د. محمد ناجي
تنعقد بالراشدية يوم السبت المقبل ندوة في موضوع استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات، وهو موضوع عرف نقاشا حادا ومحتدما منذ حقبة طويلة بين المهتمين والمعنيين بالشأن القضائي في بلادنا ، ممن تباينت آراؤهم من مؤيد للاستقلال ومعارض له ؛ حيث كان لكلٍّ مبرراته، وحججه .. إلى أن أفضى ذلك النقاش إلى تغليب كفة المؤيدين. ومن ثم فإن اتفاق المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالراشدية، ونقابة هيئة المحامين بمكناس، والكلية المتعددة التخصصات بالراشدية على اختيار هذا الموضوع، لن يكون بطبيعة الحال لاجترار ما تم الحسم فيه، أو ترديد ما سبق أن تداولته الأقلام من أفكار واجتهادات؛ بل لعله ـ حسب عنوانه ـ يهدف إلى قراءة هذه الاستقالة المزمع تطبيقها في القوانين المرتقبة، من جانبيها: الدستوري والواقعي؛ حتى لا يكون فيها ما قد يتعارض مع الدستور ، أي أن يكون اتخاذ قرار استقالة النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات قرارا دستوريا سليما. ثم استقراء تطبيقه وتنزيله من الناحية العملية والواقعية : هل فعلا ستستقل النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات بالمعنى الكامل للاستقلال؛ أم أنها ستبقى مرتبطة بها، ولو بشعرة معاوية. وما هي الضمانات على عدم (تغولها) ؛ مع اعتذاري عن استعمال هذه الكلمة التي تداولتها الأقلام قبلي؛
وهو موضوع بلا شك جدير بالدراسة والمناقشة ، تأهبا لما ستصبح عليه أحوال قضائنا في الأيام القليلة المقبلة، في ظل نيابة مستقلة عن وزارة العدل والحريات، واصطباغها بصبغة السلطة القضائية الصرف، التي لا تشوبها شائبة دخيلة عليها من السلطة التنفيذية ..
وبهذه المناسبة التي نتمنى فيها كامل التوفيق والنجاح لهذه الندوة؛ وبحكم انغماسي ـ كسائر المغاربة ـ في الشأن القضائي لبلادنا، منذ الإعلان عن الشروع في إصلاحه بصفة جدية ونية صادقة ـ ؛ فقد ارتأيت أن ألفت نظر الأساتذة المشاركين في هذه الندوة القيمة ، إلى موضوع أراه لصيقا بالموضوع الرئيسي لندوتهم، ومن جنسه؛ غير أنه قلما نال حظه من الدراسة والبحث ؛ أو ربما لم يُـلتـفَـت إليه من قبل رغم أهميته وحساسيته.. إذ لم يسبق أن كان في وقت من الأوقات ـ حسب علمي القليل المتواضع ـ موضوع ندوة أو مائدة مستديرة أو غيرها..
ذلك هو موضوع فصل السلط داخل السلطة القضائية نفسها، وعدم السماح بطغيان سلطة قضائية على سلطة قضائية أخرى، أو الترامي على اختصاصاتها ..
فبما أن النيابة العامة تـحـقَّـق لها ما كانت تصبو إليه من استقلال عن وزارة العدل والحريات؛ فقد أصبحت، من باب المعاملة بالمثل ، ملزمة باحترام هذا المبدإ تجاه غيرها من السلط، حتى لا تتناقض مع نفسها، بحيث لم يعد يحق لها مستقبلا أن تسمح لنفسها بالترامي على اختصاصات سلطات قضائية أخرى .
ذلك أن تمتع النيابة العامة بسلطة مطلقة بحفظ الشكايات ، دون ضابط أو قيد، قد يُـنـظَـر إليه على أنه استلاب لاختصاصات سلطات قضاء التحقيق وقضاء الحكم، واحتواء عليها. ـ
.. والدليل المنطقي والعملي، هو أن كثيرا من الشكايات المحفظة؛ بما فيها شكايات بجرائم جنائية ، كتزوير شهادات أو محاضر رسمية من طرف موظفين عموميين أو ضباط شرطة قضائية مثلا ؛ لو أحيلت على قضاء الحكم لأصدر فيها أحكاما بالإدانة ، فعندما تحفظها النيابة العامة، فإنها تكون بذلك قد حالت دون وصولها إلى قضاء الحكم عن طريق دعوى عمومية ، مما لا يتيح لذلك القضاء الجالس إمكانية مباشرة مسؤولياته واختصاصاته. مع العلم أنه هو وحده المؤهل للحكم على المتهم بالإدانة أو البراءة.ـ
وكذلك عندما تحفظ شكاية بجريمة جنائية دون إحالتها على قضاء التحقيق، فذلك يفيد ـ عمليا ـ عدم متابعة الجاني في دعوى عمومية. بينما قاضي التحقيق هو وحده المخول له إصدار قرار بالمتابعة أو عدم المتابعة، بناء على ما ينتهي إليه في تحقيقه الإعدادي. ـ
إذن ؛ إذا كانت النيابة العامة قد حققت استقلالها عن وزارة العدل والحريات؛ فمن باب المعاملة بالمثل ألا تعتدي على سلطات قضاة التحقيق وقضاة الأحكام .. وأن تحترمها، فلا تقوم مقامهم فيما هو مخول لهم، ولا تقرر بدلهم فيما هو من مهامهم، وداخل في صميم اختصاصاتهم. ـ
إن النيابة العامة، بتحكمها في مصائر الشكايات: إما بتفعيل القانون وتحريك الدعوى العمومية في شأنها، أو بتجميده بقرار بحفظها، غير قابل للاستئناف أو الطعن، مع أنه يحتمل الصواب والخطإ؛؛ لا يجعلها تساعد على إصلاح القضاء للوصول به إلى المستوى المنشود الذي يتطلع إليه المغاربة قاطبة؛ لأنها تُـبقيه مرتهنا بإرادتها ورغبتها، فإما أن تحرك قوانينه أو تُـجَـمّـدها بحسب تلك الرغبة .. وهي قرارات ليست منزهة عن الخطأ طبعا؛ ولو دون قصد.. فقضاة النيابة العامة ليسوا ملائكة معصومين، بل هم بشر.. وكل البشر معرض للخطإ،، وأخطاء النيابة العامة أبلغ إضرارا بالعدالة من أخطاء غيرها؛ لأن قراراتها ـ ولو أنها قابلة للتراجع عنها من الناحية القانونية ـ ؛ إلا أنها إذا تمسكت بها فلا حيلة للمتضرر منها لاقتضاء حقه، لأنها ليست كالحكم الذي إذا كان مجانبا للصواب ، فهناك درجات أعلى في التقاضي لتصحيحه.
لذلك ، فإن التفات هذه الندوة الميمونة إلى هذه النقطة، والعمل على المطالبة بتقنين سلطة حفظ الشكايات، لن يكون خروجا عن موضوع الندوة، ولا ابتعادا عن غايتها والهدف منها ؛ باعتبار أن استقلال النيابة العامة الذي سيطبق مستقبلا، وربطه بالواقع الذي سيكون عليه حالها؛؛ سوف يحرم المشتكين المتضررين من قراراتها، من نافذة صغيرة كانوا يعلقون عليها بعض آمالهم ، وذلك باعتبار أن أولئك المتضررين بإمكانهم في القانون الجاري به العمل حاليا، أن يرفعوا تظلمهم إلى وزارة العدل والحريات للمطالبة بإصدار تعليماتها إلى النيابة العامة لإخراج شكاياتهم من الحفظ، وفتح تحقيق فيها. ومعلوم أن من حق الوزير أن يستجيب لذلك التظلم ، إذا ما تبين له أن الشكاية فعلا تستوجب فتح تحقيق في شأنها…
فهذه النافذة سـتُـغلق في وجه المشتكين المتضررين، مباشرة بمجرد دخول استقلال النيابة العامة عن الوزارة حيز التطبيق.
ومن ثم فمسألة فصل السلط القضائية، داخل القضاء نفسه، واستقلالية كل سلطة باختصاصاتها المحددة والواضحة، هو في مصلحة النيابة العامة قبل أن يكون في مصلحة غيرها من السلط، أو في مصلحة المتضررين من قراراتها بالحفظ، لأن ذلك التـقـنين لحفظ الشكايات سوف يبعدها عن مواطن الشبهات، ويحول دونها ودون وقوعها في حالات “تضارب المصالح” ..
ومن المؤكد أن حظر تضارب المصالح قد أصبح اليوم من أهم القوانين التي توضع لمكافحة الفساد والتصدي له قبل وقوعه ؛ فهو يجمع بين الغايتين المنشودتين من وضع القوانين : الوقاية من الجريمة، ومعاقبة مقترفها .. وتقنين حفظ الشكايات أقرب طريق لإدراك هاتين الغايتين معا..
مرة أخرى نتمنى لندوتكم كامل التوفيق والنجاح، وتحقيق المرتجى منها، بالمساهمة الفعالة والعميقة في إصلاح قضائنا، وتخليصه من شوائبه التي ما زالت تحول دون إحلاله المكانة المرموقة اللائقة به بين الأمم والشعوب .
[email protected]




