في صحبة محمد عبده في الذكرى المائة وعشرة أعوام على وفاته (3)

العدالة بين الدول ضرب من الخيال، والأمل في إنصاف الأمم تلمس المحال..؟

وبعد، عرف العالم الإسلامي في الأسابيع الأخيرة أحداثا خطيرة سيكون لها الأثر الكبير في المستقبل القريب والبعيد على حياة الأمة الإسلامية، ولست اعني ما عرفته بعض البلاد من أعمال إرهابية سفكت فيها دماء بريئة من المسلمين وغير المسلمين، فهذا شيء اعتدنا على سماعه إلا أن أخطرها بالنسبة للاعتداء على أهل الأديان الأخرى في هذا الأسبوع هو ما تعرض له مواطنون (اتيوبيون) مسيحيون في أحد الأقطار العربية من ذبح وكذا ما تعرض له آخرون في اماكين أخرى حيث طلب منهم الجزية أو الذبح كما قالت وسائل الإعلام، إن هذه الأحداث الخطيرة التي وإن كان فيها ما هو صحيح وما هو مفتعل تمثل قمة التشويه للإسلام وما جاء به من تسامح بين الناس، والإسلام كما يعرف الجميع عرف فيه أهل المذاهب والأديان تعايشا واحتراما وتسامحا صار مضرب المثل في تاريخ التعايش والتعاون بين الأديان المختلفة في الوطن الواحد.
وعلى أي حال فإن الأمر الأكثر أثرا في الوجدان الإنساني والإسلامي هو الحدث الأكبر الذي قامت به مجموعة من الدول العربية ضد دولة عربية أخرى تحت راية التمييز المذهبي أو الحفاظ على الأمن القومي العربي، لقد كان الأجدر أن لا يحدث ما حدث وأن يلتمس الحفاظ على التوازن المذهبي وحفظ حقوق كل فريق بالحوار والأساليب السياسية السلمية أما رفع راية القومية العربية من جديد فإن لذلك محاذيره على بقية الأقطار العربية لأنها ليست متجانسة حسب ما تردده الأطراف المتنازعة وما يردده كذلك كثير من المراقبين والمتتبعين الذين يصفون أنفسهم بالموضوعية والحياد، ولكن المؤكد أن الأحداث أفضت إلى تعميق الجراح وتوسيع مجال الضغائن والأحقاد بين الإخوة: في الوطن والدين والجوار، لقد كانت الأسابيع الأخيرة مؤلمة لنفس كل غيور على الإسلام والأخوة الإسلامية، إن الحكمة والأخوة وما في معناهما من قيم وفضائل كبراء المسلمين كانت بجانب هذه الأحداث في الميزان وعلى المحك، لقد رأى الناس الدور وهي تهوى على رؤوس أصحابها، والنفوس تزهق، والبنية التحتية على قلتها تهدم وكأن آلة الحرب تضرب في عمق أعدى الأعداء.
لقد كان الأمر بالفعل امتحانا للأمة الإسلامية وعقلائها، ألم تستطع هذه الأمة أن تجد من بين فصلائها من يقوم بإصلاح ذات البين وأخذ الأمور باللين حتى ينتهي الأمر إلى نتيجة تخدم أبناء الوطن الواحد والدين الواحد والأمة الواحدة؟
لقد أعلن وقف جزئي للغارات والضرب من الجو، ولكن الحرب لا تزال تراوح مكانها سجالا بين الطرفين، نعم أعلن عن توقف أزير الطائرات ومدافعها ولكن تفعيل ذلك لم ينجز بعد والمهم انه آن الأوان ان يعلو صوت الحكمة على صوت الثأر والانتقام؟ فالمطلوب إجراء ما يجب إجراؤه من صلح ومداواة الجراح.
لقد كان ما ارق “هانوتو” هو روح التضامن بين المسلمين، وكان رد محمد عبده أن هذا التضامن توهم منه فقط وتمنى لو أن ذلك تحقق ونحن نرجو أن يكون التضامن بالفعل لا بالقول ولكن بالعدل والإنصاف لا بالإثم والعدوان.
وعلى أي حال فإن حديثنا يتواصل في موضوع النقطة الأولى من برنامج محمد عبده في الإصلاح وهي الدفاع عن الإسلام.
*********
إصلاح مغاير
في الحديث الأخير تناولنا بشيء من التفصيل بعض ما جاء فيما كتبه الوزير (هانوتو) عن وضعية الإسلام والمسلمين، والعلاقة بين الشعوب والدول الإسلامية والغرب والمسيحية والدولة الفرنسية في وقته وبصفة خاصة عندما كان يباشر المسؤولية وقد باشرها في الوقت الذي كان فيه الشيخ محمد عبده يقوم بدور الداعية إلى إصلاح أحوال المسلمين ليس عن طريق العنف والأساليب السياسية والمواجهة بل بأسلوب اللين والتربية والتثقيف والتعليم.
حلم وخيبة
إذ الوزير (هانوتو) الذي ولد في نونبر 1853 وتوفي في أبريل 1944 والذي درس التاريخ وألف في تاريخ فرنسا عدة مؤلفات، كما تولى حقيبة وزارة الخارجية الفرنسية ما بين 1894-1898 ولذلك فإنه كان يتحدث من مكانة الخبير بشؤون التاريخ وشؤون السياسة الخارجية في حينه وقد امتد به العمر حتى رأي حلمه يتحقق في احتلال كثير من البلاد الإسلامية ومن بينها المغرب ذو الأسرار الأبدية ومن هنا جاءت أهمية الرد. وعاش اللحظات والأيام الأخيرة وهو يرى أن المغرب أعلن أبناؤه في وثيقة حادي عشر يناير 1944م استقلال البلاد، إنه التاريخ ذو الأبعاد التي يحار العقل تجاهها، عاش الرجل أفول الدعوة الإصلاحية للحسن الأول 1994 وانحدار المغرب نحو الحماية ولا شك أن هذا كان يريحه ولكنه مات وفرنسا تجرعت مرارة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية والمغرب ينهض نحو الاستقلال.
الرغبة في الإدماج
صاغ محمد عبده الرد على هانوتو في شكل مقالات كتبها في جريدة المؤيد تناول في بدايتها:
واستهل المقال الأول بقوله:
قرأت الساعة مقالة مسيو هانوتو المترجم في جريدتكم ويعني جريدة (المؤيد) نقلا عن جريدة ” الجورنال” الباريسية تتميما لبحثه السابق، وشيء من تتمته، إنما هو دافق من غيرته على شؤون دولته، يريد أن يدعو قومه إلى التبصر في وضع قاعدة المعاملة للمسلمين الذين يدخلون تحت ولايتهم، أو يجاورونهم في ممالكهم. وذلك لا يتم على مذهبه إلا بالبحث في طبيعة الأمر الذي صار به المسلمون غير مسيحيين، وبه يفضل المسملون سلطة إسلامية، على سلطة فرنساوية، فإن أمكن تلقيح ما عليه المسلمون بالولاء الفرنساوي وبينها الجمع بين ما وقر في نفوسهم، وبين الخضوع الأعمى لسلطان فرنسا، وطاب الجوار في قلوب الملة الإسلامية لعقيدة الإسلام، والطاعة لكل أمر يصدر من آخر فرنساوي في طبقته، صح للدولة الفرنساوية أن تمن على المسلمين بالبقاء في الأرض، وإلا وجب عليها أن تحمل عليهم فتبيدهم من البسملة أو تحملهم إلى قارة أخرى».
دوافع
لقد جاء مقال (هانوتو) المترجم إلى العربية ونشر في عام 1317 في حوالي أربعة عشر صفحة من الجزء الثاني من كتاب تاريخ الأستاذ الإمام لرشيد رضا من (ص400 إلى 415)، وجاء رد محمد عبده في حوالي 40 صفحة وإذا كان المقال الأول الذي افتتحه بالفقرة أعلاه استعرض فيه الشيخ الدوافع التي دفعت الكاتب إلى التصريح بما جاء في مقاله فإنه فصل في المقالات التالية الشبه التي أوردها هانوتو، وتخلل ذلك حديث جزئي بين هانوتو وبين صاحب جريدة الأهرام، وحاول عبده في المقال الأول أن يرد على ما فاه به الكاتب حول الإسلام ورمي الإسلام بما أشرنا إلى جزء منه في الحديث الأخير، وإذا كان الكاتب يفتخر بأن الغرب انتصر على المسلمين في القرن الأول الهجري وحال بينهم وبين الامتداد في أوروبا فان عبده يرد على هذا الأمر بالقول (ص417 نفسه).
ماذا حمل الإسلام؟
«ماذا حمل الإسلام إلى أوروبا، وما هي المدينة التي زحف عليهم بها فردوها؟زحف عليهم بما استفاد من صنائع الفرس، وسكان آسيا من الآريين، زحف عليهم بعلوم أهل فارس والمصريين والرومانيين واليونانيين، نظف جميع ذلك ونقاه من الأدران والأوساخ التي تراكمت عليه بأيدي الرؤساء في الأمم الغربية لذلك التاريخ، وذهب به أبلج ناصعا، يبهر به أعين أولئك الغافلين المتسكعين الذين كانوا في ظلمات الجهالة لا يدرون أين يذهبون».
إني أكيل لمسيو هانوتو إجمالا بإجمال، والتفصيل لا يجهله قومه، وكثير من منصفيهم لم يستطع الا الاعتراف به».
الإشعاع العلمي
إن الرد الذي حمل في الفقرة أعلاه توضيح دور المسلمين في العناية بالحضارات السابقة على الإسلام وكيف أن المسلمين طوروا هذه الحضارة ومعارفها وجعلوها مستساغة وملائمة للعصر الذي يظلل العالم، كما جعلوها منسجمة مع القيم الأخلاقية والإنسانية التي جاء الإسلام يحملها للناس وفي هذه الفقرة يوضح اثر تلك الشعلة التي حملها الإسلام إلى الناس انطلاقا من الأندلس تلك القطعة الأرضية من أوربا التي أبعدها الإسلام وأبعد أهلها بما أشاعه بينهم من قيم العلم والحضارة والتقدم يقول الشيخ:
أول شرارة
إن أول شرارة ألهبت نفوس الغربيين فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت من تلك الشعلة الموقدة التي كان يسطع ضوءها من بلاد الأندلس على ما جاورها، وعمل رجال الدين المسيحي على إطفائها مدة قرون فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. واليوم يرعى أهل أوربا ما نبت في أرضهم بعد ما سقيت بدماء أسلافهم المسفوكة بأيدي أهل دينهم في سبيل مطاردة العلم والحرية وطوالع المدينة الحاضرة».
الاهتمام بالقشور
وفي هذه الفقرة لم يتردد محمد عبده في مهاجمة الرجل واتهامهم بالقصور في الفهم والوقوف عند ظواهر الألفاظ دون النفاد إلى مواطنها يقول:
«يحار القارئ لكلام هانوتو في معنى المدينة السامية التي جاء بها الإسلام وتصادم بها مع المدنية الآرية.
ولعل عنايته بالألفاظ التاريخية مع قصوره عن النفوذ إلى حقائق ما أودعته هو الذي قصر به عن النجاح في أعماله في السياسة الخارجية بين أمة مثل الأمة الفرنساوية التي تنقاد بذكائها إلى الأذكياء، والعارف بطباع الأمم لا يعسر عليه أن يقودها إلى ما يضمن لها الفوز على جيرانها، وإنما العسر كل العسر أن يوجد فيها ذلك العارف اليوم».
ان الناظر في التاريخ تحمر عيناه من مناظر الدماء المتجسدة على جليد الأزمان، ذلك مما سفكه أهل ذلك الدين المتحد بالمدينة الآرية، ليقاوموا دعاة تلك المدينة السامية ويخمدوا نارها».
علاقة الأديان بمعتنقيها
إن الشيخ يرد على (هانوتو) هنا بشكل يفصل فيه بين واقع المسلمين في الفترة التي كتب فيها الكاتب شبهه واتهاماته ولاشك أن عبده يفصل بين الأديان وأهل هذه الأديان ويرى أن ربط الأحوال لا يستقيم حتى بالنسبة لأوربا يقول:
«ان صح الحكم على الأديان بما يشاهد في أحوال أهلها وقت الحكم جاز لنا أن نحكم بأن لا علاقة بين الدين المسيحي والمدنية الحاضرة، فإن الإنجيل بين أيدينا نقرأه ونفهمه ولا يغيب عنا شيء من دقائق معناه، يأمر الإنجيل أهله بالانسلاخ عن الدنيا، والزهادة فيها، ويوجب عليهم إذا سلبهم السالب قميصا أن يعطوه الرداء أيضا، وإذا ضربهم الضارب على خدهم الأيمن أن يديروا له خدهم الأيسر، وأن يفنوا بكليتهم في الآب، ويقص عليهم أن دخول الجمل في سم الخياط، أيسر من دخول الغني ملكوت السموات، وما شابه ذلك من الوصايا الملكوتية، التي تليق برسول إلهي رباني يدعو الناس إلى الانقطاع عن هذا العالم الفاني، ليليقوا بالانتظام في أهل ذلك العالم الباقي».
القدر والجبر والاختيار
هذا ما كتبه الشيخ محمد عبده في المقال الافتتاحي للردود التي كتبها واسترسل في ردوده مقالات خاصة نتعرض لبعضها فيما يلي فقد خص المقال الثاني:
أما المقال الثاني فقد خصصه للحديث عن القدر والجبر عند المسلمين والنصارى ولعل من الأفيد والعالم الإسلامي يعيش ظروفا مشابهة من الوجهة السياسية وتكالب الغرب عليه أن نقتبس الفقرة الأخيرة من هذه المقالة الثانية التي يقول فيها: (ص: 424).
لو رجع المسلمون
أما لو رجع المسلمون إلى الحقيقة من دينهم لأدوا فرضهم، واستنبتوا أرضهم واستغزروا من الثروة، وأعدوا لفرنسا ما استطاعوا من قوة، واعتمدوا في نجاح أعمالهم على معونة القدر، وأيقنوا في صولتهم علما أم ليس من الموت مفر، ثم صال صائلهم على مكان العزة منها، ونال ما ينال القوي م الضعيف، والعزيز من الذليل، ولا نقلب جنونهم لدى هانوتو عقلا، وحول هذيانهم حكمة وعلما.»
أما المقالة الثالثة فقد خصها بالرد وتحرير القول في التوحيد والتنزيه وتجسيد الالوهية والتشبيه.
تجسيم وتجسيم
لاشك أن مناقشة التجسيم تأخذ في هذا النقاش بين عبده وهانوتو منحى غير المنحى الذي تأخذه في النقاش بين علماء الكلام المسلمين، إذا التجسيم لدى المسيحية يأخذ مسألة الطبيعة التي لدى المسيح عليه السلام أهي طبيعة بشرية إنسانية أو طبيعة إلاهية أو هي مزدوج لاهوت ناسوت إنه التشخيص الذي يراد منه أن يجسد الله تعالى “الله عن ذلك علوا كبيرا” وهو ما ناقشه محمد عبده فيه، ولكنه تعرض إلى مقولة لا يزال منصروا الفضائيات حتى اليوم يرددونها وهو أن الإسلام خال من الروحانية لأنه يعبد إلها مجردا لا يرى مشخصا في أيقونة أو تمثال كما هو موجود في النصرانية في هذه الروحانية يقول عبده: (ص430-431).
روحانية الإسلام
«يظن هانوتو أن الإسلام قطع الصلة بين العبد وربه، ولكنه وهم في ذلك، فإن الإسلام أفضى بالعبد إلى ربه، وجعل له الحق أن يقوم بين يديه وحده بلا واسطة تبيعه رضاءه قضى الإسلام بأن لا يكون للكون إلا قاهر واحد، يدين له بالعبودية كل مخلوق، وحظر على الناس مقامين لا يمكن الرقي إليهماـ مقام الألوهية التي تفرد بها، ومقام النبوة التي اختص بمنحها من شاء ثم أغلق بابها، وما عدا ذلك من مراتب الكمال فهي بين يدي الإنسان، وينالها استعداده، لا يحول دونها حجاب إلا ما كان من تقصيره في عمله، أو قصوره في نظره».
الفضائل والكمالات
إذا اعتقدت بقصور فضل الله عنك وقفت نفسك حيث وضعتها، ولن تستطيع إلى التقدم سبيلا، هكذا يرفع الإسلام الصحيح نفس صاحبه، وحقا هو معنى الإسلام والاستسلام الذي أخطأ في فهمه (مسيو هانوتو) فهل بقي الإنسان مع هذا المعنى من الإسلام في درك من الحيوانية، وفي هجرة عن التوسل بالأسباب إلى مسبباتها في كسب الفضائل والكمالات».
ان محمد عبده في هذه الفقرات أظهر مكمون روحانية وصوفية وحبذا لو أن الناس قبسوا من هذه الروحانية.
لماذا الرد؟
هذه بعض القضايا التي أثرنا الإشارة إليها فيما كتبه محمد عبده ردا على الوزير الفرنسي إذ المقالة الرابعة خصصها للحديث عن عناصر القوة في أوروبا أما المقالة الخامسة فهي تتناول وضع المسلمين وظاهرة الإصلاح التي انبرى إليها بعض فضلاء المسلمين وواصل نفس المنهج في المقالة السادسة، ليختم رشيد رضا بالقول:
«ان الغرض الذي رمى إليه الأستاذ في الرد على مسيو هانوتو هو تنبيه المسلمين وإرشادهم إلى النظر في عيونهم والبحث عن الأسباب التي أفسدت عليهم أمر دينهم ودنياهم وعمت ملوكهم وحكامهم وسوقتهم ودهماءهم والجمع بين أسباب الفساد وبيان المخرج منها». (ج2 ص468).
وفي الأخير وبعد مناقشة هذا الرد نترك محمد عبده ليقدم نصيحة لعلها تفيدنا فيما نحن فيه وما نعاني ويمكن استبدال اسم هانوتو باسم آخر من الحانقين والمتربصين ويستقيم الكلام معنى ومبنى.
وهم العدالة
إن كان المسلمون اليوم ينتفعون بشيء ويعتبرون بمثال، لم يكن أنفع لهم من الاعتبار بما جاء في كلام مسيو هانوتو، فقد أرشدهم إلى عيوب فيهم لا يسعهم إنكارها، وهداهم إلى مقاصد لطلاب الاستعمار في ديارهم قد شهدوا بالعيان آثارهم، وصرح لهم بأن الاعتماد على العدالة في معاملة الدول ضرب من الخيال، وعقد الآمال بإنصاف الأمم تلمس للمحال، وما على المهتم بحماية ذماره، وطالب الظهر من عاره، إلا أن يدركهم ويعمل عليهم ليبلغ من الحول حولهم، فيفوقهم في القوة أو يكون مثلهم، فيتعاوض في المنافع معهم معارضة المالك مع الملك، لا أن يتسلى بالأعاليل، ويلهو بالأضاليل، ويقنع الأماني، ويكتفي من العمل بالصوت الجهوري واللفظ المطلي، وهو من روح قائله خلي، حتى إذا دهموه وهو في غفلته، وأخذوه في نومه أو يقظته، بسط يده يلتمس الرحكة منهم، ويرقب أن يفيض عليه سبب العدل عنهم، فهذا عمل الجاهل الأحمق، وهو بالذلة والاستعباد أحق.
إنها ذكرى للعبرة والذكرى تنفع المؤمنين
نموذج
والواقع أن الرد على هانوتو ليس الرد الوحيد في ردود محمد عبده بل نموذج إذ كانت له مساجلات مع غيره كفرح أنطوان مؤسس مجلة الجامعة والفيلسوف الفرنسي رينان وغيرهما بجانب الرد على منتقديه من علماء الأزهر والأقطار الإسلامية وبصفة خاصة ردود الفعل التي كان كثيرها من لدن من لم يكن مدركا لمرامي محمد عبده في توجيه المسلمين.
افهام مختلفة
كما كان لانحيازه إلى السلفية المعقلنة تأثير مزدوج من لدن معاصريه إذ كان المتشبثون بالخرافات والتمسح بالأضرحة وكذا من يرى جواز التوسل وغيره يرون خروجا عن الصواب والجادة كما يرى السلفيون في التأويل واستعمال العقل في مقابل النقل أو المواءمة بينهما وكذا رأيه في بعض القضايا الكلامية كالمعجزة وغيرها خروجا عن جادة السلف وقد كتب الأستاذ علال الفاسي رحمه الله بحثا مهما في هذا الصدد ألقاه في شكل محاضرة بمدينة فاس ثم نشرها في العددين التاسع والعاشر من دعوة الحق السنة الأولى بعنوان الشبه والمتشابه عند محمد عبده ونشرها الأخ عبد العلي الودغيري ضمن كتاب اعلام من الشرق والغرب ص: 131 وما بعدها.
تساؤل
وبعد،
إن المرء ليسأل نفسه وهو يتابع ما قام به الشيخ محمد عبده سؤالا مشروعا أين نحن اليوم بعد مائة وعشر سنوات من وفاته من دعوته سواء في علاقة المسلمين بعضهم ببعض أو في علاقاتهم مع غيرهم من أهل الأديان والأقوام الآخرين، هل انتهى الاستبداد في الدول الإسلامية وأصبحت تعيش في بحبوحة من الشورى والديمقراطية ومساهمة الشعوب في تدبير الشأن العام؟
وهل العلاقات بين الدول الإسلامية والمجتمعات الإسلامية على ما يرام؟
وهل الدول الإسلامية من المناعة والقوة بالشكل الذي يجعلها تحافظ على استغلالها وسيادتهما؟
وهل المجتمعات الإسلامية نفضت يدها من التدبير والبذخ والإسراف أو لا تزال الآن منذ قرن وثلث قرن.
وهل المجتمعات الإسلامية والحكومات الإسلامية من الرشد الاقتصادي إلى المستوى الذي يجعلها تتحرر من الديون والدائنين؟ أو أن المجتمعات غارقة بفضل الحكومات الرشيدة في الديون من أم رأسها إلى أخمص القدمين؟
بين الأمس واليوم
هل إذا قال الإنسان ما أشبه اليوم بالأمس يكون مصيبا أو مخطئا. أليست الاتهامات الموجهة اليوم ضد المجتمعات الإسلامية وعقائد الإسلام بالتطرف والإرهاب تشبه اتهامات الأمس بالتعصب وكراهية الأجنبي (رأي كراهية الاستعمار).
أليس ما ورد في كلام هانوتو من الاتهامات للإسلام والمسلمين وللدراويش والزعماء الروحيين الدينيين تشبه ما يقول الساسة والمحللون في الغرب في الوقت الحاضر؟
يظهر أن هناك أسلوب في المعاملة اليوم أجرأ مما كان في الماضي فالماضي كان المحتل يسعى لإبعاد المسلمين عن ثقافتهم ولغتهم ودينهم أما اليوم فالمطلوب من الحكومات أن تقوم هي نفسها بهذا الدور.
والحديث موصول.
ذ. محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني