د. محمد ناجي
ما زلت أذكر حكاية ذات دلالات عميقة وبعيدة في فهم الأجداد للأحوال النفسية والمخبآت اللاشعورية لمخاطِبيهم ؛ مما أصبح يعرف في علم النفس بكشوفات فلتات اللسان أو الأقلام..
فقد أثبت علم النفس أن أي تصرف يأتيه الإنسان غير طبيعي؛ مهما بدا عاديا أو متداولا، إلا وله مسببات أو دوافع نفسية لا شعورية تكون هي المسؤولة عن ذلك التصرف أو السلوك غير المعتاد ؛ سواء كان قولا أو كتابة أو رسما أو نسيانا مؤقتا، أو عجزا عن تذكر بعض الأمور أو بعض الأسماء أو بعض الأماكن أو بعض الوجوه… إلى غير ذلك مما هو معلوم ومتداول بين الدارسين.. ولذلك يرى فرويد أن فلتات القلم، أو اللسان، أو القراءة المصحفة (أي التي تصحف الكلمة ، كأن يقرأ الجائع كلمة الخبر “الخبز”، أو يقرأ الطالب المحروم من المنحة كلمة المحنة “المنحة” وهكذا أمثلة لا حصر لها..) إنما مصدرها ذلك الضغط الذي يعتمل في السلوك بصفة لا إرادية ، ولذلك فقد قالوا بأن فلتات اللسان تفصح عن الحقائق التي يراد كبتها وإقبارها في أعماق الإنسان، أو أنها تفصح عن الرغبات المخبوءة في النفس الواعية .. وهذه كلها اكتشفتها جداتنا وعبرت عنها في حكاياها الجميلة التي نتذكرها ونستحضرها كلما تلقينا درسا في الوعي واللاوعي، والشعور واللاشعور، والكبت، وزلات اللسان.
تحكي جدتي رحمها أن رجلا متزوجا كانت له علاقة مع امرأة أخرى وكان يرغب في الزواج منها، حيث أخذ يحضر قبل موعد الزفاف الملابس المناسبة من جلباب وسلهام وطربوش وبلغة وغيرها ، مدعيا أنه يحضرها ليوم العيد .. وفي الليلة الموعودة لحفل الزفاف، ادعى أنه مدعو لحفل عند أحد أصدقائه، وطلب منها أن تحضر له الملابس.. فلما نهض لارتدائها لم يجد البلغة معها، فأراد أن ينادي زوجته السعدية لتأتيه بالبلغة، ولكنه بدل أن ينادي “وا السعدية” ، نادى : واهنية” .. فعرفت الزوجة على الفور أنه ذاهب لحفل زفافه بتلك المسماة هنية .
نفس الحكاية يمكن تطبيقها على بوعشرين الذي أخذ منذ مدة يحضر لتزويج نفسه إلى حزب العدالة والتنمية دون أن يجاهر بذلك، فهو يريده زواجا عرفيا ، حتى لا نقول سريا؛.. ولكنه اليوم فضحه قلمه في زلة (مفروشة) خائبة عندما اعتبر أن نبيل بنعبد الله هو أمين عام (حزب العدالة والتنمية) ـ حيث جاء في مطلع مقاله المنشور بجريدته هذا اليوم (الأحد 26 يوليوز) بعنوان :
(بن عبد الله : الانتخابات ستكون نزيهة ولن نسمح بممارسة ما مورس علينا ) :
« تعهد نبيل بن عبد الله ، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن تكون الانتخابات المقبلة نزيهة ….. »
ربما يكون الصحفي توفيق بوعشرين قد فقد السيطرة على تفكيره، فضاع منه الضبط والتمييز.
نبيل بنعبد الله ـ يا صاحب الزلة ـ هو أمين عام حزب آخر، اسمه الحالي (حزب التقدم والاشتراكية).. يمكنك أن تسأل عنه صناديد السياسة في بلادنا، وأرباب الصحافة المغربية العريقة الضابطين الأثبات، ليخبروك عن تاريخه وأمنائه من المرحوم علي يعتة، إلى أمينه الحالي الرجل النبيل ، نبيل بنعبد الله ، وعن جريدتيه بيان اليوم بالعربية والفرنسية، وعن مناضليه عندما كان هذا الحزب يعتبر حزب النخبة المثقفة في المغرب.. حيث كان نصف مناضليه تقريبا من حاملي الشهادات ما فوق الباكالويا، وما إلى ذلك مما ستسد به ثغرتك المعرفية التي كشف عنها قلمك هذا اليوم، أو تفصح به عن رغبتك الدفينة التي فاضت وطفت على السطح رغم كل محاولاتك لكبتها وبقائها طي الكتمان ..
ولماذا كل هذا التستر والتخفي، الذي قد يورثك مرض انفصام الشخصية، ويجعلك من زعماء النفاق السياسي الكبار، مع أنه بإمكانك أن تواجه الناس بالحقيقة، وتحتج عليهم بأنه لا يحق لهم أن (( يُـحَـرِّموا عليك ما أحلته السياسة لغيرك )) ، وسترتاح وتريح قراءك، إن كان بقي لك قراء ..
ملحوظة: قام توفيق بوعشرين بتصحيح تلك الزلة بعد الساعة الثانية من صباح يوم الاثنين 27 يوليوز؛ أي بعد أكثر من أربع ساعات على نشر المقال..
المثير أن بوعشرين لم يعتذر عن تلك الزلة الكارثية بعد تصحيحها، لم يعتذر لا لقرائه، ولا لحزب التقدم والاشتراكية ولا لحزب العدالة ولا لنبيل بنعبد الله..




