بقلم : عبد الحكيم العياط
ونحن نستحضر اليوم الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، تجد قضية الصحراء المغربية نفسها أمام منعطف تاريخي جديد، بعد انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة المينورسو في 31 أكتوبر 2026، إثر فشل مجلس الأمن في التوافق على تمديد مهمتها. وهو تطور يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل نزاع عمر لأكثر من نصف قرن، وما إذا كانت المنطقة المغاربية تتجه نحو مواجهة عسكرية جديدة، أم أن بلوغ الأزمة عنق الزجاجة وانسداد أفق الحلول التقليدية قد يشكلان، على نحو مفارق، مدخلا لاختراق دبلوماسي تاريخي ينهي عقودا من العداء بين المغرب والجزائر.
إن نهاية مهمة المينورسو لا تعني بالضرورة نهاية النزاع أو اندلاع الحرب، لكنها تضع الأطراف أمام واقع مختلف، خصوصا في ظل التحولات التي عرفتها موازين القوى الإقليمية والدولية، وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. كما أن غياب المراقبين الأمميين قد يزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري وسوء التقدير، في منطقة لم تستعد هدوءها الكامل منذ أحداث الكركرات سنة 2020.
وإذا كان سيناريو العودة إلى الحرب مطروحا، فإن المواجهة المقبلة، إن وقعت، لن تكون بالضرورة نسخة من حرب السبعينيات والثمانينيات. فقد تغيرت طبيعة الحروب جذريا مع انتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والحرب الإلكترونية. وهو ما يثير تساؤلا مقلقا حول احتمال انتقال العمليات من المناطق الصحراوية إلى العمق المغربي، وإمكانية تعرض مدن كبرى كالرباط والدار البيضاء لتهديدات غير تقليدية. ورغم غياب معطيات موثوقة تثبت امتلاك البوليساريو حاليا قدرات عملياتية تسمح بتنفيذ مثل هذه الهجمات، فإن استشراف المخاطر يظل ضرورة استراتيجية، خاصة بالنسبة لدولة تستعد لاحتضان كأس العالم 2030.
أما الجزائر، باعتبارها الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو، فتجد نفسها بدورها أمام خيارات معقدة. فاستمرار الدعم السياسي والعسكري شيء، والانخراط في مواجهة مباشرة مع المغرب شيء آخر تماما. ذلك أن حربا بين البلدين ستكون باهظة الكلفة عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، وقد تهدد استقرار المنطقة برمتها، فضلا عن انعكاساتها على الاستثمارات والسياحة والمالية العمومية ومستقبل التنمية. كما أن أي تصعيد واسع سيضع القوى الدولية أمام اختبار صعب في تدبير التوازنات الإقليمية.
غير أن القراءة السياسية لا ينبغي أن تختزل المستقبل في سيناريو الحرب وحده. فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى، عندما تبلغ مستويات متقدمة من الانسداد، قد تتحول إلى فرص لإعادة ترتيب العلاقات بين الخصوم. ولعل وصول ملف الصحراء إلى عنق الزجاجة، بعد عقود من المفاوضات المتعثرة والقطيعة الدبلوماسية والتنافس العسكري، قد يدفع المغرب والجزائر إلى مراجعة حساباتهما الاستراتيجية، خصوصا إذا أدرك الطرفان أن استمرار النزاع أصبح أكثر كلفة من تسويته.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو مستحيلا تصور اختراق تاريخي تساهم فيه وساطة دولية، خاصة أمريكية، في تقريب المواقف وفتح مسار تفاوضي جديد، قد ينتهي بتسوية سياسية لقضية الصحراء، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط والجزائر، وفتح الحدود البرية المغلقة منذ سنة 1994، وصولا إلى تطبيع شامل للعلاقات وإرساء سلام دائم بين البلدين. وهو سيناريو تظل أمامه عقبات سياسية عميقة، لكنه يستحق أن يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به فرضيات التصعيد العسكري.
فالمغرب والجزائر لا يجمعهما الجوار الجغرافي وحده، بل تاريخ مشترك وروابط إنسانية وثقافية واقتصادية عميقة. وقد أثبتت عقود القطيعة أن استمرار التوتر لم يحقق الاندماج المغاربي المنشود، بل ساهم في تعطيل فرص تنموية هائلة، في وقت تتجه فيه التكتلات الإقليمية عبر العالم نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.
إن المنطقة المغاربية تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، بين احتمال الانزلاق نحو حرب استنزاف حديثة قد تتجاوز حدود الصحراء، وبين إمكانية تحويل الانسداد السياسي إلى لحظة تأسيسية لمصالحة تاريخية تعيد رسم مستقبل شمال إفريقيا.
ولعل المفارقة أن نهاية المينورسو، التي قد تبدو في ظاهرها مؤشرا على تعمق الأزمة، يمكن أن تتحول إلى عامل يدفع الأطراف نحو تسوية طال انتظارها، إذا توفرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية الضرورية.
فهل تكون الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء بداية مرحلة جديدة من المواجهة، أم أن المنطقة تقف على أعتاب لحظة تاريخية تتحول فيها عقود الخصومة بين المغرب والجزائر إلى سلام وتطبيع وتكامل مغاربي؟
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



