أيوب الخياطي
[email protected]
تعال أيها التلميذ المغربي لتذوق مرارة المعاناة بعد حلاوة النجاح في الباكالوريا،تعال لترى العجب المعجب وتحضر في مدرجات ملئت عن آخرها وكأنها سوق عكاظ أو تذهب إلى تكوين يفتقد إلى معدات أو مكونين في بعض الأحيان،تعال لترى الظلم والتعسف والاستفزاز الذي يتعرض له كل من الطالب والأستاذ في غياب هيكلة واضحة لجامعاتنا المغربية التي أصبحت تعج بالسياح الطلبة فاقدي الأمل من دراسة تلك المواد التي بسبب الاكتظاظ والمستوى الهزيل تقف حاجزا معيقا لشق طريقهم نحو الأفق وحصولهم على دبلوم دراسات العليا أو شهادة إجازة تخول لهم الاندماج في سوق الشغل بعد أكثر من 15 سنة من الدراسة،فتحبط آمالهم وتتحول إلى آلام تحول الطالب إلى إنسان يعيش أحلام يقظة تجعله يرى الواقع من الزاوية المرة ،خصوصا عندما يكون حاصلا على معدل هزيل أو متوسط في الباكالوريا فإنه حتما سيشرب من كأس المعاناة وسيتذوق طعم التيه بنكهة الفشل،هكذا أصبح واقع الدراسة في الجامعات ومعاهد التكوين المهني مزريا يلفه نوع من الغموضي المضني والمؤدي إلى التلف،فالإحصائيات التي قامت بها وزارة التعليم العالي تعطي بالتدقيق أرقام عن الوضع الذي آل إليه تعليمنا بسبب المخططات التي أثبتت فشلها في كافة المستويات،فما خلفته “عشرية التربية والتكوين” من نسب كارثية دليل واضح وصريح يأكد لنا مدى فشل المنظومة التعليمية بالمغرب وكيف أن المسؤولين يتعاملون مع الوضع باستخدام سياسة الترقيع وسد الثغرات لا بالهيكلة وبناء أساس متين قادر على إنتاج تعليم ذو جوده،لنحاول كشف بعض من الإحصائيات التي توضح لنا وتقربنا أكثر للوضع لكن هذه المرة بلغة الأرقام، فنسبة الهذر الجامعي في “عشرية التربية والتكوين” بلغ 22 بالمائة ، في المقابل لم تتعدى نسبة الحاصلين على الدبلومات الجامعية 45 في المائة ، وهذا مؤشر آخر يزيدنا يقينا بأن نظرية الفشل تلاحق المسؤولين عن القطاع، أما المفاجئة العظمى تكمن في أن نسبة 26 في المائة فقط من الحاصلين على هذه الشواهد هم من يستطيعون الاندماج في سوق الشغل،أما في مايخص البحث العلمي فقد شهد المغرب تراجع في ترتيبه الإفريقي إذ تحول من الصف الثالث سنة 2003 إلى الصف السادس سنة 2008 أي بتراجع نسبته 3 مراتب،وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على السياسة الفاشلة لتعليمنا بالمغرب وأن الوضع ينتقل من سيء إلى أسوء،كل هذه المعيقات تجعل ذلك التلميذ الحاصل على الباكالوريا يلجأ إلى هجرة الجامعة والتوجه صوب مكاتب التكوين المهني لاختيار شعبة من الشعب، لعله يجد بعد سنتين من التكوين عملا يلبي طموحاته ودخلا قارا يعتمد عليه لبناء مسقبله،فالإحصائيات الأخيرة التي قام بها مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل والتي تمثلت في ارتفاع معدل الوافدين على التكوين إلى 370ألف و360 متدرب ومتدربة برسم سنة2014- 2015 من خلال شبكة تضم 337 مؤسسة أي زيادة بنسبة 9 في المائة مقارنة مع السنة السابقة تبين مدى العزوف الذي بدأت تعرفه الجامعات من قبل التلاميذ الحاصلين على شهادة الباكالوريا،ويأتي هذا التطور كما صرح به المدير العام للمكتب على حد تعبيره ” استجابة لإنتظارات الشباب الباحثين عن تكوين يضمن لهم فرصة شغل ويلبي حاجيات المقاولة”،لكن السؤال المطروح هو هل لبى التكوين المهني حاجيات الشباب بحصولهم على وظيفة محترمة ودخل مادي قار؟،أم أن كل هذا الكلام يبقى مجرد حملات دعائية للتخفيف من وطأت الضغط الذي تعيشه الجامعات المغربية التي انتقلت من 3300 طالب سنة 1960 إلى ما يناهز النصف مليون طالب في السنتين الأخيرتين،بغض النظر عن الخصاص المهول في التجهيزات و في أساتذة التعليم العالي حيث أصبح تعليمنا تعليما متدهورا طاعنا في شيخوخته وعلى حافة الموت…
إن أغلب الحاصلين على شهادات التقني المتخصص والتقني من معاهد التكوين المهني والذين ضحكت لهم الأيام وأهداهم الحظ فرصة عمل في مقاولة معينة،يشتكون من ضعف المداخل الشهرية الهزيلة والتي لا تسمن ولا تغني من جوع،فمستوى التقني المتخصص مثلا يشتغل صاحبه بنظام السلم 8 بحيث يتراوح المبلغ ما بين 3000 و3500 درهم شهريا،مما يجعل البعض يفضل “سنوات الضياع” التي هي الجامعة على “غلطة العمر” التي هي معاهد التكوين المهني نظرا لتوفرها على آفاق أوسع من سلك الإجازة والمستر والدكتوراه رغم العشوائية التي تتخبط فيها ،أما بالنسبة للذين لا يزالون يتابعون دراستهم في إحدى شعب التكوين المهني فهم يشتكون من غياب الأطر وعدم التوفر على التجهيزات اللازمة من أجل القيام بالأشغال التطبيقية بدل الاعتماد على الدراسة النظرية في الغالب.
ويجمع غالبية الطلبة الجامعيين أن ما يقع في مدرجات الكليات من اكتظاظ وعشوائية وسوء المعاملة سواء من طرف الأطر الإدارية أو من طرف الأساتذة خصوصا في طريقة تصحيح الامتحانات التي غالبا ما تشكل المشكل الأكبر لدا الطالب المسكين الذي يكد ويجتهد من أجل الحصول على معدل يخول له النجاح في مادة معينة ،لكنه يتفاجأ في الأخير بنقطة متدنية تضرب كل مجهوده عرض الحائط أو بامتحان “مريخي” يتنافى مع المستوى المتدني للطالب الذي غالبا ما يجد نفسه على حافة الانهيار.
ويشتكي الأساتذة أيضا من ظاهرة الاكتظاظ ووجود اختلالات بالجملة على مستوى التسيير الإداري وكذلك نقص الأطر والافتقار للبنية التحتية المناسبة والوسائل الديداكتيكية الازمة والملائمة والتي رغم كل الإصلاحات المبذولة فإنها ما زالت لا تتناسب مع الوضع الحالي وخصوصا هذا النمو المضطرد لعدد الطلبة.
ويبقى مشكل التعليم بالمغرب ملفا عويصا لا يحتاج إلى عصا سحرية للحل بل إلى إرادة قوية من طرف المسؤولين على هذا القطاع الذي أصبح طاعنا في شيخوخته بسبب سياسة الترقيع التي يشهدها،وبسبب أيضا عدم إيمان الجهات المختصة بالإصلاح الجدري وإعادة النظر في البنيات الأساسية والاكتفاء فقط بتلك المخططات والبرامج الفاشلة التي تزيد الأمر تدهورا،ليبقى الطالب أو المتدرب المغربي الضحية رقم واحد لهذه المنظومة العرجاء.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



