الاِغتناء اللامشروع … وضعف جهاز المراقبة

عبد اللطيف مجدوب

ملاحظات أولية :

* الزائر الأجنبي يأخذه الذهول ، وهو يلاحظ داخل المدن عدد السيارات يفوق عدد البشر ؛
* السيارات الفارهة وتزايد أعدادها.. مما لا يكاد يوجد في أية دولة عربية أخرى ؛
* مناسبات الأفراح لدينا تفوق بكثير قصص ألف ليلة وليلة في البذخ والإنفاق الفاحش ؛
* ملفات السيد جطو ؛ لدى وزارة العدل ؛ حارقة مما تتحاشاه أيدي القضاء ؛
* جهاز المراقبة لدينا ترهل وركبته السمنة فأصبحت عيناه لا ترصد إلا الأجسام الصغيرة !

إشكالية عامة

مظاهر حياة المغاربة ؛ تأخذ تلاوين عديدة ، من البهرجة والفولكلور ، مما يولد ؛ لدى العديد من الملاحظين بمن فيهم الأجانب ؛ تساؤلات حول الأسرار التي تقف وراء هذا الاغتناء الفاحش والسريع أحيانا لدى طبقة اجتماعية ، قطعا لم يولد أفرادها بملاعق ذهبية في أفواههم ؟ .. انطلقوا من الصفر .. ؛ وفي زمن قياسي ؛ تحولوا إلى مليونيرات .. ومنهم إلى مليارديرات !. وهل سلم الاغتناء ؛ في المغرب ؛ مدرج بهذه السهولة ، حتى يتحول فلاح بسيط ؛ مثلا ؛ في عشر سنوات إلى أحد الملاكين الكبار .. ومنافس شرس في سوق التجارة ، والصناعة ، والأعمال ، والبناء ، وغسيل الأموال ؟!

تجارة المخدرات وارتفاع تكلفة العيش

لا تكاد تخلو صحفنا ودورياتنا ؛ سواء في الصحافة الورقية أو الإلكترونية ؛ من أخبار بضبط كميات من المخدرات في طريقها من X إلى Y ، وهناك جرائد تفرد صفحة يومية بهذا الخصوص ؛ تغطي مناطق شاسعة في شمال المغرب . ويتساءل المرء وكم هي الكميات ؛ من هذه المواد ؛ التي تطالها أعين المراقبين ، أو تفلت من أجهزتهم بقدرة قادر ؟
وهكذا نجد أن بالمغرب ” إقامة مريحة ” لأباطرة المخدرات منضوون تحت شبكات دولية عابرة للقارات يجنون منها أرباحا خيالية ؛ يتم تبييضها في عديد من القطاعات الخدماتية ، منها المصرفية والعقارية ، والسيارات ، ومواد البناء ؛ مما يشكل حواجز منيعة أمام الطبقة الوسطى ، لتخطي مستويات العجز لديها ، كأن تقتني سكنا ، أو بقعة أرضية ، أو حصولها على قروض صغرى .. لتواجه بتعقيدات إدارية ومالية ، تتجاوز أحيانا طاقاتها وإمكانياتها لارتفاع مستويات غلاء العيش الذي تقف وراءه تجارة المخدرات .

التملص الضريبي وضياع المليارات

كم هي الملفات التي توجد في حوزة المجلس الأعلى للحسابات ؛ تخص التملص الضريبي ؟ لا نغالي إذا قلنا إنها تعد بالمئات ، ويكاد كل ملف منها ؛ لشخص ذاتي أو معنوي أو شراكة ؛ متابع قضائيا بملايين الملايين من الدراهم وهي ؛ في عمومها ؛ تعود في ملكية أناس من ذوي النفوذ .. ويعتبرون أنفسهم ؛ بمعنى أو آخر ؛ فوق القانون ، وقد يجرمون كل من حاول متابعتهم أمام القضاء ! وإلا فما معنى أن يقف القضاء أمامها أخرص أبكم مكتوف الأيدي ، ويتحاشى مسها والنبش فيها ؟ الجواب بسيط : خشية أن تحترق أياديه الناعمة التي يلطم بها فقط الملفات “التافهة” ذات المعيار الصغير 100 ألف إلى 200 ألف درهم ؟!

تصنيع المواد بمكونات ومقادير مغشوشة

تقوم السلطات الأمنية ؛ من حين لآخر وأحيانا في ظروف مناسباتية ؛ بتنظيم حملات لمراقبة المواد والسلع الاستهلاكية ، فتقف على غرائب وعجائب من الحيل وفنون الغش والتدليس في تصنيع مواد استهلاكية كالتوابل ، والسكر والدقيق والحليب ومشتقاته .. وربما حتى الأدوية الصيدلانية .. ! لكن هذه الحملات تفتقد إلى النجاعة في الردع والزجر والمتابعة .. على أن عمليات التزوير من هذا القبيل باتت تشكل خطرا محدقا بصحة المواطنين ، وفي المقابل تدر على أصحابها عشرات المليارات ولا تكسب خزينة الدولة من ورائها سوى “لا حول ولا قوة إلا بالله” ؛ لأن أجهزة قمع الغش ؛ هي الأخرى ؛ تكون قد أصيبت بفيروس “كل أو كل” ..فيتزايد الاغتناء الفاحش على حساب المواطنين المستضعفين ، وبالتالي تتعطل عجلة النماء والتطور في البلاد .. مما يكون له آثارا وخيمة على روح المواطنة نفسها ، فتكاد ترديها قتيلة !

الضرائب الجمركية وتهريب السلع بالمليارات

اعتادت فئة من المواطنين ؛ المغلوبين على أمرهم ؛ اقتناء سلع من مدن الشمال ـ خصوصا الناظور وتطوان ـ وعرضها في الأسواق الداخلية مقابل حفنة من الدراهم كمكاسب تقتات بها هذه الفئة ، وتغطي بها حاجياتها ، ونظرا لمداخل هذه المدن وما تعج به من نقط المراقبة والتفتيش ، يضطر أكثر أصحاب هذه السلع إلى تخصيص مبالغ مالية كبطاقة تمريرها رغم أنها جلبت من مدن مغربية غير محتلة ، وإلا صودرت منهم ! لكن المفارقة الرهيبة أن هناك سلعا بالمليارات على متن بواخر في العديد من المرافئ المغربية لا تدفع كرسوم جمركية إلا الفتات .. لنفوذ أصحابها ، أو دفع إتاوات تافهة لإدارة جمركية هنا وهناك … وهكذا لا تجني منها خزينة الدولة إلا الفتات لوجود أطراف متواطئة ، يكون من تبعاتها الاغتناء الفاحش ، وتعميق الفوارق الطبقية …

الاستثمار الأجنبي ولوبيات الاحتكار

من الملاحظ وجود لوبي مغربي قوي من الباطرونا وغيرها ؛ يقف في وجه كل منافسة أجنبية ، لحرصه على احتكار وتعزيز موقعه في مجال الخدمات ، وإنتاج السلع والبضائع الاستهلاكية ، فإذا رغب صاحب رأس مال ؛ خارج الوطن ولو كان يحمل جنسية مغربية ؛ في الاستثمار في قطاع خدماتي معين ، واجهه هذا اللوبي ؛ من خلال ملف تعاقده ؛ بجملة من التعقيدات الإدارية ، والتماطل ، ودفع العمولات لهذه الجهة أو تلك .. مما يجبره في الأخير على سحب ملفه ، ولكن يقع ؛ من بوابة أخرى ؛ أن توجد هناك شركات أجنبية أوروبية ـ مثلا ـ لا يكون لتعاقدها مع المغرب محل قبول إلا إذا كان بضمانات جهات رسمية قريبة من محيط القصر ..

تداعيات ضعف جهاز المراقبة

جهاز المراقبة ؛ يشمل عدة مؤسسات ، كالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، والجمعية المغربية لحماية المستهلك ، ومفتشية المكتب الوطني للسلامة الصحية ، والجمعية المغربية لقمع الغش . ويأتي على رأس كل هذه المؤسسات المجلس الأعلى للحسابات لافتحاص الملفات في جميع قطاعات الدولة ، لكن نجاعتها ، وأثرها على الحياة العامة تبدو جد ضئيلة ومنعدمة بالكاد ؛ لمحدودية اختصاصاتها ، وقراراتها التي تنتفي عنها أحيانا الصفة التنفيذية … لكن ؛ وفي أحيان كثيرة وبتدخل جهات نافذة ما ؛ تتعطل هذه الأجهزة كلية ، فتنحصر أدوارها فقط في الافتحاص ، وإعداد التقارير ، وإبلاغ المحاكم المختصة ، وهكذا تستشري آفة الغش والاغتناء اللامشروع الذي تكون من أولى تبعاته توسيع الهوة بين الطبقات الاجتماعية ، وتكريس ثقافة الغش والتدليس والاحتيال في أوساط المجتمع ، وتدني مستويات الأداء والجودة إلى درجات قياسية ؛ تدفع بالمغرب إلى احتلال رتب منحطة في خدمات الأطر البشرية ، وضحالة مستوى الأداء ، فضلا عن تراجع مستوى جودة سلعه في السوق الدولية .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني