عبد اللطيف مجدوب
أفظع إنسان على وجه الأرض هو من لا يملك ما يخسره !
ينطوي هذا العنوان الأخير على مفاتيح معرفية ذات دلالة سوسيواقتصادية عميقة ؛ تحكم علاقة الفرد ، وانتماءه إلى مجتمع معين . ماذا منحه هذا المجتمع من حقوق ، حتى ينخرط ضمن وحدات تنميته ؟ ماذا عن المواطن المفلس .. ماذا عن مواطن وجد نفسه عاطلا أو معطلا .. ماذا عن مواطن قتلوا أبويه أمام ناظريه ؟ ماذا ؛ ماذا ؛ ماذا ؛ ماذا …
أسئلة حارقة
المواطن المفلس ؛ كل من صودرت منه حقوقه ، واستنفذت لديه كل الوسائل المشروعة لاستعادتها ، فلا يراها إلا تزداد بعدا .. وقد يعمق لديه الشعور بهذا الإفلاس إلى درجة تقتل فيه روح المواطنة ؛ والتي هي بمثابة الآجر الذي يشد بنية الوطن بعضه إلى بعض ، وهي أخطر درجات الإفلاس التي تجعل ؛ من صاحبها ؛ وسيلة طيعة للهدم والتخريب ، وأحيانا سفك الدماء …
المواطن العاطل : إنها الصدمة الأولى التي يتلقاها الشاب ؛ في مساره الدراسي ؛ حينما يجد نفسه ؛ في نهاية المطاف ؛ عاطلا ، كثمرة سنوات الكد ، والتقشف ، والنفس الطويل ، والعيش بالتقسيط .. مثل أي مواطن آخر ؛ كان يشتغل ، وفجأة ؛ ولسبب ما ؛ توقف به الركب ليقذف به إلى قارعة الطريق ، مجردا من كل غال ونفيس !
ماذا عن إنسان قتلوا أبويه أمام ناظريه ؛ تنتشر مثل هذه الحالة وأشباهها في الدول التي مازالت أراضيها مغتصبة ، ومصادرة من طرف قوى استعمارية غاشمة ؛ يعيش أبناؤها في ظل آلات البطش والقمع ، والتصفيات الجسدية ؛ مثل فلسطين ومن بعدها ؛ مؤخرا ؛ مواطنون تقطعت بهم السبل في أجزاء هامة من الوطن العربي ، فيتحول معظمهم إلى ألغام قابلة للانفجار في كل زمان ومكان ، وفي وجه أي كان شأنه .. !
ماذا عن إنسان وجد الإرهاب دماغه خصبا لزرعه بالمتفجرات ؛ هذا النوع من البشر ، يعد بحق أخطر الحالات التي يتواجد عليها أي إنسان ( ينعدم لديه أقل وأبسط رصيد في الأمل والحياة ) ، فيتحول إلى فريسة سائغة بيد الجماعات ، والتنظيمات المتطرفة والإرهابية ، للإيقاع به ، واتخاذه قنبلة راجمة في وجه “الكفرة” ؛ كما تنص عليه تعاليمهم وأراجيفهم في استحلال دماء الأبرياء !
مهاوي الانزلاقات
من المؤكد ؛ حتما ؛ أن نماذج مثل هذه الحالات ، وحينما توصد أبواب الأمل في وجوه أصحابها ؛ ولو الرجاء في الله ، وبعقيدة راسخة ؛ يركنون إلى اليأس ، ومن ثم يحتجبون عن رؤية الواقع ؛ عبر عوالم مظلمة ؛ كتعاطيهم للمخدرات بمختلف أصنافها ، وما يستتبعها أحيانا من طرق عالم الجريمة ، أو الانتقام لنفسه من عالم افتراضي أو واقعي ؛ سلب له كل أحلامه ، فصمم على أن يستردها ؛ ولو بطرق موغلة في البشاعة والدموية ؛ حتى ولو كان يعيش في كنف عائلته !
على أن هناك حالات أخرى ذات اتجاهات ونزعات دينية متطرفة ، وبمرجعيات أشخاص/أمراء ، أو جماعات تكفيرية منتشرة ؛ بصورة خاصة ؛ في مناطق افريقية وشرق أوسطية ، كجماعات بوكوحرام ؛ وجند الله ؛ والنصرة ؛ وتنظيمات على شاكلتي القاعدة وداعش .. مثل هذه التنظيمات ؛ لا سيما منها هاتين الأخيرتين ؛ تستقطب شبانا ممن وقعوا فريسة اليأس والضياع ، والفراغ الروحي ؛ في أنحاء العالم ؛ وعلى امتداد خريطة الوطن العربي ؛ لاستخدامهم حطبا لنيرانهم ، فيما تخوضه من اعتداءات مسلحة ، وعمليات انتحارية ؛ بعد أن تخضعهم لإجراءات غسل الدماغ ؛ وشحنه برؤى وصور من عوالم غيبية ، يقترن فيها الجهاد بالجنة …
ظاهرة المتفجرين الانتحاريين المسلمين Muslim suicide bombers
كم هي الصدمات التي تلقاها الإسلام والمسلمون ، جراء الصور الدموية التي ما فتئت تتكرر ؛ بشكل شبه يومي ؛ وتتبادلها وسائل الميديا في كل بقاع العالم ؟! .. وقد يأخذ الذهول أي مشاهد ؛ بغض الطرف عن عقيدته ، ومذهبه ، وتوجهاته ؛ وهو يشاهد آثار وبصمات عمليات انتحارية ، يروح ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ .. إما داخل سوق للتبضع أو فندق سياحي ، أو على متن طائرة تعتزم الإقلاع ، أو داخل مسجد عامر !
إن جميع الشرائع ؛ وضعية كانت أو سماوية بما فيها الإسلام ؛ تجمع على إدانتها لاقتراف مثل هذه الأفعال الوحشية والإجرامية . فأي رد فعل ؛ يمكن أن يصدر عن شخص ؛ ينوي الدخول إلى الإسلام واعتناق تعاليمه ، وهو يوميا ، يصطدم بمثل هذه الصور البشعة ؟ طبعا ستحمله على النفور من الإسلام وتبعاته ، ورما كونت لديه “عقدة ” كراهية الإسلام والمسلمين أو الإسلاموفوبيا Islamophobia
المتفجر الانتحاري المسلم تحت الضوء
ماذا يمتلك هذا الانتحاري ؛ إذا وضعناه تحت الأضواء الكاشفة ؟ إن هناك ؛ من الحالات ؛ التي يختار فيها الانتحاري الوضعيات التي تتشوف إليها نفسه للرحيل عبرها إلى عوالم أخرى ؛ كأن تنطبع في ذاكرته ، وتملأ عليه حواسه صورته وهو يخطو وسط مروج وحدائق غناء ، تحفه ملائكة في هيئة صبايا من الحور العين …الخ من الصور العديدة التي تراكمت في مخيلته ؛ منذ أن بدأ ولعه بقراءات طافحة بمآل ” الاستشهاديين ” ، وما ينتظرهم من نعيم في الدار الآخرة … هذا عدا أحاديث وتعليمات شيوخ هذه التيارات ، إلى جانب الصيت والذكر الحسن الذي خلفه انتحاريون سابقون . لكن يجب القول بأن نظرات كثير من ” الفقهاء ” وٌجدت لصيقة بتأويل وتفسير آيات قرآنية وأحاديث نبوية عديدة حول فعل ” القتال ” ، جنحت بأصحابها إلى مستوى التشدد ، والغلو في الأحكام ؛ خاصة عند توظيفها داخل هيئة أو تنظيم أو معسكر ، له حسابات عدائية تجاه آخرين ؛ كما عليه الحال في أجنحة عسكرية بكل من إيران ؛ وحزب الله ؛ والقاعدة ؛ وداعش ؛ وبوكوحرام ؛ وحماس .
وأخطر ما في الأمر !
وأخطر ما في الأمر أن هذه التنظيمات والجماعات ، تتهافت على استقطاب النساء من مختلف أنحاء العالم ؛ لتستعين بهن ؛ في رفع نسب الولادات ” والديموغرافيا القتالية ” ، وتنشئة الأطفال ؛ ومنذ سن مبكرة ؛ على فنون معاداة الآخر ، وشحن عقولهم ” بتمائم الاستشهاد ” وما ينتظر صاحبه في دار النعيم جوار ” النبيئين والصديقين والشهداء ، مع ذويهم وأفراد عائلاتهم ” ، فيشب هذا الطفل ؛ متشبعا بهذه العقيدة ، والروح القتالية ، لينضج فيما بعد ويكون جاهزا عند سن الخامسة عشرة أو ما دون ذلك ، وقد أصبح لغما مفتوح الانفجار ، كلما فتحوا أمامه لائحة الملتحقين بالحور العين !!




