كواليس اليوم: عن (ومع) بتصرف
مبادرة أخرى في غاية الأهمية، تأتي في سياق سلسلة من المبادرات البناءة التي أطلقها أمير المؤمنين الملك محمد السادس، في الآونة الأخيرة، والتي تروم تعزيز وتأهيل الحقل الديني، داخل المملكة، وخارجها، من جهة، ومواجهة التطرف والإرهاب من جهة ثانية، وهي المبادرات التي نفذت بعمق في أعماق القارة الإفريقية، التي تعاني الكثير من بلدانها الأمرين بسبب سوء الفهم الكبير للدين الإسلامي، وكان واضحا أن بلدان العالم الإسلامي بإفريقيا، كانت في أمس الحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تعتبر سابقة في العالم العربي بأسره.
الإعلان يوم الاثنين عن تأسيس “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، تأتي تتويجا للمبادرات الطموحة والناجعة في مجال الحقل الديني التي يشرف عليها أمير المؤمنين، بحيث تروم هذه المبادرة السامية، توحيد جهود علماء المغرب والدول الإفريقية الشقيقة بهدف التعرف على قيم الإسلام المتسامح، ونشرها وتفعليها.
وتتمثل أهداف مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، في اتخاذ كل مبادرة من شأنها تفعيل قيم الدين السمحة في كل إصلاح تتوقف عليه عملية التنمية في إفريقيا سواء على مستوى القارة أو على صعيد كل بلد، وتنشيط الحركة الفكرية والعلمية والثقافية المتصلة بالدين الإسلامي الحنيف، وتوطيد العلاقات التاريخية التي تجمع المغرب وباقي دول أفريقيا والعمل على تطويرها.
كما ستعمل المؤسسة التي عيّن جلالة الملك على رأسها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق على إقامة مراكز ومؤسسات دينية وعلمية وثقافية، وإحياء التراث الثقافي الإفريقي الإسلامي المشترك من خلال التعريف به ونشره والعمل على حفظه وصيانته، إلى جانب ربط الصلات وإقامة علاقات التعاون مع الجمعيات والهيئات ذات نفس الاهداف.
وذكرت وكالة المغرب العربي للأنباء أن “المكتسبات التي حققها المغرب في مجال إشاعة الإسلام المتسامح في عالم تعصف به الاضطرابات، بوأت المغرب مكانة متميزة ضمن كبريات الدول التي تسهم بقوتها الناعمة في مواجهة التطرف الذي بات يرخي بظلاله في مناطق عدة”.
وجاء في قصاصة للوكالة أيضا أن “المغرب القوي بتاريخه العريق القائم على الوسطية والاعتدال والتسامح، يفرض نفسه كمحضن للإسلام الوسطي يحظى بتقدير متزايد من لدن الدول الإفريقية الشريكة التي ترغب في الاستفادة من تجربة المملكة لتكريس استقرارها السياسي والروحي وقطع الطريق على تنامي الأفكار الظلامية”.
هذا وتبقى جهود جلالة الملك في إشاعة الصورة الأصيلة للإسلام، “مثار إعجاب وتقدير العديد من هذه الدول التي ترى في المملكة، ليس مجرد مصدر للإلهام، وإنما مرجعا متينا في مجال الإصلاحات السياسية والدينية”.
إنها صورة ما فتئت تتجسد في كل مرة يزور فيها الملك بلدا إفريقيا، حاملا رسالة السلام والتنمية في منطقة يتهددها خطر اللاتسامح الديني، وقد شكلت مختلف الجولات التي قادت الملك إلى إفريقيا، والتي تمثل تجسيدا بليغا لكثافة الروابط الثقافية والدينية القائمة بين المغرب وامتداده الإفريقي، مناسبة للشركاء على مستوى القارة للوعي بوجاهة البديل المعتدل الذي يقدمه المغرب لإشاعة قيم التسامح والعيش المشترك في منطقة معرضة لمخاطر التطرف.
وعلاوة على المسؤولية التي يتولاها جلالة الملك باعتباره سليل الدوحة النبوية الشريفة، وقيما على الإمامة العليا، فإن أمير المؤمنين يجسد هذا الإسلام المستنير القادر على الوقوف سدا منيعا أمام تنامي التطرف الذي بلغ مستوى مقلقا ويعصف بأي جهود للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ووعيا منها بالخطوات التي قطعها المغرب في مجال إصلاح الحقل الديني وكذا بالسلم والاستقرار اللذين تنعم بهما المملكة بفضل دستور طلائعي يقر بالهوية التعددية للمملكة، طلبت العديد من البلدان الإفريقية من المغرب الاستفادة من تجربته الرائدة.
وفي هذا السياق، كانت عدد من البلدان من قبيل مالي وغينيا كوناكري وكوت ديفوار ونيجيريا والغابون وليبيا وتونس، قد قدمت طلبات لتمكين أئمتها من الاستفادة من تكوين بالمغرب حول تعاليم الإسلام الوسطي والمتسامح والنهل من قيم الوسطية والحوار الثقافي واحترام الأديان المشهود للمغرب بريادته فيها.
وتضيف الوكالة أن “الأمر يتعلق بلبنة جديدة تأتي لتعزز مهمة المغرب باعتباره مركزا روحيا لصد المناورات المغرضة الرامية إلى الإلقاء بالشباب في أحضان التطرف، يذكر أن مراكز البحث العالمية المرموقة ما فتئت تؤكد هذه الريادة الدينية للمغرب، واصفة إياه بالنموذج الذي يتعين احتذاؤه في أفق عالم ممنع ضد الأفكار المتطرفة التي تشكل مهد العنف والإرهاب المدمرين”.
“كما تثير القوة الناعمة للمغرب اهتمام القوى العالمية من قبيل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي يأمل في التعاون مع المملكة كشريك لا محيد عنه مؤثر وحكيم وذي إسهام قيم في ردع المتطرفين وبهذه المنطقة الاستراتيجية، وهكذا، ستفرض مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة التي ستشكل مدرسة لمكافحة التطرف نفسها كتجسيد جديد لوجاهة دبلوماسية الملك محمد السادس الرامية إلى ضمان تنمية شاملة للقارة الإفريقية قائمة على الأمن الروحي والتفاهم وقبول الآخر”.




