عبده حقي
أكتب مقالي هذا لأنني أرى في تكرار المطالب الثقافية من ولاية إلى أخرى دليلًا على تعثر الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ. فمنذ سنوات نطرح الأسئلة نفسها حول ضعف توزيع الكتاب، وقلة المكتبات العمومية، وهشاشة أوضاع المبدعين، والتفاوت بين الجهات. وقد أنجزت الحكومات المتعاقبة مشاريع مهمة، ودعمت النشر والمسرح والموسيقى والفنون، وأقامت معارض ومهرجانات ومنشآت ثقافية. وأرى أن قيمة هذا الرصيد تتوقف اليوم على إدماجه في سياسة عمومية تجعل الثقافة حقًا يوميًا للمواطن وجزءًا من التنمية.
أقيس نجاح هذه السياسة بما يتغير في حياة الناس. هل يجد طفل في قرية مكتبة يرتادها؟ هل يصل الكتاب المغربي إلى قارئ خارج المدن الكبرى؟ هل تستطيع فرقة مسرحية أن تعرض عملها في مدن متعددة؟ وهل يجد الشاب في مدينته قاعة للسينما أو فضاءً للتكوين الفني؟ هذه الأسئلة تضعنا أمام الأثر الفعلي للإنفاق العمومي. فالمكتبة تحتاج إلى كتب وموظفين وأنشطة، والقاعة الثقافية تحتاج إلى برنامج منتظم يبني صلة مستمرة بجمهورها.
وأضع القراءة في مقدمة الأولويات، لأن بناء جمهور للكتاب والفنون يبدأ في المدرسة ويستمر في الجامعة. حين يقضي التلميذ سنواته مع الأدب في الحفظ والاستعداد للامتحان، تضيق فرص اكتشافه للقراءة بوصفها متعة وطريقة لفهم العالم. لذلك أطالب بخطة وطنية تشترك فيها قطاعات الثقافة والتعليم والإعلام والجماعات الترابية، وتترجم إلى مكتبات مدرسية نشطة، ومكتبات عمومية في القرى والأحياء الهامشية، وحافلات كتب، وميزانيات سنوية للاقتناء، وأنشطة منتظمة للأطفال والشباب. وبقدر ما تتسع فرص القراءة، تتسع قاعدة القراء التي يحتاج إليها الكتاب المغربي.
وأرى أن دعم الكتاب يقتضي العناية بمساره كاملًا، من النشر إلى وصوله إلى القارئ. فكثير من الإصدارات التي نحتفي بها يصعب العثور عليها بسبب ضعف التوزيع. وأدعو إلى ربط دعم النشر بالتوزيع والاقتناء العمومي لفائدة المكتبات، وإلى توسيع فرص الترجمة والرقمنة والترويج خارج المغرب. ويمكن لفهرس وطني محدّث أن يعرّف القارئ بالإصدارات الجديدة ويدلّه على أماكن الحصول عليها. وبذلك يصبح وصول الكتاب إلى الجمهور جزءًا من مسؤولية الجهات التي تموّل نشره.
ويمتد هذا المبدأ إلى الدعم الثقافي عمومًا. أريد معايير اختيار معلنة ومفهومة، وتقييمًا بعد تنفيذ المشاريع، ونتائج تتيح للمواطن معرفة ما تحقق بالمال العمومي. وأطالب كذلك بشروط مهنية تحفظ استقلال الكاتب والفنان، وتضمن حقوق المؤلف والملكية الفكرية، وتواجه القرصنة، وتوفر حماية اجتماعية ملائمة لطبيعة العمل الثقافي. فالكرامة المهنية للمبدع جزء من بناء اقتصاد ثقافي قادر على الاستمرار. وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن ربط تطوير الصناعات الثقافية بضمان هذه الحقوق وتحسين شروط الاستثمار فيها.
وفي المسرح، أرى أن الأولوية هي إطالة عمر العرض بعد إنتاجه. ويتطلب ذلك شبكة قاعات تستقبل الفرق وتتيح لها التنقل، وبرمجة منتظمة، وتربية فنية تبدأ في المدرسة وتمتد إلى الجامعة. وفي السينما، أقدّر ما تحقق في الإنتاج وجذب التصوير، وأقيس أثره على الجمهور بقدرته على مشاهدة الأفلام في مدينته. لذلك أرى أن تجهيز القاعات ينبغي أن يقترن بتمويل تشغيلها، واستمرار عروضها، وقياس قدرتها على استقطاب الجمهور. بهذه الشروط يمكن للاستثمار في الإنتاج أن ينعكس على الحياة الثقافية اليومية.
أما التراث الموسيقي والفني، فأراه معرفة حية تحملها المجتمعات المحلية وتنقلها بين الأجيال. وتحتاج تعبيرات مثل العيطة والملحون وكناوة وأحواش وأحيدوس إلى تسجيلات موثقة وأرشيفات رقمية متاحة، وإلى إشراك حامليها في تدبيرها ونقلها. ويقودني ذلك إلى سؤال العدالة المجالية. فحق المواطن في الكتاب والمسرح والسينما والتكوين الفني ينبغي أن يجد طريقه إلى المدن الصغيرة والقرى والأحياء البعيدة. وعلى الجهات أن تشارك في تحديد أولوياتها الثقافية بحسب حاجات سكانها وما تختزنه من خبرات وتقاليد.
وتفرض الرقمنة والذكاء الاصطناعي قرارات تمس صميم العمل الثقافي. فطرق تأليف النصوص وترجمتها وتداولها تتغير، وكذلك طرق إنتاج الصور والموسيقى واستعمالها. وأدعو إلى وضع قواعد واضحة لاستخدام أعمال المبدعين وحماية حقوقهم، ورقمنة التراث، وتطوير منصات مغربية للكتاب الصوتي والإلكتروني. ويحتاج هذا العمل إلى تنسيق بين الثقافة والتعليم والإعلام والشباب والسياحة والاقتصاد الرقمي، انسجامًا مع الرؤية التي دعا إليها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لإدماج الثقافة في السياسات العمومية وتطوير المحتوى الرقمي الوطني.
ما أطلبه من الحكومة القادمة هو برنامج تنفيذي يحدد ما ستشرع فيه في السنة الأولى، وما ستنجزه بحلول السنة الثالثة، وما ستتركه عند نهاية الولاية. وأريد أن أرى لهذه الأهداف ميزانيات ومسؤوليات واضحة، ومؤشرات تقيس المكتبات التي تعمل بانتظام، والكتب التي تصل إلى القراء، والعروض التي تتنقل بين الجهات، والأعمال التي تُترجم، والمواد التراثية التي تصبح متاحة للعموم. وأريد أن تكشف الحصيلة مدى استفادة الأطفال والشباب وسكان المناطق الأقل حظًا، حتى يعرف المواطن أين تحقق التقدم وأين تعثر التنفيذ.
وأنتظر من السيد الوزير القادم أن يدافع داخل الحكومة عن دور الثقافة باعتبارها استثمارًا في الإنسان ومصدرًا للعمل والإبداع، وعن أثرها في الاقتصاد الرقمي وفي حضور المغرب خارج حدوده. فالتنمية التي نسعى إليها تتعلق أيضًا بقدرة المواطن على القراءة والتفكير النقدي وفهم تعدد مجتمعه. وتستطيع المدرسة والمكتبة والمسرح أن توسع هذه القدرة إذا أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، واستفادت من تمويل مستمر يتيح لها بناء جمهورها على مدى سنوات.
وأعرف أن ولاية واحدة قد تضيق عن إصلاح ما تراكم خلال عقود. لكن في وسعها أن تؤسس لسياسة تستمر بعدها، إذا حددت أولوياتها وموّلتها وأتاحت للناس متابعة نتائجها. وسيكون أقرب اختبار لهذه السياسة أن يلمس أثرها قارئ يبحث عن كتاب، أو طفل يدخل مكتبة للمرة الأولى، أو مؤلف يتقاضى حقه، أو فرقة تجد جمهورًا في مدينة جديدة.
لهذا أريد أن أرى مكانة الثقافة في الميزانية والمدرسة والقرية، وفي دخل المبدع، وفي قاعة تستقبل جمهورها بانتظام، وفي كتاب مغربي يجد طريقه إلى قارئ داخل البلاد وخارجها. وعند نهاية الولاية، أريد أن نقيس حصيلتها بما صار في متناول الناس، وبما اكتسبوه من فرص للمعرفة والإبداع والمشاركة في الحياة الثقافية.




