يسألونك عن سجلماسة

رشيد الهاشمي
آثم في دين الوطنية من سُئل عن سِجِلْمَاسَّة يوماً فلم يجد للجواب جهداً و لا حيلة، و آثم في دين التاريخ من مرت على أذنيه كلمة سجلماسة العريقة و لم يقف اقتدارا و إجلالا لمعالم تاريخٍ مندثر قلمَا تجد من يبحث في تفاصيله المنسِية و يزيل اللثام عن أوراقه المتآكلة.
أن تسأل عن مدينة سجلماسة اليوم هو شبيه بأن تسأل ذوي البطون المنتفخة من أين يأتي الفقراء و الضعفاء برغيفهم و كسوتهم. السؤالان سَيان، إذ مِن المستبعد أن تجد جوابا شافيا لا عند جاهلي التاريخ و لا عند بورجوازيو الوطن، فلا ضير إذن أن يقول القائلون و يردد المرددون بأن الحقائق التاريخية تكون دائما مرَّة فلا حاجة لإزالة الغبار عنها و التدقيق في سيناريوهاتها.
وحدهم الباحثون في تاريخ الأوطان يدركون أيما إدراك ما قدمه السجلماسيون القدماء في سبيل بناء الحضارة المغربية و تشييد ركائزها الأساسية، إذ كانت سجلماسة- التي تقابل مدينة الريصاني في تافيلالت الحالية – مركزا تجاريا عريقا، و صِلة وَصل بين أسياد التجار و كبراء القوافل مُمثلة بذلك معلما من معالم الحضارة المزدهرة بالمغرب العربي الكبير. و للحظة قد يتساءل المرء عن أسباب موت هاته المدينة و اندثارها كما لو أنها أسطورة أناخ الزمن على أبطالها و أهلك التاريخ مآثرها.
إن التاريخ الذي كتب على سجلماسة أن تكون في وقت مضى ثاني دولة إسلامية تشيدُ بشمال افريقيا بعد مدينة القيروان التونسية، و أن تحتل مكانة مرموقة في مهجة التجار و أصحاب القوافل لقرون عديدة من الزمن هو التاريخ نفسه الذي شاء أن تكون الآن عبرة لكل معتبر و موعظة لكل متعظ.
أن تزور سجلماسة اليوم شبيه بأن تقوم بسفر عبر الزمن يسحبك منْ العام الخامس عشر بعد الألفين للميلاد، ويزجَّ بك في غياهب القرُون الوسطَى : أطلال قديمة، و خرابات عتيقة و دور منسية، تلك هي سجلماسة اليوم التي مُحال أن يظن المرء أنها الأرض نفسها التي احتوت حضارة المغاربة و ثقافتهم لقرون خلت.
المصير نفسه يتكبده اليوم السيجلماسيون و الفيلاليون في قصورهم الطينية و بواديهم المنسية، فالرجال لا زالوا يسقون جرار المياه من العيون و الآبار، و النساء لازلن يحطبن في الجبال الشاهقة و الحقول الوعرة، ثمَّ يطبخن الطعام فوق النار وسط منازل كالخربات، ما الفرقُ إذن لوْ سحبتَ شخصًا منْ أيَّامنا هذه وقذفت به في سفرٍ إلى قرون مضت !


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني