حقيبة السفر…

نظرت من شرفة مقعد الجلوس. السماء رمادية و حزينة. فمن سيسليها بعد أن هاجرت العصافير؟ من سيغني و يرقص لها؟ فمن حق السماء أن تشعر بالحزن فراقا على العصافير التي كانت تناجيها و تؤنسها. فكرت كم الانسان قاس و تافه. و كم السماء رحيمة. فهو ليس لديه وقت لينظر إليها. يتركها لحزنها و وحدتها. و هي تبكي مطرا يطهره و يسقيه.
هي الأخرى سترحل غدا. ستترك شرفتها و بيتها الدافئ. شعرت بغصة و مغص في أعماقها. ستفتقد موسيقاها الصاخبة و أصوات الجيران و صخب الأطفال. ستفتقد فنجان قهوتها الفرنسي المنحوت عليه كلمة « bistro » . ستفتقد مطبخها الصغير. ستفتقد كتبها المسلية. ستفتقد لوحاتها المعلقة على الجدران. ستفتقد ألبوم صورها. فكرت لربما ترتبط بأشياء تافهة بلا قيمة و لا معنى. لربما يوجد نوعين من البشر. إنسان يصنع الذكريات و أخر تسكنه الذكريات. هي إنسانة استعمرتها الذكريات.
و هي ترتب حقيبة السفر، كادت أن تضع كل دولاب ملابسها في الحقيبة. فساتين للشتاء. فساتين الصيف. فستانين سهرة. بنطلون جينز. سراويل كلاسيكية. بذلتين رياضيتين. حذاء رياضي. حذاء طويل بني من الجلد الناعم بكعب عالي. حقيبة ماكياج. عطورها الباريسية. إكسسوارتها و مجوهراتها… احتارت أي قطع تختار. كمن يطلب منها أن تختار بين ذكرياتها.
حاولت حمل حقيبتها. كانت ثقيلة جدا فلم تقو على حملها. فهمت لم هي حزينة على الدوام. لم تستطع يدها الناعمة حمل حقيبتها المثقلة بأشيائها فكيف لعقلها الصغير و قلبها المرهف أن يحملا أفراح و أوجاع أيامها؟
بعثرت حقيبتها. قررت ألا تصحب معها إلى باريس إلا ما لا يمكنها الاستغناء عنه. وقعت عيناها على فستان سهرة أسود. أخذت تلمسه بحنان و تعبث بقطع الدانتيل فيه. تذكرت يوم لقائها به. كانت جالسة في مطعم كلاسيكي تنتظر صديقها. تتمايل على نغمات أغنية فرنسية لإيديت بياف “تعالى يا ميلور”. تقدم نحوها بهدوء و انحنى يقبل يدها كمن يعرفها منذ زمن. همس لها :”سيدتي، لا يستحقك من يتركك تنتظرين”.
ضغط بقوة على راحة يدها. لم يكن يدعوها لترقص. تقريبا كان يأمرها. نهضت. بين طاولات المطعم رقصا. ضمها بحنان و بقوة إليه. كأنه يخاف أن تهرب منه. نسيت تماما أنهما في مطعم و أن عيون الزبائن تنظر إليهما. في الرقصة الأولى أخذ قبلة. في الثانية أخذ قلبها. أما الثالثة فما زالت تنتظر أن يواعدها. تذكرت ما قاله لها في بداية لقائهما. حتما هو لا يستحقها لأنه تركها تنتظر الرقصة الثالثة منذ أشهر. إنه حتى لم يتصل. لم يبعث و لو برسالة قصيرة. و لكنها لم تستطع أن تنساه و لم تستطع أن تكرهه. حمقاء من تكره رجلا أسعدها و لو لجزء من الثانية. نظرت بحنين إلى الفستان الأسود. كان مرسال غرامهما. هو يداعب فستانها و لكنه في الأصل كان يعبث بأوتار أحاسيسها. و هي عندما تعمدت أن تتمايل لتترك فستانها يلمس فخذيه. قبلها.
لم يبق لها من ذكرى غرامها إلا الفستان الأسود. تمنت لو استطاعت أن تمزقه. حينها سيبقى لها سراب ذكرى. هي أضعف من أن تمزقه و أقوى من أن تحتفظ به. قررت أن تمنحه. قد يكون شاهدا على قصة جديدة مع عاشقين غيرها. قررت أن تشتري من باريس فستان أسود جديد بلا ذكرى.
نظرت إلى فساتينها و أغراضها المبعثرة. كل قطعة تذكرها بحكاية. عيد ميلاد. فرحة عيد. خيانة. لقطة. نكبة صداقة. ظرف طارئ. مزحة ثقيلة. عبارة جارحة. جلسات صداقة. وضع محبط. إحساس باليأس. ابتسامة عابرة…
نظرت إلى حقيبة سفرها الفارغة بارتياح . أخذت جواز سفرها و تذكرة الطيارة و بطاقتها البنكية الدولية و بعض أوراق النقود. وضعتهم في حقيبة يده الصغيرة. و انطلقت في اتجاه المطار. لقد أخذت قرارها. ستسافر بلا حقيبة سفر.
أمل مسعود


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني