صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة

 

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

لم تعد المفاوضات مع واشنطن مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية الإيرانية، بل تحولت إلى ساحة صراع على النفوذ داخل هرم الحكم. فالتجاذبات بين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومحسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، تكشف عن معضلة تتجاوز الخلاف حول إدارة المفاوضات إلى سؤال أكثر خطورة: من يمتلك القرار الفعلي في طهران، ومن يملك حق التحدث باسم النظام أمام العالم؟

تأتي هذه التطورات في مرحلة يواجه فيها النظام الإيراني ضغوطا عسكرية واقتصادية متزايدة، وتحديات تتعلق بمستقبل نفوذه الإقليمي وقدرته على إعادة بناء أدوات الردع. وفي مثل هذه الظروف، يفترض أن تتجه مؤسسات الحكم نحو توحيد القرار، غير أن التسريبات المتضاربة بشأن إدارة الملف الأمريكي توحي باستمرار التنافس بين مراكز القوى.

تتمثل أبرز ملامح الأزمة في التقارير التي تحدثت عن نقل إدارة المفاوضات من الدائرة المرتبطة بقاليباف إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بقيادة رضائي.

ورغم التصريحات الرسمية التي أكدت استمرار قاليباف في رئاسة الوفد المفاوض، فإن الحديث عن إعادة الملف إلى مجلس الأمن القومي، وحل اللجنة الإعلامية المرتبطة برئيس البرلمان، أثار تساؤلات بشأن حدود صلاحياته الفعلية.

ولا تكمن أهمية هذه التطورات في هوية المسؤول الذي يجلس إلى طاولة المفاوضات فحسب، بل في الجهة التي تحدد الخطوط الحمراء، وتقرر التنازلات الممكنة، وتتحمل المسؤولية السياسية عن نتائج أي اتفاق أو إخفاق.

ففي الأنظمة التي تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع مراكز النفوذ الأمنية والعسكرية، يصبح التحكم في الملفات الاستراتيجية مصدرا أساسيا للقوة داخل السلطة.

أضافت التقارير المتعلقة برسالة من نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى محسن رضائي بعدا جديدا إلى هذه التجاذبات.

فإذا صحت المعلومات المتداولة بشأن المراسلة، فإن أهميتها لا تنحصر في مضمونها الدبلوماسي، الذي لم تتضح تفاصيله، بل تمتد إلى الإشارات السياسية التي قد تستخلصها الأطراف المتنافسة في طهران بشأن الجهة التي تتعامل معها واشنطن.

وفي هذا السياق، اكتسبت التقارير عن غياب قاليباف عن اجتماع إقليمي استضافه رضائي أهمية إضافية، باعتبارها مؤشرا محتملا على إعادة توزيع الأدوار في إدارة العلاقات الخارجية.

لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات انتقال كامل للصلاحيات، خصوصا في ظل تضارب الروايات الرسمية والإعلامية.

تتجاوز هذه الخلافات شخصيتي قاليباف ورضائي لتلامس طبيعة المرحلة التي أعقبت انتقال القيادة إلى مجتبى خامنئي.

فالقيادة الجديدة، بحسب المعطيات الواردة في التقارير، تواجه تحدي إعادة تنظيم مراكز النفوذ داخل منظومة تتوزع فيها الصلاحيات بين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية.

ومن هنا، يمكن فهم التغييرات المقترحة في مجلس الأمن القومي باعتبارها محاولة لإعادة ضبط آليات اتخاذ القرار، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن صعوبة تحقيق توافق مستقر بين الأجنحة المتنافسة.

وكلما ازدادت حساسية القرارات المتعلقة بالحرب والتفاوض والعقوبات، ارتفعت قيمة السيطرة على المؤسسات التي تصوغ هذه القرارات وتنفذها.

تواجه طهران معادلة معقدة: فالمضي في التصعيد يحمل مخاطر عسكرية واقتصادية، بينما قد تفرض التسوية مع واشنطن تنازلات تثير خلافات داخل مراكز السلطة.

ويزيد تراجع بعض أوراق النفوذ الإقليمي، كما تصفه التقارير، من صعوبة هذه المعادلة.

أما التلويح بالقدرات الصاروخية أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، فقد يستخدم لتعزيز الموقف التفاوضي، لكنه ينطوي أيضا على مخاطر توسيع المواجهة ورفع تكلفتها.

وهكذا تصبح السياسة الخارجية امتدادا للصراع الداخلي: فكل جناح يسعى إلى التأثير في القرار الاستراتيجي، وتحديد حدود التسوية، وتجنب تحمل مسؤولية نتائجها السلبية.

إن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كان قاليباف سيتراجع لمصلحة رضائي، بل بما إذا كانت بنية الحكم قادرة على إنتاج قرار موحد في مواجهة تحديات متزامنة.

فالتنافس على إدارة المفاوضات يعكس، في جوهره، صراعا على توزيع السلطة والمسؤولية داخل النظام.

والمفارقة أن النظام الذي يحتاج إلى مركز قرار واضح للتعامل مع أزماته الخارجية يجد نفسه منشغلا بإعادة تحديد من يملك هذا القرار في الداخل.

وإذا استمرت ازدواجية الصلاحيات وتضارب الرسائل، فقد تتعقد قدرة طهران على إدارة التفاوض وتقديم التزامات واضحة للأطراف المقابلة.

وفي المحصلة، فإن أزمة المفاوضات تكشف عن اختبار مؤسسي وسياسي يتجاوز مصير المسؤولين المتنافسين. فالمشكلة ليست مجرد تغيير أسماء على رأس المؤسسات، بل قدرة منظومة الحكم على تجاوز صراعات النفوذ وصياغة استراتيجية متماسكة في مرحلة تضيق فيها الخيارات وتتزايد فيها كلفة القرارات.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني