في صحبة محمد عبده في الذكرى المائة وعشرة أعوام على وفاته (2)

(هانوتو) والاسلاموفوبيا والزهو بالانتصار في أرض الإسلام..؟

نلتقي في حديث الجمعة اليوم مع جزء مما كتبه احد اعلام السياسة الخارجية الفرنسية ووزير خارجيتها في مرحلة دقيقة من علاقة الغرب وليس فرنسا وحدها مع العالم الإسلامي وإذا كان الشيخ محمد عبده قام بواجبه في الرد على ما جاء في مقال (هانوتو) فإن المهم في نظري ليس رد محمد عبده على أهميته، و اتهامات “هانوتو” للإسلام والمسلمين ولكن المهم عندي هو ما يطرحه الرجل باعتباره أمرا ايجابيا لدى المسلمين والسعي لدى الغرب من أجل القضاء عليه وإنهائه لأنه العقبة الكاداء في تحقيق الأهداف الاستعمارية الفرنسية في العالم الإسلامي، إننا عندما نتمعن في مقال الخبير والوزير الفرنسي نجده يطرح ثلاثة أمور أساس وخطيرة في نظره ويجب معالجتها لأنها تشكل فقط قوة لدى المسلمين وهذه النقط هي:
1 – التضامن الحاصل بين المسلمين وهو يسرد بالاسم الأقطار التي تم استعمارها كما يسرد نقط الارتكاز للحكم الإسلامي ومواقع الربط بين هذا العالم وهو من خلال ذلك ينبه إلى ضرورة إنهاء هذا الارتباط الموجود بين المسلمين، وفي الوقت نفسه يلحظ الدور الذي يلعبه موسم الحج في جمع الكلمة والدور الذي يلعبه الدراويش في المقاومة والتعبئة ضد الاحتلال الأجنبي.
2 – الرقعة الجغرافية التي يوجد فيها الإسلام والمسلمون وأهميتها ومكانتها الإستراتيجية.
3 – سرعة انتشار الإسلام والتجاوب الذي يلقاه لدى الشعوب فلا تخلو رقعة من الأرض من وجود الإسلام والمسلمين، وهم يتزايدون ويكثرون ولا ينقصون.
إن هذه النقط الثلاث هي التي تؤرق الرجل وتطرح أمامه مشاكل باعتبار ما يريد تحقيقه من القضاء على الإسلام واحتلال أرضه بكل ما في هذه الأرض من موارد وما لها من أهمية إستراتيجية على مستوى الصراع بين الأمم والشعوب.
إن الخوف من الإسلام يأتي من وجود هذه العوامل الثلاثة التضامن –الامتداد الجغرافي، سرعة الانتشار، وما يتحدث به في العالم اليوم ويشكل مصدر قلق للغرب الاستعماري هو أن هذه العوامل لا تزال قائمة رغم كل ما قام به الغرب طيلة عقود وربما قرون من مكائد ودسائس من أجل القضاء على هذه العوامل.
وإذا كان الغرب يدرك أهمية هذه العوامل في الصراع فإن المسلمين أو على الأصح المسؤولون في ديار الإسلام لا يدركون أهميتها وحتى إذا أدركوها فإن العمل من أجل تقويتها ودعمها أمر بعيد عن مشاغلهم فالمسلمون اليوم يعطون أكثر من حجة ودليل على أن الوعي الحقيقي بدور التضامن مثلا ليس بالمستوى المطلوب، فلو كان هذا التضامن مدركا على حقيقته هل تبقى فلسطين تعاني ما تعاني من ويلات القمع والاحتلال والتجويع والحصار؟
إن واقع العالم الإسلامي اليوم ينبئ أن المسؤولين فيه يدركون التضامن إدراكا سلبيا وليس إيجابيا فهم يتضامنون أو بعضهم على الأقل والذين يجتمعون في الجامعة العربية تضامنهم يتم من أجل التدمير والخراب وليس من أجل البناء والتعمير وما حصل في ليبيا وفي غزة وفي سوريا وفي العراق وما يحصل في اليمن اليوم وما قد يحصل لا قدر الله في بلد آخر لا ندري من هو كل ذلك يدل على أن التضامن سلبي وربما فهموا الآية بشكل معكوس فالآية تقول «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» إنني أطرح هذه الآية للتأمل والمقارنة بينها وبين ما يجري في ديار الإسلام من إحياء القبلية و “القومية واعني العربية التي أتت بمشاكل القوميات والأقليات في البلاد العربية وبحرب اليمن في الستينات من القرن الماضي ثم احتلال الأرض في سنة 1967.
إن الأمر قبل الاصطفاف ضد هذه القومية أو تلك أو هذا المذهب أو ذاك أو هذا البلد أو ذاك يحتاج إلى التدبر وإمعان النظر أكثر مما يحتاج إلى الانفعال والاندفاع.
ونعود لموضوع محمد عبده والرد (هانوتو).

********
التدافع قديم
تحدثنا في الحديث الأخير الذي خصصناه للكلام عن الشيخ (محمد عبده) عن الأهداف التي وضعها لنفسه والتي يسعى لتحقيقها ولاشك أن أمر الدفاع عن الإسلام ورد الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام بهدف النيل منه والنيل من المسلمين، سواء كانت هذه الشبه واردة على الإسلام والمسلمين من أعداء الإسلام وخصومه، أو كانت مما يثيره هؤلاء الخصوم في نفوس أبناء الإسلام من الذين اختلطوا بهم أو تلقوا التعليم على أيديهم.
والشبه والمطاعن على الإسلام لم تكن وليدة المرحلة التي عاش فيها (محمد عبده) ولكنها قديمة قدم الإسلام بل قدم الأديان، فعندما نقرأ القرآن الكريم ونتتبع من خلاله ما ورد في قصص الأنبياء مع أقوامهم لن نجد الأمر سهلا أمام هؤلاء الأنبياء والرسل بل بالإضافة إلى الشبه التي تثار والسخرية والاستهزاء فإن الأمر يمتد إلى الاعتداء أو محاولة الاعتداء على هؤلاء الرسل «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين».
ميراث النبوة
ولاشك أن الأنبياء كما ورد في الحديث لا يورثون لأنهم لم يورثوا إلا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ومن ناله نال حظا من ارث النبوة وقد حدد الرسول عليه السلام مهمة العلماء في هذا الصدد حيث قال يحمله من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». ومحمد عبده الذي يعد واحدا من علماء الإسلام أخذ بحظه في هذا الإرث كما تحمل مسؤولية الدفاع عن الإسلام، حسب قدرته وطاقته، واجتهد في استنباط وسائل الدفاع سواء من حيث اللجوء إلى ما توفره معارف عصره أو من خلال ما تركه الأولون من أساليب ومناهج الدفاع، وليس الأمر بالسهل لأن المعركة كانت شديدة، والخصوم يملكون من القوة المادية، ومن أساليب الجدال ما يجعل المدافع يقاسي أشد المعاناة ولاسيما إذا كان من الصفوف الأمامية أمام هذه الجحافل من المهاجمين الأشداء ومع ذلك فإن الرجل قاوم وأدى الدور الذي أناطه بنفسه وأرضى ربه وضميره.
الرد على هانوتو
وفي هذا الحديث نلقي بعض الضوء على جانب من جوانب هذه المعركة.
وفي البداية نقتبس مقدمة المقال المعني كما أوردها الشيخ رشيد رضى في كتابه المشار إليه أعلاه وسنعمل على تجزئة المقال إلى فقرات مرقمة مع عنونة كل فقرة لأن الغاية كما هو موضوع سياق هذه المقالات والأحاديث هو ما يقوم به الغرب اليوم تجاه العالم الإسلامي يقول رشيد رضا:
المسألة الإسلامية
هو الرد الذي سارت به الركبان، وانتشر ذكره في كل مكان، وعده له المؤبنون الغربيون والشرقيون، وأطنب في مدحه عليه الشعراء الراثون، وسببه أن مسيو هانوتو وزير خارجية فرنسا من قبل كتب في جريدة الجرنال الباريسية مقالا في الإسلام والمسألة الإسلامية ترجمته جريدة (المؤيد) ونشرته بالعربية، وكان من عادة الأستاذ الإمام عليه الرضوان أن يتصفح الجرائد في القطار بين القاهرة وعين شمس التي فيها داره غدوا ورواحا فلما كان رائحا بعد العشاء من الأزهر وقد قرأ درس المساء فيه نظر في المؤيد فإذا فيه قسم من مقال (هانوتو) فقرأه في القطار والانفعال يساوره فما عتم بعد وصوله إلى الدار أن شرع في الرد على ما قرأ في فرصة تهيئة طعام العشاء وأتم المقالة الأولى بعد تناول الطعام وأرسلها إلى المؤيد صباحا فنشرت فيه. وإننا ننشر مقال هانوتو قبل الرد عليه ليفهمه القاري حق الفهم.» ج2 من تاريخ الامام.
معانقة الغرب
1 – «اخترق المسلمون أبناء آسيا شمال القارة الإفريقية بسرعة لا تجارى، حاملين في حقائبهم بعض بقايا تمدن البيزنطيين “يونان الشرق” ثم تراموا بها على أوربا ولكنهم وجدوا في نهاية انبعاثهم هذا مدنية يرجع أصلها إلى (آسيا) بل أقرب في الوصلة إلى المدنية البيزنطية مما حملوه معهم ألا وهي المدنية الآرية المسيحية ولذلك اضطروا إلى الوقوف عند الحد الذي إليه وصلوا، وأكرهوا على الرجوع إلى إفريقية حيث ثبتت أقدامهم أحقابا متعاقبة ولكن كان ينتهي طرفاه من جهة بمدينة (القسطنيطية) ومن أخرى ببلدة (فاس) في المغرب الأقصى معانقا بذلك الغرب كله».
حروب متوالية
في مقدمة المقال يوضح الكاتب مسرح المعركة وهو كما يتضح ما اصطلح عليه فيما بعد ذلك بمحور (طنجة جاكارطا) وهو على أي حال يضع المعركة في نصابها من حيث الموقع ومن حيث المضمون وهو ما سيوضح أكثر في الفقرة التالية.
2 – «في تلك البقعة الإفريقية التي أصبحت مقر ملك الإسلام جاءت الدولة الفرنسوية لمباغتته، جاء القديس (لويس) الذي ينتمي إلى اسبانيا بوالدته ليضرم نيران القتال في مصر وتونس، وتلاه لويس الرابع عشر في تهديديه بالأيالات الإفريقية الإسلامية، وعاود هذا الخطر (نابليون الأول) فلم يوفق إلى تحقيقه الفرنسيون إلا في القرن التاسع عشر حيث أخذوا على دولة الإسلام التي كانت لاتني في متابعة الغارات على القارة الأوربية فأصبحت الجزائر في أيديهم منذ 70 عاما وكذلك القطر التونسي منذ عشرين عاما».
التباهي بالاحتلال
3 – قد وصلت طلائع قوانا الآن إلى أصقاع من الصحراء تنتهي إليها كثبانها الرملية، فعظم اندهاش الباقين من خصومنا وتزايد ذهولهم لأنهم بعد اندفاعهم شيئا فشيئا في الفيافي وبطن الخبوت وظنهم أنهم صاروا في أمنع موئل شعروا بأنفسهم وقد حلق عليهم الأوربيون من جميع الجهات وكانت القبائل الواردة إليهم من (السنغال) أخبرتهم بأن الأوربيين امتلكوها وتقدموا منها إلى (باقل).
وزير خبير
إن الفقرة التالية من مقالة “هانوتو” يجب في الواقع على كل مشتغل بالسياسة أو بالدعوة الإسلامية أن يقرأ هذا المخطط الذي وضعه رجل خبير في الشأن الإسلامي تاريخا وجغرافية، وفي الوقت نفسه حقود متعصب إن قراءة هذه المقالات بتمعن تعطي نظرة عن التصور الذي يحمله الساسة في الغرب وهو تصور لا يزال قائما إن لم يكن في جزئياته فروحه وأصول وجوده هي الموجهة للسياسة في الغرب وقادة الرأي فيه فالتاريخ لم يتغير لأن أحداثه قائمة وثابتة والتأويل والفهم والقراءة قد تختلف، ولكنها على أي حال لا يمكن أن تتخطى الأحداث التي حدثت أو الاهتداء بهذه الأحداث.
الإسلام قريب
4 – ليس الإسلام فينا فقط بل هو خارج هنا أيضا قريب منا في (مراكش) تلك البلاد الخفية الأسرار التي يشبه وجودها الحاضر مقدور الأبد في الغموض والاشتباه قريب منا في (طرابلس الغرب) التي تتم بها المواصلات الأخيرة بين مركز الإسلام في البحر الأبيض المتوسط وبين الطوائف الإسلامية في باطن القارة الإفريقية قريب منا في (مصر) حيث تصادمت (الدولة البريطانية) فصادمتها إياها في الأقطار الهندية، وهو موجود وشائع في (آسيا) حيث لا يزال قائما في (بيت المقدس) وناشرا أعلامه على مهد الإنسانية، ويحسب أنصاره وأشياعه في قارات الأرض القديمة بالملايين، وقد انبعث منه شعبة في بلاد (الصين) فانتشر فيه انتشارا هائلا حتى ذهب البعض إلى القول بأن العشرين مليونا مسلما الموجودين في الصين لا يلبثون أن يصيروا مائة مليون فيقوم الدعاء لله مقام الدعاء (الساكياموني).
اسلاموفوبيا وهانوتو
وبعد أن يتحدث الوزير هانوتو عن المغرب الذي يحتفظ بأسراره وغموضه ومكانته في العالم الإسلامي ينبه إلى أن الإسلام ينتشر في كل مكان فهو يتخطى الحدود في كل مكان وهذا هو الخوف الذي لا يزال الغرب يستحضره في (الاسلاموفوبيا).
5 – وليس هذا بالأمر الغريب فإنه لا يوجد مكان على سطح المعمورة إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده منتشرا في الآفاق، فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرا وأفواجا، وهو الدين الوحيد الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه، ففي البقاع الإفريقية ترى المرابطين وقد أفرغوا على أبدانهم الحلل البيضاء يحملون إلى الوثنيين من العبيد العارية أجسامهم من كل شعار قواعد الحياة ومبادئ السلوك في هذه الدنيا كما أن أمثالهم في القارة الآسيوية ينشرون بين الشعوب الصفر الألوان قواعد الدين الإسلامي، ثم هو أي هذا الدين قائم الدعائم ثابت الأركان في أوربا عينها أعني في الأستانة العلية حيث عجزت الشعوب المسيحية عن استئصال جرثومته الشرقية، ويفصل الدول الغربية بعضها عن بعض شطرين».
الدراويش
6 -ثم يتحدث هانوتو عن دور الفقهاء والدرويش في التوعية التي يعتبرها دعوة للحقد والكراهية.
«ترى في قرانا وبلداننا درويشا فقيرا شاحب اللون، مدثرا بأرديته البيضاء المعلمة بخطوط سوداء، يلهج لسانه بذكر الله والصلاة على نبيه، لا يلويه عن ذلك شيء هذا الدرويش الذي ينتقل من خيمة إلى خيمة، ومن قرية إلى قرية، روايا حوادث الأقطاب والأولياء من مشايخ الإسلام، إنما يبذر في القلوب حيثما حل وأينما توجه بذور الحقد والضغينة علينا».
وهؤلاء الدراويش الذين يتحدث عنه مسيو هانوتو بالأمس وينعتهم بما يسيئ عن حالة نفسية معينة هم ما ينعت به (الإسلاميين) أو (الأصوليين) اليوم، إلا أن الفرق هو أن هؤلاء لا الدراويش كان حظهم أحسن من هؤلاء الإسلاميين اليوم.
المقاومة ورد الهجوم:
والوزير (هانوتو)يتحدث بازدراء عن مقاومة الجزائريين للاستعمار الأوروبي ويتحدث عن التضامن الإسلامي الذي يجد فيه المقاومون دعما لحركاتهم ونضالهم وهو ما يحاول الغرب إلى الآن القضاء عليه.
7 – «كنا نرى من زمن حديث رعايانا الوطنيين في الجزائر ينقادون لأوامر سرية تناقلوها بالأفواه، وكانت تقضي عليهم بتأليف الزمر والأفواج منهم لمهاجرة أوطانهم والذهاب إلى آسيا الصغرى حيث يجدون الأمن المرجو.
ويؤخذ مما تقدم أن جراثيم الخطر لا تزال موجودة في ثنيات الفتوح وطي أفكار المقهورين الذي أتعبتهم النكبات التي حاقت بهم، ولكن لم تثبط هممهم. نعم ليس لمقاومتهم رؤساء يديرون هذه المقاومة، لكن رابطة الإخاء الجامعة لأفراد العالم الإسلامي بآسره كفيلة بالرئاسة في مسألة علاقتنا مع الإسلام».
الدين الرباني والدين البشري
إن الكاتب لم يعد متخصصا في السياسة الخارجية وفلسفة السياسة الاستعمارية فقط ولكنه كذلك أصبح يصنف عن هوى لا عن علم الديانات فيضع الإسلام في خانة الديانة البشرية، وهو بهذا الصفة يمكن اعتباره موجها لأصحاب بشرية القرآن ومن تم بشرية الدين الإسلامي فكان وصفة بالدين المحمدي بالمعنى البشري.
8- «وقد ظهرت على أطلال العالم القديم بعد خمسمائة عام من انقضائه ديانتان إحداهما رباينة، والثانية بشرية، تمثلان دينك المذهبين المتناقضين، ولكن بتلطيف في التناقض. أما الأولى فهي الديانة المسيحية الوارثة بلا واسطة آثار الآريين، والمقطوعة الصلات بالمرة مع مذهب السامية وإن كانت مشتقة منه، وغصنا من دوحته ومن خصائص هذه الديانة ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الآلهية، على حين أن الديانة الثانية وهي الإسلام المشوبة بتأثير مذهب السامية تحط بالإنسان إلى أسفل الدرك وترفع الآلة عنه في علاء لا نهاية له».
فرنسا في كل مكان
9 – «إذا فقد صارت (فرنسا) بكل مكان في صلة مع الإسلام بل صارت في صدر الإسلام وكبده حيث فتحت أرضيه وأخضعت لسطوتها شعوبه وقامت بجاهه مقام رؤسائه الأولين، وهي تدبر اليوم شؤونه وتجبي ضرائبه وتحشد شبابه لخدمة الجندية، وتتخذ منهم عساكر يذبون عنها في مواقف الطعان، ومواطن القتال. تلك المملكة الفسيحة الإرجاء التي أنشأتها في باطن القارة الإفريقية هي الوارثة لما أبقته الدول السابقة والأمم البائدة من (قرطاجيين) (ورومانيين) و(عرب) من آثار المدنية التي كانت القارة الإفريقية منبتا لثمارها اليانعة».
الرابطة الجامعة
وفي شأن التضامن الإسلامي ودور مكة والحج يقول:
«وخلاصة القول أن جميع المسلمين على سطح المعمورة تجمعهم رابطة وحدة بها يدبرون أعمالهم، ويوجهون أفكارهم إلى الوجهة التي يبتغونها. وهذه الرابطة تشبه السبب المتين الذي تتصل به أشياء تتحرك بحركته، وتسكن بسكونه، بل هي القطب الذي تتصل به أشياء تتحرك بحركته، وتسكن بسكونه، بل هي القطب الذي تنتهي إليه قوة المغناطيسية. ومتى اقتربوا من الكعبة من البيت الحرام من بئر زمزم الذي ينبع منه الماء المقدس من الحجر الأسود المحاط بإطار من فضة من الركن الذي يقولون عنه إنه أسرة العالم، وحققوا بأنفسهم أمنيتهم العزيزة التي استحثتم على مبارحة بلادهم في أقصى مدى من العالم للفوز بحوار الخالق في بيته الحرام اشتعلت جذوة الحمية الدينية في أفئدتهم فتهافتوا على أداء الصلاة صفوفا، وتقدمهم الإمام مستفتحا العبادة بقوله “باسم الله” فيعم السكون والسكوت وينشر أن أجنحتهما على عشرات الألوف من المصلين في تلك الصفوف، ويملأ الخشوع قلوبهم، ثم يقوقون بصوت واحد “الله أكبر” ثم تعنو جباههم بعد ذلك قائلين “الله أكبر” بصوت خاشع يمثل معنى العبادة».
وبعد أن يستعرض (هانوتو) الأقطار التي احتلتها فرنسا في إفريقيا والتي تطمح لاحتلالها يقول:
النفاق السياسي
لقد نقلت بعض الأجزاء من مقال هانوتو على طوله لتذكير القارئ ان كان في حاجة إلى تذكير ولوضعه في الصورة وليقوم هو بدوره بالمقارنة كما اشرنا إلى ذلك في الفقرة بين الأمس واليوم وكيف النظرة للإسلام والمسلمين وأن الصراع الحضاري والديني رغم كل ما يحاول البعض أن يضفيه عليه من طلاء النفاق هو الموجه لكثير من الساسة في الغرب شئنا أم أبينا، ولاشك أن ما نشرته الصحف اليوم ووسائل الإسلام المختلفة عن مضايقة المسلمين في الغرب وفي تدبير وحبك الدعوة إلى الصراع الداخلي بين المسلمين ليدل على الواقع الذي عبر عنه مقال هانوتو والموجود بخلفياته التاريخية والدينية لدى أغلبية الأوروبيين.

ذ. محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني