د. محمد ناجي ـ أكادير
قضت المحكمة الإدارية بالرباط، بتغريم الدولة المغربية مبلغ خمسين ألف درهم، لفائدة “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بعد منعها، شهر شتنبر الأخير، من ولوج “مركز بوهلال” التابع لوزارة الشباب والرياضة، لتنظيم نشاط ثقافي، كانت الجمعية، قد حصلت بموجبه على ترخيص من إدارة المركز، لتفاجأ يوم تاريخ عقد النشاط، بأبواب المركز مغلقة .
هذا المبلغ ستؤديه الدولة ممثلة في شخص رئيس حكومتها ، حسبما جاء في حيثيات الحكم وبسط الوقائع : “وإعمالا من المحكمة لسلطتها التقديرية في هذا الباب، ارتأت تحديد التعويض في مبلغ خمسين ألف درهم، تؤديه الدولة في شخص رئيس الحكومة نيابة عن قطاع الشباب والرياضة التابع له مركز الاستقبال المدعى عليه، و ذلك انسجاما مع مقتضيات الفصل 515 من قانون المسطرة المدنية” ..
هذا المبلغ ـ الذي حدد بناء على السلطة التقديرية للمحكمة، والذي كان من الممكن أن يكون أكثر؛ لو أثبتت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المصاريف التي أنفقها أعضاؤها للالتحاق بمكان التجمع، وساعات العمل التي ضيعوها في لا شيء ، وما إلى ذلك من المصاريف التي نعرف أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لا تريد المبالغة فيها؛ لأن غايتها من الدعوى ليست مادية،
أقول: هذا القدر هل سيؤديه رئيس الحكومة من ماله الخاص؟
بالطبع لا.. بل سيؤدى من ميزانية الدولة . أي أنه سيؤدى من المال العام للشعب. وبهذا فإن الخاسر في الحقيقة خسارة مادية في هذه الدعوى، ليست هي الحكومة؛ وإنما هو الشعب . والخاسر خسارة معنوية هي “سمعة الوطن” .
ولنبق في الخسارة المادية :
بأي حق نُـحـمِّـل الشعبَ نتائج أخطاء لم يرتكبها ؟
بأي حق نكلفه بأداء غرامات أو تعويضات لم يكن هو السبب في دواعيها، ولم يكن هو مرتكب الخطإ الذي استوجبها ؟
الخطا ارتكبه مسؤول إداري، تورط بسببه الشعب في أداء ثمنه . وهذا ظلم للشعب، وهو أمر مرفوض، حتى من الناحية الشرعية ، كما في الآية الكريمة “ولا تزر وازرة وزر أخرى” .: .
فهل هذا هو مفهوم “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ؟
إننا في الواقع ، لو تمكن كل مواطن من رفع دعوى على ما ناله من أخطاء الإدارة أو المحاكم أو المرافق العمومية ،، لما انقضت السنة على ميزانية الدولة؛ حتى نجدها كلها مرهونة على ذمة أداء التعويضات للمتضررين من أخطاء الإدارة أو القضاء أو هذا المرفق العمومي أو ذاك .
ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب فيه أن يتحمل المخطئ وزر أخطائه؛ ولو بتوبيخ أو بتوقيف مؤقت أو غيرهما؛ أو باقتطاع التعويض من أجرته أقساطا… حتى لا نترك بعض المسؤولين المتحكمين في أحوال الشعب يتحكمون فيها بحسب أمزجتهم، لا طبقا للقانون ..
إن الشعب يرفض أن يؤدى من ماله العام، أخطاء من تنصبهم الدولة لتدبير شؤونه وهم غير أهل لما كُـلـفوا به.
إننا ما لم نتشدد في ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ وفي الحرص كل الحرص على وضع الرجل الأكفإ والأصلح لموقع المسؤولية التي تنتظره، فسيظل مؤدو الضرائب يؤدونها لتوزع كتعويضات عن أخطاء ارتكبها مسؤولون أساءوا التصرف، أو لم ينضبطوا إلى القانون .. وهو ما ليس عدلا، ولا يقبله الشعب.
إنني أرفض أن ينتزع درهم واحد من الضريبة التي أؤديها لأستفيد من خدمات الدولة، لأدائه كتعويض عن إجراء ارتكبه مسؤول بمزاجه، أو بتعنته، أو برفضه الانصياع للقانون، أو بتماطله، أو بأي مسبب آخر غير قانوني ترتب عنه تعويض للمتضرر…
لذلك فإنني أنادي من هذا المنبر أن تدخل في لائحة الحاجات المطلبية للشعب المغربي، والمتمثلة حاليا بإصلاح القضاء، وإصلاح الإدارة، ومحاربة الرشوة، وتشغيل العاطلين، وتحسين جودة الخدمات الاحتماعية والصحية ، ورفع مستوى التعليم… ألخ ، أن يضاف إلى ذلك مطلب آخر، لم يسبق أبدا رفعه من قبل ومضمونه :
((نطالب بأن يقع الجزاء والتعويض على من ارتكب الخطأ المفارق للقانون، وتبرئة الشعب منه)) .
بهذا يتحقق العدل، ويصبح لمفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة معنى صحيح، عادل ونزيه، فعال ومُـجْـدٍ.. وبغير ذلك؛ فقد يأتي على المغرب يوم يرفض فيه الناس أداء الضريبة؛ إذا كانت ستوزع كتعويضات لمتضررين من أخطاء أو تجاوزات لم يرتكبها الشعب.
[email protected]
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



