على هامش “الفحش اللي فيك”

كنت أود التعفف عن الخوض في موضوع “الفحش اللي فيك” لولا أن تسارع الأحداث، وتفاعل المواقف، حتم ضرورة تناوله، بناء على ردود الفعل التي أفرزها، والتي استطاع هذا العمل انتزاعها، من قبل كافة شرائح واسعة، من المجتمع المغربي، سلبا وإيجابا.
بداية تفرض أدبيات اللياقة أن أحيي نباهة المخرج في إثارة كل هذا الفضول حول عمله،خاصة مع حجم الاهتمام الذي حشده، الأمر الذي يؤكد بالملموس، أن قنوات التواصل الاجتماعيتشتغل بشكل جيد، وتؤدي وظائفها التفاعلية الناجعة والسريعة بين الناس، في مقابل تأكيد صدقية الإحساس العام لدى غالبية المغاربة، بتخلف منابر وقنوات إعلامنا العمومي، في شد الانتباه إلى ما يقدمه لجمهوره.
ويترتب على هتين المفارقتين الصارختين، في هذا المعطى/ المعادلة، التعبير الصريح عن الهوة الشاسعة بين ما يعرضه الإعلام المدفوع الضرائب، والمصروفة عليه ميزانيات ضخمة، وبين تطلعات وآمال شعب بأكمله، في أن يجد ذاته وخصوصيته في إعلامه. فالفراغ و الاستبلاد، ومظاهر التدجين والتنميط، التي خطط لها استراتيجيو الخدمة العمومية في القطب الإعلامي الموحد، واستنبتوا في أحشائه الريع والمتاجرة والسمسرة، ولد بالمقابل أرضية خصبة واستعدادا جارفا لدى المتلقي للارتماء في مستنقعات اللهفة والفضول المتطرف لتعويض هذا الجحود والحرمان الذي يمارسه عليه إعلامه، وهو ما يفسر نجاح تجربة مواقع التواصل الاجتماعي في استلاب عقله وتفكيره بل والأخطر من ذلك احتواء أحاسيسه وكينونته.
هذا الارتماء في أحضان المجهول هو ترميز ضمني على درجات السخط والتذمر من الغباء الذي يصر الإعلام العمومي لأن يعامل به حاجة المواطن وخصاصه.
وتزداد معاناة المواطن، في بحثه عن بدائل، بل تتنامي المخاطر أمامه، لما يجد في البديل ألغاما ومقالب، تتصيده فريسة صائغة، لأشكال وضروب أخرى، من فنون التحايل والاحتيال، وكأنها وجدت بتواطؤ مع مجهول لتعويض الفظيع بما هو أفظع.
من منا ينكر أن استعمال آخر صيحات التكنولوجيا، ساهمت في إلهاء المجتمع بكل شرائحه، عن تحديد أولويات واجباته مقارنة مع ما يستنزفه من وقت ثمين للخوض على “النيت” وفي التفاهات تحديدا، التي لا تعدو أن تكون، في الغالب الأعم، مطبا يصب في فراغ.

(1)
بالموازاة مع تفاقم هذا الفراغ السيكواعلامي لدى المواطن عموما، بادرت المواقع الإليكترونية، و مواقع التواصل الاجتماعي، وفي إطار تنافسها الشرس، على استمالة العقول والأحاسيس، إلى ابتداع أخلاقية جديدة لمهنة الصحافة،ضربتها في مقتل، تأسست على اعتماد أسلوب الإثارة المبني على التحايل والاحتيال على المتلقي، حتى أن أرقى ما يهم هذه المنابر هو مراهنتها على نقرة وأحيانا باستعطاف “لايك”، ولا يهمها بعد ذلك إن كانت قدمت خدمة أو خدعة لمتلقيها المفترض. فأغلب العناوين المستعملة تخصصت في إثارة المتصفح، وأضحت مصداقية أي جريدة أو موقع تقاس بعدد الزوار والمتصفحين. هي لغة أرقام حقيقية يراد بها التدليل والبرهنة على باطل.
كل هذه المؤشرات تدل على حجم الخطر الداهم الذي يتهدد المجتمع جراء ترويضه على القبول بإشاعة الخبر الكاذب، والمعلومة المغلوطة والمزيفة، في ظل تنامي ممارسات تضرب في العمق أخلاقيات المهنة الصحفية، وتنتهك أبسط مبادئها، من قبل من لهم مصالح في تعويم، وانتشار الفوضى داخل الجسم الإعلامي الوطني، حتى حولوه مرتعا للارتزاق والابتزاز والسمسرة.
كل هذه المعطيات ضمنها صاحب “الفحش اللي فيه” في حساباته الواسعة ليمارس سلوك الابتزاز و الاستقواء عبر لوبياته التي تموله، وتسعى لضرب نواة الأسرة وعبرها المجتمع المغربي، بحس وحنين كولونيالي تحول سرطانا لم تقو الكومبرادوريات المريضة على التخلص منه.
حب التملك ونرجسية استصغار الآخر، تقدم نموذج الفرنسي المريض، الشيخ البيدوفيل ، الشاذ على كل المستويات، يستحيي أن يمارس نزواته الشبقية في عقر حضارته، لأن عقابها شديد هناك ولا تساهل معه، فيروح باحثا عن متنفس لمكبوثه المزمن في عوالم اعتاد أن ينظر إلى أهاليها بحمولة استعمارية مقيتة.
ولن أذهب بعيدا، ولو نتصور جميعا لو أن فرنسيا تطاول إلى الحد الذي بلغه صاحب “الخبث اللي فيه” وأساء لسمعة فرنسا، ولمجتمعها، بحضارتها وخصوصياتها الثقافية، وبما راكمته من انجازات على صعيد القيم الاجتماعية والإنسانية، ماذا سيكون رد فعل الفرنسيين تجاه من يمرغ سمعة بلدهم في الذل والهوان، ويستبيح أعراض نسائهم، ويشهر بعوراتهن، هذا إذا لازال هناك من غيرة تحرك المجتمع الفرنسي بالنظر لما يعيشه الفرنسيون اليوم من برود وفتور قاتل في علاقاتهم الاجتماعية. فالفردانية التي أفرزتها الرأسمالية المتوحشة حولت علاقات الناس إلى عملة مسكوكة لا رائحة ولا طعم لها.
ولا أرى مثالا صارخا للنموذج الذي أتحدث عنه الأ في عيوش نفسه، باعتباره فرنسيا حاملا لجنسية، وأسأله ما إذا كان صائغا لديه مشاهدة ما اقترفته يداه وتلصصت عليه كاميراه بمعية أسرته الصغيرة.
وسلمت أن الجواب عن سؤالي هو نعم ، أ فلا يمثل نموذج أسرتك النواة التي ساهمت وتساهم بشكل كبير في إشاعة الفحش والفساد، بفعل الثراء الفحش، وقد سجل تاريخ الإنسانية أن جــــــذور التفسخ
(2)
والانحلال داخل المجتمعات كان مصدره على الدوام طبقات أثرت واغتنت على حساب عرق ومعانـــــاة
البسطاء و المغلوبين على أمرهم، الثروة الفاحشة ترتب التفسخ الأسري ثم الاجتماعي في العلاقات، وطبيعي أن من تربى وترعرع في تربة كهذه ستضيق به السبل ويعمل جاهدا على نشر وإشاعة، ثقافة العهر والفساد، بسلطة المال في الأوساط الفقيرة والمحتاجة. أنه توظيف للمال لتركيع القيم، وانتهاك الحرمات، واستباحة الأعراض. المال الفاحش لا يفرز إلا فاحشا.
وبالنظر إلى الثراء الفاحش الذي راكمه ذوو نعمة عيوش، عبر الريع الإعلامي، الذي ضرب أطنابه في إعلامنا العمومي، فلا غرابة أن يستبيح هذا المدلل الفاسق حرمات مجتمع بأكمله، همه في ذلك إقناع نرجسيته المتعفنة، بأنه يقدم إضافة وتميزا في الفن والإبداع، فيما نواياه المعاقة، تفضح من يقف وراءها، من عصابات، على رأسها إعلام مسعور تسعى بكل الوسائـــل الملتويــــة، للنيـــل مــــن
المجتمعات التواقة إلى التحرر، و رفض الهيمنة، تارة باسم الحداثة، والتحرر الملغوم، وتارة أخرى بشعار حقوق الإنسان، وغيرها من الحركات، التي لم تعد تنطلي أكاذيبها على ذي عقل وتبصر. وفي جملة واحدة، فالفشل الذريع لسياسة الفرانكفونية، وتقوقع اللغة والثقافة والإبداع في فرنسا، أفرز هذا التهافت الاستعماري ذي النفس العنصري المتكالب على الشعوب و الحضارات الضاربة في عمق التاريخ. فأرقى ما وصلته حضارة الإنسان اليوم، وفي الدول المستقوية، هو العمل على معاكسة الشعوب في طريقها نحو التحرر و الانعتاق.
وليس صدفة أن يكون الأب واحدا ممن ينبرون اليوم للمطالبة بقتل اللغة العربية بينما لا تربطه أية علاقة بهذا الموضوع البتة.
قد يقبل العقل حشر نفسه فيه لو كان عالما أو باحثا أو فيلسوفا لغويا، أما ولا صلة تربطه به فالعبرة لمن يعتبر. وإذا لم تستحي فافعل ما شئت. وحقيقية استطاع آل عيوش قلب الحكمة الفرنسية رأسا على عقب والتي تقول: Tel fils tel père – Tel père tel fils
وفي المثل العربي الأصيل: ذاك الغصن من تلك الشجرة.
وفي الختام أتمنى أن تتفتق عبقرية عيوش الآن، وبعد الضجة التي حققها عمله أن يمر إلى المرحلة الموالية، وبالسرعة القصوى لينتج لنا فيلما يعكس ردود أفعال أسر أبطاله وبطلاته، بالواقعية نفسها، وبالعفوية ذاتها التي ركبها في انجازه تفاهاته. ومهما تكن النتيجة سيكون هو الرابح لأنه سيعكس واقعا فعليا لا شطحات معزولة.

(3)

كل المغاربة اليوم على يقين أن عيوش استغل نساء ساذجات مغمورات، يمتهن الدعارة في المواخير والعلب الليلية، لا يعرفن حقوقهن في مجال السينما والفن، وظفهن بطرق احتيالية لتحقيق مآربه. وهي دعوة لمن يهمه الأمر لتحريك البحث القضائي والتحري في الموضوع، خصوصا و أن المخرج تجرأ وصرح أن أسر بطلاته كلهن من عالم الدعارة والانحلال الخلقي، ولن تكون بذلك دواعي منع الفيلم هي الرقابة، والتضييق على حرية التعبير والإبداع ، كما يسعى المخرج للركوب عليها ليصير بطلا من لاشئ، بل يكون محرك الدعوى والمتابعة هو الاستغلال غير المشروع والمجاهرة والتشنيع.
المغرب ليس فرنسا كما أن العكس صحيح، فلكل حقله الثقافي وخصوصياته المجتمعية، فانضج أيها النيء النتن المتعفن، فرائحتك أزكمت الأنوف، وصورك أرمدت العيون، وحوار بطلاتك وأبطالك وقر ضاقت به السماع أيها الطماع، تباهى وتماهى بأسيادك، ذوي نعمتك أيها الحقير.

عبد الرحيم بنشريف


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني