حول نازلة القاضي محمد الهيني (الحلقة الأولى)

في مفهوم الفصل 13 من النظام الأساسي لرجال القضاء

 

د. محمد ناجي

تمر في سماء قضائنا هذه الأيام سحابة نرجو الله تعالى أن يجعلها ممطرة نافعة، أو يجعلها سحابة صيف لن تلبث أن تنقشع دون أن تخلف ضررا ولا أذى في جسمنا القضائي الذي نجتهد جميعا لتقويته وتمكينه من المناعة الطبيعية ضد كل الأدواء.

وبكل صدق أقول بأن في كل ما قرأت عن هذه النازلة لم أجد شيئا قيل فيها خيرا مما تبرك به الأستاذ المحترم السيد الوكيل العام لجلالة الملك بالدار البيضاء حسن مطار، المقرر فيها ، حين استحضر هذه الآية الكريمة العظيمة : ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين ﴾ (آل عمران 134).

هذه الآية الجليلة وحدها كفيلة لمن يستحضرها أن تضمد جراحه ، وتجعله يحسب ذلك مما يُـذخر له من ثواب عند الله، سواء كان مظلوما فعلا، أو كان مجرد شاعر بأنه مظلوم من جراء قول أو فعل لم يكن في أصله صادرا عن سوء نية ولا عن رغبة في الإذاية أو الإضرار، فما أكثر ما يصدر عن الإنسان مما يقصد به خيرا، ولكنه قد يُفهم من قبل البعض بخلاف القصد المراد، فتأتي هذه الآية الكريمة لتكلم الجرح وتشفي النفوس..

وهذا ما نتمنى أن يستحضره كل من له قول في هذه النازلة؛ لان الذي يجمع ويؤلف بين كل أطرافها هو “مصلحة الوطن وصالح العدالة”..

ومعلوم انه متى ما اتفق الناس على الهدف، فإن اختلافهم في طريق الوصول إليه لا يبقى له كبير وزن أو تأثير .

وإننا جميعا ومنذ تصويتنا على دستورنا المغربي الجديد ونحن نحث السير قدما لترسيخ منظومة قضائية مشرفة وغنية وشفافة ببلادنا، بدءا من وزارة العدل والحريات، إلى كل منتسب للمرفق القضائي والسلطة القضائية، إلى كل مواطن مهموم بالشأن العام لوطنه .. كلنا عقدنا العزم على أن تتضافر جهودنا لتحقيق ما يصبو إليه شعبنا بقيادة ملكنا الهمام لتحقيق أمنيتنا في قضاء نزيه، يساير المبادئ السامية الكبرى التي جاء بها الدستور، وتلك التي أجمعت عليها الأعراف الدولية في الدول الديمقراطية. وبطبيعة الحال، فإن الاختلاف في الوسائل والآليات المسعفة لتحقيق تلك الغاية يبقى واردا دائما، ومتعلقا بحسب كل جهة أو هيئة قضائية أو مدنية ؛ وإن كانت الكلمة الأخيرة للسلطة التشريعية التي لا ينازعها أحد اختصاصها حفاظا على أهم مظهر من مظاهر الدول الديمقراطية المتمثل في مبدإ فصل السلط.

على هذا الأساس كان ممن الممكن أن نقرأ ما يكتبه الناس ، من قضاة ومحامين وحقوقيين ومجتمع مدني ، باعتباره وجهة نظر في الطريق السالك إلى بلوغ الهدف المرجو. فإذا قرأنا ما يُـكتب من هذا المنظور فلن يكون بيننا جارح ولا مجروح.

ومن ثم فإن ما أصبح يعرف بقضية القاضي الأستاذ محمد الهيني، حول بعض تغريداته أو مقالاته المنشورة في الصحف الورقية أو المواقع الإلكترونية، يمكن أن يُدرج في هذا الباب.. وقد كنت أتابع ما يكتبه هو وغيره منذ انطلاق قافلة التصحيح والإصلاح، وأساهم بدوري بما يقدر عليه قلمي المبتدئ من آراء أو اقتراحات.. وكأي مواطن عادي، لم يخامرني شك أبدا في أن ما يكتبه الأستاذ محمد الهيني يرمي ـ كغيره من الكتابات ـ إلى الرغبة الأكيدة في الدفع بعجلة الإصلاح إلى الأمام، بحسب ما يراه الأنفع والأجدى لعدالتنا. وإذا كنا نؤمن بأن الأعمال بالنيات، وإذا كان القضاء أجَـلَّ وأشرفَ من يعمل بهذا المبدإ، بحيث قد يبرئ الواشي من تهمة الوشاية الكاذبة إذا تبين له أنه كان حسن النية فيما أتاه.. فإن كل ما كُـتِـب في هذا الموضوع كان منطلقا من هذه النية الحسنة الراغبة إلى الدفع بركبنا القضائي نحو هدفه المنشود.

غير أن بعض رجالنا المحترمين في البرلمان رأوا في بعض ما كتبه الأستاذ الهيني تدخلا في اختصاصهم التشريعي وأنه لم يحترم فيه ما يفترض في القاضي من واجب التحفظ الذي تتبناه كل القوانين الدولية، والذي خصص له المشرع الفرنسي الفصل العاشر من القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة، الذي ينص على ما يلي :

L’article 10, relatif au devoir de réserve, interdit aux magistrats « toute délibération politique », « toute manifestation d’hostilité au principe ou à la forme du gouvernement de la République », « toute démonstration de nature politique incompatible avec la réserve que leur imposent leurs fonctions », et « toute action concertée de nature à arrêter ou entraver le fonctionnement des juridictions ».

وهو الفصل الذي لو طبقناه على كتابات الأستاذ الهيني، فلن نجد فيها شيئا مما يمكن أن يندرج فيه بشكل صريح وواضح .. حيث إن المتابعة بشيء من ذلك لا يجب أن تكون قائمة على التأويل، أو على فهم خاص، أو على تـزَيُّـد في كلام الكاتب أو ما إلى ذلك.

ولقد سقت هذا النص لأنني أجده قريبا من مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 13 من النظام الأساسي لرجال القضاء التي استأنس بها الأستاذ الفاضل الوكيل العام للملك في تقريره حول النازلة، والتي تنص على أنه «يمنع على الهيئة القضائية كل نشاط سياسي وكذا كل موقف يكتسي صبغة سياسية»، حيث تُـرجمت عبارة :  “délibération politique” في النص الفرنسي، بعبارة ” النشاط السياسي” في النص المغربي.. والواقع أنها ترجمة غير دقيقة، لأن الترجمة الدقيقة لكلمة délibération هو التداول، وليس النشاط .. حيث المقابل الفرنسي لكلمة “النشاط ” هو (Activité) ، ومن ثم فإننا عندما نقول مثلا : “فلان ناشط سياسي” ، فمعنى ذلك أنه منخرط في حزب سياسي ما، أو أنه يقوم بنشاط له علاقة بالسياسة ، سواء داخل جمعية أو هيئة أو غيرها، كالنشاط السياسي الذي يقوم به بعض أعضاء جمعيات حقوق الإنسان عندما ينخرطون في ندوات أو مؤتمرات خارج الوطن ذات طابع سياسي للتعريف بقضيتنا الأولى، قضية الصحراء المغربية. وأقرب مثال لذلك ما قام به حقوقيون في السويد لتوضيح موقف المغرب من قضيته. فهذا هو مفهوم النشاط السياسي.

ولقد سرني أن يتعزز هذا المفهوم لدي بما ساقه الأستاذ المقرر حسن مطار ، عندما فسر ذلك الفصل 13 المذكور، بما جاء «في مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 111 من دستور المملكة الجديد التي تنص على ما يلي :

«يمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية»

حيث عقب على هذه المادة بقوله : «وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون سوى تطبيق عملي وصورة من صور واجب استقلال القاضي».

أي أن الامتناع عن الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية هو المجلى الصريح والمفهوم الواضح لمعنى استقلال القاضي وبُـعـدِه عن أي نشاط سياسي.

فهل قام الأستاذ الهيني بشيء من هذا ، حسب ما يفيده  الدستور والفصل 13 المشار إليه ، ممارسة أو سلوكا ؟ أو ثبت في حقه أنه أبان بصريح العبارة، عن أي ميول لهذا التيار السياسي أو ذاك؟ أو تبنى في كتاباته موقفا سياسيا في أمر مما يمكن أن يُـعرض عليه في يوم من الأيام ليفصل فيه قضائيا؟

هذا باعتبار المفهوم الواسع  للنشاط السياسي.

أما كلمة التداول ؛ فهي أشد ضيقا وأقصر حدودا من النشاط، مما لا يثبت في حق الأستاذ الهيني شيء منه ثبوتا عمليا وصريحا، واللذين نقصد بهما أن ينخرط القاضي في عمل سياسي، أو يصدر عنه قول صريح في مسألة سياسية، يكون بعيدا عن أي تعبير مجازي أو كنائي أو استعاري؛ إذ القول الصريح هو الذي لا يختلف اثنان في فهمه ، كالماء والشمس عندما نطلقهما على ما يجري في النهر وعلى النجم الساطع في السماء. أما التعابير المجازية أو الاستعارية، فهي لا تقبل أي نوع من الإدانة لأنها حمالة أوجه، ولذلك فمهما حاولنا تفسيرها بكونها تدخل في إطار العمل السياسي أو النشاط السياسي، أو الميول السياسية، أو أنها تخرق واجب التحفظ المفروض في القاضي، فلن نكون إلا مجازفين أو مؤولين؛ كما سنبينه في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

[email protected]

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني