السجن مؤسسة لإعادة التأهيل الاجتماعي أم التأهيل الإجرامي!

عبد اللطيف مجدوب

واقعة جد فاضحة

( بطلها شخص بدين وبوجه كله ندوب في عقده الرابع ، لم يسبق له أن عرف المدرسة )

يحدث هذا بمدينة فاس ؛ داخل أحد السجون المكتظة ؛ عندما روع سجين يدعى “الحلوف” المحيطين به من سجناء ، وبزناسا ، ومراقبين .. فهدد بتصفية عائلات وأقارب بعضهم من المنافسين له في التبزنيس.. مما حدا بالإدارة بالتدخل في “مسعى” منها لتهدئة الأجواء ، بينما صاحبنا الحلوف استشاط غضبا ، وكال أقذع العبارات لكل من حاول الاقتراب منه ، وأصر على ألا يفاتح أي مسؤول في موضوع المصالحة إلا بحضور “الصحافة” ، ومحاميه “له محاميان” ، وزاد بغلظة ومكابرة : { … بلاصتي هي هذي لجالس فيها .. هي مملكتي … أومن غيرها مملكة ديال الملك … واش عارفين آشكانقول ليكم …؟؟ …أوبغيتو تزيدو تعرفو كتر من هاذشي ؟ .. راه كل واحد خدام فهذا الحبس .. دايرلو لخالصا من عندي … من السيمانا للسيمانا .. من الكارديان الكبير حتى الكارديان الصغير … آشنو باغيين مني كتر ..؟ }
وتتناقل ألسنة السجناء أن عنبر “الحلوف” ، عبارة عن زنزانة رحبة مزدانة بأنواع شتى من قنينات الخمور ، وعلب السجائر ، والتيد …الخ ، كما أن جيوبه دوما مليئة بأقراص المخدرات ، يبيعها تحت الطلب وبشروط … ويستطرد أحد المواطنين ممن عاين إحدى غارات “الحلوف” ؛ خارج السجن بأحد أحياء المدينة العتيقة قائلا : ” … بلغ إلى علم “الحلوف” أن حفل زفاف يجري قريبا من حيه ، فجمع رجاله … واقتحم “دار الفرح” ، وأخذ يتجول ببصره على سحنات ووجوه المدعوين ؛ وسط ذهول الجميع ؛ حتى إذا استقر بصره على “العروسة” ، أومأ إلى “كبير مساعديه” باقتيادها وإيداعها داخل سيارته (كاط كاط) المركونة بباب دار العرس … لينطلق بها إلى عرينه في جنح الظلام ؛ ترمقه نظرات هلع ، وهمسات استغراب : ” ..هذا الحلوف ..” … “واش مابقا المخزن فالبلاد ..؟” … ” الحلوف ولا فلبلاصا دلمخزن … !!!

السجن في المغرب مرادف للترويض على الإجرام ؟

كنا قد أكدنا في مقال سابق ؛ بموقع هيبازوم ؛ ” استفحال نسب العنف والإجرام …http://hibazoom.com/la-violence-et-le-crime.html أن السجن ؛ في المغرب ؛ لم يعد مؤسسة لإعادة تأهيل الجانحين ، وردع الجناة والمجرمين ، والمذنبين بحق القانون العام أو الخاص ؛ بل أصبح ؛ في واقعه المستشري ؛ فضاء للاتجار في الممنوعات ، واقتناء الامتيازات ، وذلك عبر قناة “القفة” ؛ التي يجمع كل الملاحظين ، بمن فيهم مكونات المجتمع المدني ، وجمعيات حقوق الإنسان ؛ أنها أصبحت عامل تشجيع ؛ لدى معظم الجناة والجانحين ؛ للتمادي في سلوكاتهم الإجرامية ، واستمرارهم في لعب دور التجار ، والعملاء ؛ داخل هذه السجون ، بالإضافة إلى العديد من التسهيلات ، والامتيازات التي منحها لهم قانون حقوق الإنسان .
فقد أكدت الإحصائيات والملاحظة الأمبريقية أن نسبة 67% من نزلاء السجون ؛ ذوي السوابق العدلية ؛ راضية في وضعيتها ، وتفضل إقامتها بالسجن على منازلها الأسرية ! كما أن نسبة تكاد تصل إلى 70% ممن شملهم لوائح العفو ، تعود إلى زنازينها في ظرف لا يتجاوز في المتوسط 3 أسابيع ، بعد اقترافها لأعمال إجرامية ..
وكنا قد أثرنا ؛ في المقال عينه ؛ أن حقوق الإنسان ؛ كما أثبتت عديد من الدراسات ، والأبحاث السوسيولوجية ؛ لا تجدي كلية مع بعض الأفراد الجانحين ، أو بالأحرى المجرمين ممن تضيق ملفاتهم بالسوابق القضائية ، والأعمال الإجرامية ، وأن وضعيتهم ، تستوجب ؛ اتقاء لشرورهم ، وردعا لهم ؛ تنقيلهم ، وعزلهم بمعتقلات بعيدا عن الزيارات شبه يومية ، و “القفة” المحملة بما لذ وطاب …
ويحق لنا هنا أن نرفع السؤال التحدي في وجه إدارة السجون المغربية : ما نسبة السجناء الذين تأهلوا ، وقطعوا الصلة بماضيهم الإجرامي ؟ قد لا تكون نسبتهم تجاوزت 2% إلى 3% وأحيانا نقرأها في وضعية معكوسة ، أي أن نسبة الجانحين ازدادت بشكل قياسي ، مقارنة لها من ذي قبل ..

كل التقارير الدولية تلهج بتزايد أعطاب المجتمع المغربي

من منطلق مبدأ ألا وجود لتنمية مستدامة ؛ في مجتمع ما ؛ إلا بشروط من أبرزها ، إلى جانب الديموقراطية ، وحرية التعبير عامل الأمن والأمان . كيف لتحقيق تنمية مع غياب هذا الصمام الأخير؟ إنه لضرب من الغباء السياسي ؛ الذي يقع فيه عادة “مهندسو” تدبير السياسة العامة في البلاد … إنهم فقط يشتغلون بجهاز ” الحملة الظرفية ” ، فكلما تصاعدت أصوات الاحتجاج الشعبي ، وارتفعت نسب الآلام ، والمعاناة والحوادث ، سارعت الجهات المعنية إلى القيام بإصلاحات ترقيعية ، وحملات تطهيرية خجولة وقصيرة المدى ، وهي تعلم أن استمرار الوضعية المزرية ، قد تمس بامتيازاتها ، أو تكون لها داع إلى الانهيار ، بغض الطرف عن صيغ التحذير والتنبيه التي ما فتئت تقارير منظمات دولية أو إقليمية تصدرها عن المغرب !

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني