بقلم سعيد عيسى المعزوزي
الكتابة الساخرة و النقد الذاتي،
قبل الحديث عن سلوكنا الجماعي كسلاويون يعيشون تحت رحمة واو العطف ” وسلا “، أود الـتـنويه إلى أن انتقاد كل ما هو سلاوي قد يأخدك مأخدين اثنين لا ثالت معهما ، أن تكون سلاوي يعرف ثغور السلوك و مسالكها السلاوية أو أن تـوجه نقدك من سدة عالية لا يطالك صهد النار فيها، مشيرا من خلال هذه الحرقة الخانقة أنني فرد من أسرتهم السلاوية العريقة و أملا أن لا نزايد على بعضنا البعض انتماءا أو حظورا أو ربما هجوما و تـنكرا لروح هذا النص النقدي الساخر، مقدما نفسي أنا سعيد ابن عيسى المعزوزي الحصيني، فما إن يتضح الأصل و النسب أتمنى كرما أن نبطل بعض أبجديات العجب.
لا أنكر أنني لم أعـتد تقديم نسبي في سابق كتاباتي النقدية الساخرة ، لكنني أفقه جيدا عقلية باقي إخواني و أسرتي السلاوية الجامعة لعقلية منغلقة إلا على بعضها البعض ” بلا فايدة “، “عقلية البلاد عمرات ” ، لأن سلوك السلاوي القديم الحديث لم يدفع المدينة إلا إلى عالم الإنغلاق و التموقع الفارغ، كما أنني لا أوجه هجوما أو استهزاءا و لكنني أحاول بناء صرح نقدي بناء و الكل أحبتي و الكل يحترم منطق قد البوسة قد القرسة.
الحدث :
و أنت تجوب شوارع المدينة و مقاهيها المختبئة داخل أسوارها البالية، يشدك مظهر الشعبية و النكـتة و الألفة الجامعة لكنها تحت رداء النفاق الإجتماعي المتداول بين عموم السائرين، و حمدا لله أن المدينة محضية بأهلها ” منطق الحضايا “، كما أن جلسة شاي بمقهى ” الكربوز ” و هي ناصبة لكراسيها برصيف من أملاك العموم قد يشعرك و كأنك مسؤول حكومي رفيع المستوى لكثرة تبادلك التحية و باقي المارة : السلام عليكم ، هانية ، ربي يخليك، الله يحفضك ، تبارك الله عليك سيدي كالله عليك مولاي، و هي صيغ ما أكتر تداولها بعدد زفير الأنفس و شهيقها، و بعد خروج الحشد الكبير لكتائب الوضيفة العمومية تجد الكل يأخد مقعده حيث يطلق العنان لحوارات و عنتريات تشعرك و كأنك تعيش بين قادة الجهاد البحري أو عضماء القراصنة السلاويون و صبر جميل لعل نصيب ما قد يصيبك مما اغتنم الأولون و الله يعطي للذبان العمى … حتى مايشوف هاذ النعمة.
فالكل يفتخر بكونه سلاوي لكن الكل يلعن في قرار نفسه أنه لا يزال يسكن داخل أسوار هذه المدينة التي تفسخ أهلها قبل تفسخ بنيانها العريق، ازدواجية تبررها وضعية المدينة و حالتها العامة.
” أخي هبلوك ” ، حينما يبدأ حديثه عن صيد الأسماك يشعرك أن مدينة سلا تملك أكبر و أضخم مرسى للصيد البحري و أن السلاويون شجعان البحار و أن السلاوي “شبعان حوت” و أن و أن و أن حتى يتصدع رأسك أنينا من كثرة الوش، و ” الزيزون مول الشفنج ” يكرر إقناعك أنه رفض جائزة نوبل في التسفنيج السلاوي، و أما السوق المركزي يقول أنا أنا و عمق المدينة يرحب بك عند جولة صغيرة بسوق ” الحواتين أو باب سبة ” حيث ستجد أعلام الكذب التجاري و البخ المتبادل عملة بين البائع و المشتري و الله ” يجعل الغفلة بينهما “.
لكن السيدة رابعة مقدمة الوالي على ناسوا، تعزف لك كل يوم أنشودة السلاويون الأحرار حديثا عن الرايس احمد الحصيني و بحارته و الرايس وقواق و سيدي احمد بوعمايم هداد كل ظالم و سيدي بن عاشر للي بغا يتعاشر مور العصر و سيدي ابن حسون العمارة و الفنون، فينتابك شعور أن حلم المدينة الأفلاطونية قد تحقق و أنك تـتجول في مدينة صنعت تاريخ و مجد المغرب لكنها ماشي مدينة ” منانة بطبعها ” بل هي رقعة آثرت العيش حويطة حويطة تواضعا لتاريخها “المطموس” على وزن منحوس.
و تجسيدا لواقع آخر يتعلق بمباشرة المصالح الإدارية للمدينة، فإنني أنصحك مسبقا للتعرف عن قرب من نخبة الموظفين و الموظفات عبر استراحتهم المعتادة أو بمقاهي المدينة و أحيانا عند طابور السرديل المقلي، كون أن الكل أضحى يعرف بعضه بعضا و المعرفة باب التـقرب و القربة تذيب المساطير الإدارية و المساطير ما أرخصها عند باعة الأدوات الكـتـبية.
و أما إن كنت وافد جديدا على المدينة فأنصحك قراءة لكتاب ” النافدة ” للأستاذ عبد الرفيع جواهري حيث ستجد مبتغاك في الصفحة 65 عنوانها ” عائلة الحاج ارشيوي ” … اقرأ جيدا و تمعن ثم احفض الدرس و سيسهل تموقعك بين السلاويون أبا من أبا و كره من كره في ضرفية لا تقل عن 90 يوما.
لم أتساءل يوما عن دواعي و مسببات هذا التـناغم السلاوي المنغلق كوني أدرك بعضها مسبقا و هي كالآتي:
السلاويون إذن ، نحن أسر نشكل مجتمعا داخل مجتمع و قويقعة داخل قوقعة أكبر و كيانا داخل أكـنة متـنوعة و الكل ” كا يلغي بلغاه ” و الكل يقول ” فولي طياب ” ، فحينما يتحدث السلاوي، أدعوك أن تتمعن جيدا في كلامه و هو يرسم لك شجرة أسرته و أصله و فصله العنـتري و كما لو أنه استـثـناء في وجوده و حضوره و ربما في انتمائه، و ما إن يغوص حديثا عن تاريخ المدينة قد يشعرك و كأنك داخل حدود إقليمية خاصة أو نخبوية لا مثيل لها و كأنك ” احميدة جا ” من الغرب فقط ليقدم الطاس للناس، هو يستدل بالسياسي السابق فلان و القائد الحركي فرتلان و الزعيم القرصاني السلاوي علان لكنه يجهل سهوا و انحذارا أنه نكرة الوقت الحاضر و أن حضوره في أصله غياب بين هذه الأسماء التي أضحت في منضورنا شخصيات أزلية لا تحس لها ركزا، ، سلا و فاس وجهان لعملة واحدة و الله يحد الباس وقد سبق القول عليهما : سلا أهلا بلا و فاس قلوب النحاس، رحم الله قائل المقولتين.
فأين أنتي محبوبتي سلا و كيف صرتي يا مدينة تصارع إرث العطف بوضع الواو…
كل منا يعشق مدينته من شمال المغرب إلى جنوبه و أحينا يمتد عشقنا لمدن لا نسكنها أو لا نستطيع السكن إليها، لكنك قد لا تدرك يقينا أنك ابن سلا تاريخا و مجدا غابرا لما قدمته عبر عقود فارطة، فقد تكون طانجاوي أو ريفي أو صحراوي و ربما كازاوي أو أطلسي لكن المدينة السلاوية الحمقة كانت سبب معافاتك من الجنون، جنون عظمة تأرجح عزوفا عن قراءة التاريخ و أحدات الساعة، كما أنني أدعوك و أنت تتحسس كلماتي هذه لنتذكر معا بعودتنا لقراءة التاريخ السياسي و الإقتصادي و الديني للمدينة و مغربها الكبير، لتتأكد صدقا أنها مدينة قـتل عضمتها سكانها الأصليون إخوتي و أبناء عمومتي.
لقد ماتت مدينة سلا ليحيى الآخرون و استشهدت و هي حية مختصمة مع مرقدها لتصالحك أيها المتدبر لمعان الكلام، كما أنني لن أغدق حديثا عن حالها بقدر ما يهمني سلوك أهلها و عنترياتهم الكلامية التي ما قـتـلت ” ذبانة “.
الكل يدعي الشرف لكن ادعاء الشرف وشاية كاذبة و انـتحال لصفة حددها سلوك الطيـبـين أولئك من سبقونا إلى معاني الشرف الخالدة فمن يا ترى يستطيع اللحاق بهم.
كلنا يهرول إلى الصفوف الأولى للاستماع لخطب الجمعة من كل أسبوع و كلها تنهى عن السرقة و الكذب و الظلم و مع ذلك ما ازداد اللصوص إلا كثرة في المدينة و ما ازدادت مظاهر البخ و الإفتخار بالوشم الملعون إلا اتساعا و ما ازداد الظلم و استعراض العضلات و أصوات الحلوف المذعور إلا تغولا في سلوك شباب المدينة رجالا و نساء و تحولت اللصوصية من جريمة مخجلة و مخزية إلى حنكة و حرفة و ذكاء.
شيء جميل أن يصطف بشوارعنا احبيبي داوليز و عمي ماكدونالد و خالتي مارينا و موكب الخضوع ترامواي الحل السريع و يتبعهم تـتويجا موسم الأولياء المصلحين موازين و أبناء عمومتهم، لكنني كم تطلعت بعد عودتي من بلاد المهجر، أن أجد ساكنة المدينة تـتمتع بالصحة و الأمن و الأمان و حق العيش بعدالة إجتماعية ترضي الحاكم و المحكوم : مستشفى و مدرسة نترحم على أساتذتها بعد أداء رسالتهم عكس نتانتهم المطروحة في سلوك الشباب و لا ننسى حلما عاجلا غير آجل بموظف مصلحة إدارية يشعرك بأنك إنسان و الله يعطينا على قد نيتـنا، و رحم الله من قال لي : يوم ذهابي للإدارة الجهوية أحس بيوم الفزع الأكبر في الدنيا قبل الآخرة.
هل الديموقراطية و مفهوم التحضر إرث لم يصل السلاويون بعد إلى سن الرشد السياسي لكي يتمكنوا جميعا من نيله ؟… ربما !
و لكم أرقـني سلوك عائلتي الحصينية و هي لا تقل تشابها عن بعض العائلات السلاوية العريقة ” البخ و النخوة و الطنز بشريب القهوى ” و الكل يتساءل لماذا باتت المدينة تائهة في عطائها و الكل يردد ” تبا لسلا كاتعطي غير للبراني” .
و أضن همسا بسخرية أن المدينة لم يصبها التيه بعد، بل تاه أهلها حيث لم تجد خيرا فيهم إلا تحت أقدام الوافد الجديد، هي خلطة صنعت التجانس بلا تآلف و لكنها قد تعيد رسم معالم التحضر و مرحبا باللي جا وجاب.




