضامين الدستور الجديد
– توجهات الحزب في مجال التربية والتكوين المعتمدة في مؤتمراته الوطنية ولقاءاته الوطنية والجهوية والمحلية التي تنظمها منظماته الموازية حول نفس الموضوع
– مبادئ الدين الإسلامي القائم على الوسطية والاعتدال
– الميثاق الوطني للتربية والتكوين
– “تقرير 50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025”.
– التصريح الحكومي
– أدبيات منظمة اليونسكو
• المبادئ:
– الواقعية؛
– الفعالية؛
– التعبئة الوطنية؛
– الوظيفية؛
هذه المقترحات يمكن إجمالها فيما يلي:
 اعتماد رؤية اصلاحية واضحة منبثقة عن تشخيص واقعي وحقيقي لوضعية المنظومة التعليمية ببلادنا بروح وطنية ومسؤولية بعيدا عن لغة الترضيات ، لغة جريئة تسمي الأمور بمسمياتها بعيدة عن التأويل والمغالطات. تشخيص حقيقي تشاركي ينبع من القاعدة ويسهم فيه كل الفاعلين التربويين والمنتخبين وكل الفرقاء الاجتماعيين وكل من تهمه مصلحة الوطن مما يسمح بتحديد الأولويات حسب الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة.
 ايلاء اللغة العربية المكانة اللائقة بها باعتبارها لغة التدريس في جميع مراحل المنظومة التعليمية.
 توفير الشروط الضرورية التي تسمح بالتعميم السريع للغة الأمازيغية في جميع مراحل المنظومة التعليمية.
 إعادة النظر في مواد التربية الوطنية والتربية الإسلامية وجعل الغاية منهما هو بناء مواطن معتز بانتمائه إلى وطنه محافظا على كرامته متشبثا بقيمه الدينية السمحة منفتحا على الآخرين بعيدا عن التعصب وعن التطرف؛
 العناية بالموارد البشرية وذلك بضمان جودة التكوين الاساسي والتشجيع والتحفيز على التكوين المستمر، الذي يعتبر من أهم الرافعات التي تعتمد عليها التربية من أجل تحسين أداء المدرسين و أطر الإدارة التربوية و الأطر المسؤولة بكل من الإدارة المركزية و الإدارة الخارجية، وذلك باعتماد إطار مرجعي للكفايات والوظائف، الذي يحدد بشكل مفصل و بدقة المهام و الأدوار المنوطة بكل موظف و يضمن له الحقوق ويحدد له الواجبات. فتكوين الاطر التربوية والإدارية وتجديد مؤهلاتها وتحفيزها يساهم في الارتقاء بالعمل التربوي، لأن تقادم الخبرة وانقطاع حبل التجديد يخلق الجمود ويفقد الفاعلية والحيوية في الأداء المهني.
 الاشتغال على محاربة أسباب الفشل و الهدر المدرسيين ومشكل الاكتضاض الذي يؤدي في بعض المناطق الى الاقسام المشتركة ؛ وعلى حل إشكالية الكم والكيف وذلك بضمان جودة التعلمات وتكافؤ الفرص أمام جميع التلاميذ في أفق التقليص من عدد التلاميذ في الأقسام إلى مابين 22 و 25 تلميذا والقضاء النهائي على ظاهرة الأقسام المشتركة وضمان جودة التعلمات؛
 وضع آليات قادرة على ضمان الحكامة الجيدة للوصول إلى تطبيق مبدئي المسؤولية والمحاسبة. ذلك أنه لا يمكن الحديث عن نجاح أي قطاع كيفا كان إذا لم يتصف بالشفافية والمحاسبة ولاعن أي إصلاح دون الحديث عن تكلفة الاصلاحات السابقة وماذا حققت هذه الاصلاحات من مكتسبات ومنجزات؛
 حل إشكالية مواءمة المنهاج (والمدرسة عموما) واندماجه مع محيطه وفق ما جاء في الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي جعل المنهاج يتكون من جزئين متكاملين 70% منه خاص بالتعلمات المشتركة بين المتعلمين أينما كانوا و30% خاص بانشطة ذات خصوصيات جهوية ومحلية مما يسمح باندماج المدرسة في محيطها وإعطاء معنى للتعلمات لدى المتعلمين؛
 تمكين المتعلم بمختلف مراحل التعليم من اللغات الحية خاصة الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، مما يضمن له الانفتاح على محيطه وعلى العالم ويؤهله لولوج التعليم العالي الذي يتطلب فيه البحث التحكم الجيد في عدة لغات إلى جانب اللغة العربية؛
 تكافؤ الفرص أمام المنهاج الدراسي وذلك بضرورة ضمان جودة منتوج المدرسة العمومية والرفع من تنافسيتها ومحاربة كل الشوائب التي تحد من فعاليتها أمام التعليم الخصوصي؛
 التحكم في الزمن المدرسي الضروري لتطبيق المنهاج المدرسي وبرامجه التي يشكو الجميع من طولها، جراء الانطلاق المتأخر للدراسة، أو التوقف عنها قبل العطل، أو التوقفات المرتبطة بغياب التلاميذ أو الأساتذة أو الإضرابات الجوية وما قد ينتج عنها من عزلة القرى و غير ذلك.
 توطيد العلاقة بين الأسرة والمدرسة، بتفعيل دور الأسرة داخل المؤسسات التعليمية من خلال إشراكها الفعلي، خاصة عبر جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ في الأنشطة والبرامج،
 وضع آليات التواصل والانفتاح على المجتمع المدني الفاعل في الحقول التربوية والثقافية والفنية والاجتماعية والرياضية، وغيرها قصد المساهمة في الأنشطة داخل المدرسة؛
 وضع برامج الدعم لفائدة التلاميذ المنتمين إلى الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود، وخصوصا تلاميذ الوسط القروي. و يتمثل هذا الدعم في برمجة أنشطة تربوية باعتماد نتائج التقويم وتوزيع الأدوات و الكتب المدرسية والمواد و الواجبات الغذائية و منح الداخليات والعناية بصحة التلاميذ وبوضعية مرافق الداخليات وتجهيزات المؤسسات التربوية بصفة عامة.
خلاصة:
انطلاقا مما سبق، نخلص إلى أن نظام التعليم المغربي، في المرحلة الراهنة يتطلب إصلاحات جذرية وقرارات جريئة يمكن أن تكون في بعض الأحيان مؤلمة ولكنها ضرورية لإنقاد البلاد من مختلف المخاطر التي يمكن أن تهدده سواء على المستوى القريب أو البعيد. إن قضية إصلاح التعليم في مغرب اليوم، يجب أن تبدأ باختيار خبراء متشبعين بالروح الوطنية، لهم معرفة شاملة بمختلف الإصلاحات التي عرفتها المنظومة التعليمية خلال العقود الماضية ولهم القدرة على استشراف رهانات المستقبل وتطلعاته ولهم كذلك الكفاية اللازمة على تفكيك الأزمات التي تعيشها المنظومة التعليمية الحالية ولهم القدرة الاقتراحية اللازمة لحلول موضوعية قصد تجاوزها، بعيدين – كما قال جلالة الملك في خطاب 20 غشت 2013 – عن المزايدات السياسية التي تؤدي غلبا إلى التطاحن بين مختلف الأحزاب والنقابات على حساب مصلحة التلميذ التي هي مصلحة الوطن.
إن المغرب في حاجة إلى تحديد وظائف جديدة للمدرسة العمومية تجعل من روح الدستور الجديد، القائم على مبادئ الحكامة الجيدة وحقوق الإنسان والتشبث بالقيم الدينية السمحة وبالاعتزاز بالحضارية المغربية الأصيلة، مدخلا أساسيا لإقرار مدرسة يسعد فيها المتعلمين ويشعرون فيها بانخراطهم في بناء مستقبلهم و تقوية وطنهم ودعمهم للسلام العالمي ومشاركتهم في التنمية البشرية المستدامة بواسطة تربية حديثة علمية وعملية تتجاوز سلبيات الماضي. وبالتالي فلابد من المؤسسة التربوية أن يكون لها يد في صناعة الجيل الجديد المتشبع بالديمقراطية سلوكا وأفكارا وقيما، مما يحتم إعادة النظر في صياغة البرامج بشكل جديد وجدري وبمضامين متجددة وبطرق جديدة تتيح مكانة أكبر للاختيار سواء تعلق الأمر بالتلميذ أو المدرس أو مختلف الفاعلين التربويين.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني