د. محمد ناجي
1ـ مقدمة
قرأ الناس (اعتذار) أحمد منصور، فكانت لهم مواقف متباينة منه بين قبول ورفض؛ ولكن الذي لم ينتبه إليه الكثيرون هو أن أحمد منصور «لم يعتذر».. وأقولها مرة أخرى : “السيد أحمد منصور لم يقدم اعتذارا للمغاربة المجروحين بكلماته” ؛ وأنا مسؤول على ما أقول.


إن ما نشره تحت عنوان “أعتذر بشجاعة” ؛ ليس إلا تماديا في مخططه، على طريقة بعض المغرضين الذي يحافظون على الهدف ويغيرون الطريقة والأسلوب بشكل يوهم بتراجعهم عن أهدافهم، أو توقفهم عن مخططاتهم.. مما يحقق لهم مزيدا من التعاطف، ويؤدي بهم إلى مزيد من الفتح والتقدم نحو الهدف.
واستعمال أسلوب التراجع المموه له طرق شتى :
ـ إما أن يكون بالاعتذار،
ـ أو بإعلان التوقف عن الاستمرار في الفعل الجرمي ،
ـ أو بإعلان التوبة عنه،
ـ أو بإظهار الندم على ما بدر منه،
ـ أو بغير ذلك حسب ما تـتـفـتـق عنه عبقرية الشخص المعتذر؛ فـرْدا كان أو جماعة.
وكل هذه الأساليب إذا لم تكن خالصة، وصادقة، وصادرة من صاحبها بنية حسنة، فإنها في العادة تكون لتحقيق غايات أخرى تخدم الهدف المنشود لصاحبها ، وتحقق له مزيدا من المكاسب والنجاحات ، نذكر منها:
1) أنها تسهل له عملية اختراق الجهة المعادية (وهي هنا الجهة المجروحة)، وكسب أنصار منها واستمالتهم إلى جهته .
2) تحويل أنظار الناس عن الجريمة المقترفة إلى التركيز على ردود الفعل عن الاعتذار عنها، وتقييم تلك الردود وفقا لبعض الشعارات التي يراد استعمالها في غير موضعها، وبعيدا عن سياقها، أو خارج وقتها المناسب: كالتحلي بفضيلة التسامح، والحِلم، والعفو عند المقدرة، وجبر عثرات الكرام، وأن لكل فرس كبوة … وما إلى ذلك مما يُـطـرح على الساحة لجعله هو الحكم المرتضى في النازلة الـمُـجَـرَّمة، بدل محاكمة النازلة في حد ذاتها، وفقا لما تقتضيه العدالة الإلهية العصماء، والقوانين الوضعية المنصفة.
3) امتصاص غضب الجمهور وتحويله من غضب على الجاني إلى غضب على الضحية الذي لم يرتق إلى المستوى الإنساني والأخلاقي الذي ارتقى إليه الفاعل بتقديمه لاعتذاره عما فعل.
4) تأليب الجمهور على الضحية بدل الجاني عليها.
5) حمل الضحية على عدم الاستمرار في المطالبة برد اعتبارها بإيهام الناس أن الجاني قد رد للضحية اعتبارها بتقديم اعتذار عن الفعل.
6) وأخيرا، وهذه هي النقطة الأكثر خطورة، هو أن الاعتذار، أو التراجع ، أو الندم، أو التوبة.. كل هذه تصاغ بأساليب فيها كثير من الاحترافية تخفي على الجمهور العريض من المتضررين، أو القراء أو المستمعين مضمونَـها الحقيقي الذي لا يكون فيه شيء من الاعتذار؛ وإنما هو تمويه ومغالطة ، ونكاية بالضحية أو الضحايا..
والمغالطات لها أوجه متعددة، فإما أن تكون بالتحريف، أو بسد الذرائع، أو بالتماس الأعذار، أو باستعمال حجة الجاهل، أو بالخلط بين الأسباب والنتائج، … إلى غير ذلك من الأساليب المعروفة عند الفلاسفة والمناطقة والمتناظرين ، غير أن أكثرها تداولا بين جماعة المحترفين لها هي ما يعرف بــ (المغالطة المنطقية)؛ لأنها أيسر طريق إلى إقناع المخاطَـب أو المحاور ؛ ولأن لها جذورا فكرية وفلسفية من شأنها مساعدة مستعملها على الوصول إلى غايته منها، إذ إنها في معظم تجلياتها تكون مستقاة من الفلسفة السوفسطائية التي اشتهرت في أواخر العصر الذهبي للفلاسفة السوفسطائيين قبيل ظهور سقراط وأفلاطون ، اللذين أبانا عن أساليبهم في استعمال المغالطات المنطقية الملتوية عن طريق التلاعب بالألفاظ التي من شأنها أن تظهر الحق باطلا والباطل حقا ، وأن تبرئ المذنب أمام المحاكم، حيث مارس كثير من أولئك السوفسطائيين حرفة المحاماة لهذه الغاية، أو تعليمَ الشباب الثري بمقابل مادي سخي كيفيةَ الوصول بالآخر إلى الاقتناع بالرأي المراد تجويزه، بالاعتماد على إتقان آليات فن الخطابة، وامتلاك أدوات اللغة وفنون البلاغة ، والتلاعب بالأساليب، واستغلال عبارات الآخر بتسفيهها او توجيهها لغير ما وضعت له … .
وهنا لا بأس أن أبسط للقراء الكرام إحدى طرائف أولئك الفلاسفة السوفسطائيين ، والتي تُـظـهِـر تفوق التلميذ على أستاذه الذي علمه السحر:
القصة ليست مؤكدة تاريخيا، ولكن دلالتها في إبراز طريقة السوفسطايين هي التي أكسبتها شهرة وانتشارا ؛ تقول القصة :
ان تلميذا التجأ إلى محام سوفسطائي ليعلمه كيف يصبح محاميا ناجحا، يكسب كل قضاياه التي يترافع فيها ، على أن يدفع له أجر تعليمه عند حصوله (أي التلميذ) على أتعابه من أول قضية يترافع فيها ويربحها . وفعلا علمه المحامي الأستاذ طرق التناور الخطابي والتلاعب بالألفاظ وما إلى ذلك من طرق الترافع السوفسطائية. فلما تعلم التلميذ بدا له ألا يفي بالاتفاق، فأخذ يتهرب من الترافع بنفسه حتى لا يدفع للأستاذ المعلم أجره المتفق عليه. ففكر الأستاذ في حيلة تمكنه من الحصول على مستحقاته في جميع الحالات؛ فانتهى إلى أن يرفع ضد تلميذه دعوى في المحكمة يطالب فيها بأتعابه حسب الاتفاق، وبذلك سوف ينال أتعابه سواء ربح الدعوى أم خسرها:
فإذا ربحها، فسينال أجره بالحكم القضائي.
وإذا خسرها فسينال أتعابه بقوة تفعيل العقد الذي ينص على أن يأخذ أتعابه بعد أن يربح التلميذ القضية التي يترافع فيها .
ولجعل المرافعة حية بين يدي القراء، أنقلها كما جاءت في بعض مصادرها:
الأستاذ للقاضي : لقد تم عقد اتفاق بيني وبين المدعى عليه على أن … […قراءة نص الاتفاق] ، ولكنه أخذ يتهرب من الترافع أمام محكمتكم حتى لا يفي بالأجر المتفق عليه. وكما ترون يا سيدي القاضي فإنني سوف أحصل على أتعابي في هذه القضية سواء حكمتم لصالحي أو لصالحه ، [كما وضحناه سابقا] .
التلميذ : لا يا سيدي القاضي؛ في كلتا الحالتين لن يلزمني أداء أي شيء، سواء كان حكمكم لصالحه أو لصالحي.
فإذا حكمتم لصالحه، فمعنى ذلك أنني خسرت القضية، والشرط في الاتفاق أن أربحها.
وإذا حكمتم لصالحي فلن أؤدي له شيئا بقوة الحكم المقضي به، وهو أقوى من الاتفاق.
وعموما فالمنهجية التي تقوم عليها “المغالطة المنطقية” تسلك طرقا متعددة حسب الموضوع والغاية ، نخص بالذكر منها الطريقة التي اعتمدها أحمد منصور في “اعتذاره الشجاع” ، والقائمة على صحة المعطيات وفساد الحجة، واستعمال منطق غير سليم، أو استخدام أفخاخ منطقية تنجذب إليها عقول المخاطبين .. وهي الوسيلة التي كاد أن يحقق بها غاياته من ذلك الاعتذار المموه، بتحويل الحديث عن جريرته إلى حديث عن اعتذاره، واستمالة جمهور غفير من المتلقين لشتائمه إلى متسامحين أو صامتين، وتأليب أبواق كثيرة على ضحاياه الذين لم يقدروا للرجل تنازله، ولم ينفعلوا بلحظة الغضب التي انتابته حتى دفعته إلى ما ارتكبه في حقهم من حماقات، وكَـفِّ الضحايا عن الاستمرار في مساطرهم القضائية باعتبار أنه اقتص لهم من نفسه بنفسه ، وغير ذلك مما لا نقول بأن أحمد منصور رجع فيه إلى فلسفة “بروتاجوراس” أو “أنـتيـفون” أو غيرهما؛ وإنما هو في الغالب مستمد من طول ممارسته للبرامج الحوارية، ومقابلاته مع كبار دهاقنة السياسة الذين يعرفون كيف يُـزَيِّـنون الخبيث ويـخَـبِّـثون الطيب، وكيف يجعلون أنفسهم دائما هم الذين على صواب وغيرهم على خطإ، وكيف يجعلون من أنفسهم ضحايا المعارضة إذا كانوا في الحكم، وضحايا الحكم إذا كانوا في المعارضة، ويعرفون كيف يصورون للناس أنهم هم وحدهم من يعمل للمصلحة العامة، وغيرهم لا يعمل إلا للمصلحة الخاصة، وأنهم هم وحدهم الذين يضحون من أجل الوطن والشعبِ ويخططون لمصلحتهما، وغيرهم لا شغل له إلا أن يعرقل مسيرتهم التنموية ويضع لهم العصا في العجلة.. فكان لابد لهذا التلميذ النجيب أن يستفيد من تلك الممارسة التي تعد بالعشرات من السنين، منذ أن التحق بالجزيرة حوالي سنة 1996، وانتخبه الشيخ يوسف القرضاوي لتقديم برنامجه في الجزيرة، والذي كان الشيخ هو من اقترح له عنوان “الشريعة والحياة”؛ وهو البرنامج الذي أعتبره بداية تلقي أحمد منصور للدروس العميقة المعمقة في الدفاع عن المواقف والآراء تمريرها، بغض النظر عن صوابها أو خطئها، وتحويل السؤال لجعله في خدمة القضية ولو كان القصد منه الاعتراض عليها، وتقديم الجواب بحسب الحالة الانفعالية التي يقتضيها من ترفق وتلطف، أو تهجم وتعنيف، وطلاقة الوجه وبشاشته أو تجهمه وعبوسه، وجعل موضوع الخطاب المبثوث على طول الحلقة لصالح الصوت المتكلم البارز على الشاشة بعبارات تأسر سامعها…
والدارس للثقافة العربية هو من يستطيع أن يدرك مدى خطورة هذه المدرسة وشدتها وقوتها في باب المناظرات، لما خبرته من مناظرات بين أساطين المفكرين وجهابذة العلماء بمختلف فرقهم وتداول أزمنتهم؛ من عصر الرسول عليه السلام، إلى مناظرات دعاة العصر الراهن؛ مرورا بالمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والخوارج والإباضية، والسنة والشيعة. تاريخ مديد طويل عريق في الاحتجاج لأمور قلما يكون لها كبير أثر على الحضارة الإنسانية، أو تأثير بارز في ارتقائها وتطورها، والتي كان ضحاياها يعدون بالمئات، فأصبحوا اليوم يعدون بمئات الآلاف؛ إن لم نقل بالملايين دون أن نكون مبالغين .
ثم كانت المدرسة الأخرى للأستاذ أحمد منصور لإكمال تعمقه في فن التناور والبراعة في الظهور بمظهر المؤرخ المحايد المنصف ، والسياسي المحنك الحريص على نشر الوعي السياسي، والداعية إلى الإصلاح والديمقراطية، عندما شرع في برامج أخرى في محاوراته لأكبر الشخصيات السياسية البارزة في المجتمع العربي بمختلف توجهاتها وتعدد مشاربها..
ثم استضافته لضحايا العنف السياسي في بعض الدول العربية…
وهو كله مما سيزود ـ بلا شك ـ هذا التلميذ/الاستاذ أحمد منصور بطاقة كبيرة وقدرة واسعة على تغيير مسار التهمة من وجهة إلى أخرى، ويجعله قادرا على تحويل نفسه من متهم ظالم إلى برئ مظلوم، ومن جان إلى مجني عليه.. وتجعل ضحاياه يجدون أنفسهم في مواقف حرجة محرجة، يُـطلب منهم فيها أن يقدموا اعتذارهم للأستاذ الفاضل، أحمد منصور الذي اعتدوا عليه ولم يتجاوبوا مع لحظه انفعاله عليهم، ويتقبلوها منه بصدر رحب.
ولاشك أن هذا الصحفي المتمرس في فنون القول، وتلوين العبارات باللون الذي يختاره لها، وتصريف المعاني بما يخدم النص الأصلي؛ كاد أن يحقق كل تلك الأهداف التي خطط لها باعتذاره المموه؛ لولا أن تداركته النوايا الصادقة، والقراءة المتأنية من طرف بعض الغيورين على وحدة وطنهم، الحريصين على تلاحم كل فئات شعبهم ووحدتها مهما كانت معتقداتهم أو ألوانهم السياسية ، سواء من الذين كتبوا في الموضوع قبل هذا المقال المتواضع؛ أو ممن سيكتبون فيه بعده، لتكريس تلك الغاية العظيمة التي نسعى كلنا إليها، بتحويل ما قد يكون مصدر تفرقة وتناحر في بعض الشعوب؛ إلى مصدر قوة وتحالف وتعاضد لمصلحة الوطن والناس في هذا البلد الأمين، القوي بتعاضد أبنائه وتآزرهم لخدمة الصالح العام؛ سواء من داخل الحكومة أو خارجها .
وبما أن الأسلوب الذي استعمله أحمد منصور قائم على ذلك النوع من المغالطات المنطقية الذي بـيَّـنـتُـه آنفا؛ فإنني سوف أعمل على تحليل ذلك “الاعتذار”، بإبراز عناصر تلك المغالطات بالمنطق نفسه، لمزيد من التوضيح والإبانة، مع الاستشهاد بعباراته حرفيا، حتى لا نُـرمى بالتحيز أو التزيد ؛ إذ ليس لي شخصيا أي مصلحة في معاتبة أحمد منصور، أو في إثابته؛ فنحن نشكره مسبقا على أنه كان من الأوائل الذين أسمعوا العالم صوت بعض العائدين من الجحيم، صناديد سجناء تزمامارت الأبطال،، كما نقر له بنجاحه وتفوقه في معظم حلقاته الحوارية ، ولاسيما التي لا تكون موضبة من قبل، أو متفقا فيها على نوع الأسئلة التي ستطرح على الضيف.
كما أهنئه أكثر على حلقته الأخيرة التي حاور فيها واحدا من أكبر قـتلة العصر وسفاحا من أفظع السفاحين ، دمر مدنا وقرى بكاملها على رؤوس أهلها من مواطنيه وبني جلدته دون أن يحرك ذلك ذرة من إحساسه المتبلد بجرائمه وفظائعه، ومع ذلك لم يستحي ذلك الوغد المتوحش من أن يطلب ـ لعنة الله عليه ـ من سيده أن يعمل على مبادلته بالأسرى الذين تغص بهم سجونه، بدل أن يطالب بإطلاق سراح الأسرى بدون قيد ولا شرط؛ نصرة للحرية وإظهارا لمبادرة السلام .. فكانت غايته من توسله لسيده اللعين ذاتية صرفة وليست وطنية أو إنسانية أو أخلاقية..
إن ما أقدم عليه الأستاذ أحمد منصور من تهجم على الشعب المغربي، وتـمـسُّـكـه بـتَـرَفـعه وتعاليه عن تقديم اعتذار حقيقي للمجروحين من أبناء الشعب المغربي ؛ بأن يجعله اعتذارا صافيا غير مشوب بألوان تحيله إلى سواد، صادرا عن حسن نية، غيرَ هادف لتحقيق مكاسب أخرى تخدم نفس الأهداف من تدوينته التي يعتذر عنها، موجَّـها بعبارات صريحة وواضحة لضحاياه ؛ هو ما جعلني أتشبث أنا أيضا برفض ذلك “اللاعتذار”، وأتمسك بالدفاع عن كرامتي وكرامة نساء ورجال الشعب المغربي ممن أحـسـسْـن وأحسوا أنهم تضرروا من هجومه غير المتزن عليهم جميعا، والجائر في حقهن جميعا ، وغير المراعي لأي حرمة أو طعام مشترك ؛ لأننا في المغرب ـ وهذه مما نـتـفـرَّد بها على العالمين ـ نعتبر أنه بمجرد أن يشترك مغربي الطعام مع شخص آخر، فقد أصبح ذلك الطبق المشترك بينهما بمثابة عقد وفاء وتعاهد على التحاب والتوادد بينهما، ومن غَـدَر منهما بذلك العقد، أو العهد، غدره الطعام، و”وحَـل له” في ركبه.
ولا ريب أن الحالة التي ظهر عليها أحمد منصور تشير إلى شيء من ذلك.
2ـ تحليل الاعتذار







