د. محمد ناجي
من هو المستهدف الحقيقي من الشكاية
الأساس الذي بنيت عليه هذه النازلة هو شكاية تقدم بها أربعة برلمانيين من أربعة أحزاب تشكل الأغلبية في مجلس النواب، إلى السيد وزير العدل والحريات يتهمون فيها القاضي محمد الهيني بما اعتبروه تجاوزات في مقالاته؛ لخصوها في كونه «يكيل الاتهامات والأحكام القيمية عن سبق إصرار وترصد … منصبا نفسه حارسا على المؤسسات الدستورية للبلاد»، حيث ركزوا على مقاله : (ألا في الفتنة الدستورية سقطوا) ، والذي استقوا منه عبارات أثبتوها في شكايتهم كدليل مادي على صحة ما يتهمون به القاضي ، حيث يستشف من شكايتهم ومن إحالة وزير العدل لها على المفتش العام لوزارة العدل والحريات أن هناك من لا يزال متخلفا في فهمه للديمقراطية والحقوق والحريات العامة، ليس فقط عن الدول الديمقراطية، أو عن الاعراف الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان بمفاهيمها الصحيحة الناصعة؛ بل متخلف حتى عن دستوره الذي صوت عليه منذ أربع سنوات، ومع ذلك، ورغم مرور أربع سنوات من حياة هذا الدستور إلا أن بعض المؤسسات والجهات لم تتمكن من مواكبته ولا من استيعاب مبادئه الكبرى، وربما لم تحتمل أن يكون المغاربة متمتعين ـ كسائر خلق الله ـ بحقوقهم المدنية كاملة ، وسد كل منافذ التراجع عن تلك المكتسبات المـحـصَّـل عليها، وفي مقدمتها الاختيار الديمقراطي للأمة، ومكتسباته في مجال الحريات والحقوق الدستورية، كما جاءت في الفصل 175 م الدستور، حيث نجد أنه بدل أن يستضيء المسؤولون والبرلمانيون بهذا الفصل الذي يدعوهم إلى تيسير الطريق لتفعيل هذه المكتسبات وتوسيع دائرتها بالقدر الذي يزيد من دمقرطة الدولة وتوسيع مجالات الحريات العامة ؛ نراهم يعملون على تحويل المركبة لتسير في الاتجاه المعاكس بالعمل على تضييق مجالات تلك الحريات والحقوق وخلق أو اختلاق أسباب النكوص والتراجع عنها .
ولذلك فإنه يمكن القول بأن هذه النازلة تقدم الصورة الواضحة والمثال الأكثر بروزا للعمل على التراجع عن تلك المكتسبات الدستورية ، بدل العمل على تنزيل نصوص الدستور بما يزيدها مرونة وتوسيعا للآفاق وتعميما وشمولية، وليس حصرا وكبحا وتضييقا.
وحتى يكون كلامنا مبنيا على أساس من الواقع، سوف نأخذ بعض ما جاء في شكاية البرلمانيين المذكورة من عبارات اعتبروها الدليل المادي المأخوذ من كلام القاضي محمد الهيني، والتي وجدوا فيها استفزازا للمؤسسة التشريعية، ورأوا أن فيها إساءة وتجريحا لمكونات الأغلبية البرلمانية؛ حيث جاء في الشكاية :
«وخاتمة اتهاماته مقالة نشرت … عنونها بـ “( ألا في الفتنة الدستورية سقطوا ) ، معتبرا تعديلات الأغلبية على مشروع قانون تنظيمي رقم 100.13 «موقفا مخططا له ومناورة كبرى زئبقية، تتعامل مع القضايا الكبرى بمنطق المصلحة وليس الدستور» ،
إلا إننا بالرجوع إلى مقالة القاضي المذكورة، وبالتحديد إلى الفقرة التي استخرجوا منها هذه الحجة النصية، يتبين أنه لا يوجد تطابق بين عبارتهم التي نسبوها إلى القاضي، وبين عبارة القاضي الحقيقية التي جاءت في مقاله ، نظرا لما في عبارتهم من تزيد وعدم تقيد بكلام القاضي ونصه؛ مما يجعل دليلهم المادي غير مناسب ليكون حجة صحيحة وسليمة، سواء من الناحية القانونية أو من حيث الأمانة العلمية في النقل والرواية التي يجب أن تتوفر في المشتكي.
وهذا نص فقرة القاضي الهيني التي استقى منها المشتكون عبارتهم المذكورة:
«ويظل هذا الموقف غريبا ومتناقضا لغير المتابع فكيف للأغلبية أن تناقض موقف الحكومة المشكلة منها ، إلا أن قراءة الأحداث بشكل دقيق تبين بالملموس أنه “موقف مخطط له ويشكل مناورة كبرى زئبقية تتعامل مع القضايا الكبرى بمنطق المصلحة وليس الدستور”».
فمن أين جاء المشتكون بعبارة “مشروع القانون التنظيمي رقم 100.13”
إننا نفتش في المقال كله عن شيء اسمه : “مشروع القانون التنظيمي رقم 100.13” ، مذكور هكذا بالنص فلا نجده . مما يفيد أن المشتكين نسبوا كلاما إلى المشتكى به لم يقله ولم يكتبه وقدموا به شكاية بناء عليه .
ومن ثم فإن ما اعتبروه كلاما للقاضي الهيني عن مشروع القانون التظيمي إنما هو كلامهم هم ، وليس كلام القاضي الهيني الذي يخلو مقاله من أي تصريح بــ “مشروع القانون التنظيمي 100.13″ ،
ومرد ذلك ناتج عن تأويلٍ أولوا به كلام القاضي الهيني، عندما جعلوا عبارته : « موقف مخطط له ويشكل مناورة كبرى زئبقية تتعامل مع القضايا الكبرى بمنطق المصلحة وليس الدستور» ؛ تعود على ” مشروع القانون التنظيمي 100.13″ ،
بينما هي في الحقيقة تعود على قوله : «قراءة الاحداث بشكل دقيق»،
فما هي الغاية إذن من تحويل المشتكين عبارة القاضي عن مفهومها ودلالتها الصحيحة إلى معنى آخر ليس له في المقال ما ينص عليه نصا صريحا ؟
هل يساير هذا طموح المغاربة في توسيع دائرة حرية التعبير، كما يكفلها الدستور ويفتح لها آفاقا من خلال تكامل فصوله وتناغمها؛ أم انه يمثل نكوصا وتخلفا عن مبادئ الدستور، ولو بالافتعال والتأويل الضيق ، وتحميل الكلام ما لا يحتمل؟
أم هل أصبح في منطق السادة البرلمانيين ومفهومهم أن كل ما هو “حَـدَثٌ” يقع في المغرب فهو يعني “مشروع القانون التنظيمي 100.13″ ؟
إننا مهما حاولنا ان نتعسف على النص، ونحمله ما لا يحتمل، فلن نجد سبيلا إلى القول بأن «قراءة الأحداث» تعني «مشروع القانون التنظيمي 100.13» .
إن أي كاتب ـ كيفما كانت صفته أو انتماؤه ـ لا يحاسب على ما يفهمه الغير من كتاباته، أو على تأويل كلامه ، وإنما يحاسب بما تدل عليه عبارته الصريحة دلالة واضحة ومفهومة للجميع بنفس الوضوح وبنفس المعنى..
ولم تكتف الشكاية بأن نسبت كلاما للقاضي الهيني لم يقله؛ وإنما حـمَّـلت بعض كلامه ما لا يحتمل ، وفهمته بخلاف ما يدل عليه نحويا وظاهريا، كما هو الشأن بالنسبة لعبارته التي جاء فيها : « لأن الوزير المعني لم يكن راضيا على إخراجه من جسم ومكونات المجلس الأعلى للقضاء دستوريا فصار يبحث له عن مقعد آمن يؤمن وجوده في سلطة لا مكان له فيها أصلا دستوريا ، وهدا خيار أمة وشعب صوتت على دستور 2011 ولا يجوز استغفالها ولا تجهيلها وتجاوزها» ،
حيث يلاحظ أن القاضي استعمل عبارة «مقعد آمن يؤمن وجوده في سلطة لا مكان له فيها أصلا دستوريا» ..
فحورها المشتكون إلى عبارة أخرى تختلف عنها لفظا ومعنى، ونسبوها إليه، حيث ذكروا أنه قال : «ولا يعكس هذا الامر إلا نية بحث وزير العدل الذي اختارته هذه الأغلبية عن مقعد بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ليس إلا»”
فأين وردت لفظة «النية» في كلام القاضي الهيني؟ وبأي حق يأتي المشتكون بكلام من عندهم ويحشرونه في كلام القاضي، ثم يريدون أن يُحاسبوه على ذلك الكلام ؟
بالإضافة إلى هذا فإن كلام القاضي بعيد عن الفهم الذي فهمه المشتكون حتى بتطبيق القواعد النحوية ..
ذلك أن المشتكين أن اعتبروا أن المقصود بــكلمة “سلطة” ، هو “المجلس الأعلى للسلطة القضائية”،، مع أنه ليس هناك ما يفيد ذلك، بل إن المعنى يوحي بخلافه، حيث الذي يفهم من كلام القاضي الهيني هو أن السيد الوزير عندما وجد نفسه خارج المجلس الأعلى للقضاء دستوريا، ـ حسب فهم القاضي للنص الدستوري ـ ؛ أراد أن يعوض عن ذلك المقعد بالبحث عن إيجاد مكان له في “سلطة” أخرى، (( إذ من المعلوم أن هناك سلطات متعددة ومتنوعة داخل السلطة القضائية، وليس فقط سلطة المجلس الأعلى)) ، فهذا هو المقصود بمضمون عبارته، وهذا هو ما تدل عليه صيغة النكرة التي استعملها الكاتب ، حيث إن من صفات النكرة أنها “لا تدل على مُـعَـيَّـن”؛ فجاء المشتكون وعينوها ، وجعلوها تدل على ” المجلس الأعلى للسلطة القضائية ” ، ولو كان الكاتب يقصد هذا المعنى لاستعمل العبارة الواضحة والصيغة القريبة وقال : « لأن الوزير المعني لم يكن راضيا على إخراجه من جسم ومكونات المجلس الأعلى للقضاء دستوريا فصار يبحث له عن مقعد آمن يؤمن وجوده في تلك السلطة التي لا مكان له فيها أصلا دستوريا .. » ، فيكون التعريف بأل العهدية يفيد رجوعها على المجلس الأعلى للقضاء.
وأخيرا فقد وُصف المقال بأنه يعبر عن موقف سياسي وتدخل في عمل السلطة التشريعية ومجاهرة كاتبه بموقفه المنحاز إلى جانب المعارضة في مواجهة الأغلبية ،، بينما نلاحظ أن صاحب المقال قد تطرق لحالة من التعارض أو التناقض لدى المعارضة في الاختلاف الحاصل بين ما جاء في بيانها الذي تعلن فيه «تأييدها للمدافعين عن استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل» ، وبين موقفها في اجتماع سري وبدون ورقة الذي يظهر منه أنها تراجعت عن ذلك البيان لتبقى دار لقمان على حالها؛ أي لتبقى النيابة العامة تابعة لوزارة العدل.. مما يفهم منه أنه تراجع عن الموقف الأول.
فهل هذا يدل على انحياز القاضي إلى المعارضة، أم أن فيه إشارة إلى ما وقعت فيه من تناقض موقفي؟
إن المتحيز لا يكشف عن تناقضات المنحاز لصالحه .
وعليه فالأستاذ الهيني لم يتجاوز في هذا المقال حدود التوصيف لما يقع من أحداث يدعو إلى قراءتها «قراءة دقيقة»، ولم يتجاوز التعبير عن موقفه من مشاريع قوانين تهمه في عمله وفي مستقبله وفي ممارساته القضائية، وهو حريص على أن توفَّـر لها شروط العمل التي تجعلها بعيدة عن أي ضغط أو تبعية لتتمكن من تقديم منتوج قضائي مشرف ومسؤول؛ باعتبار أن “استقلالية النيابة العامة” تشكل ـ كما قال ـ «ضمانة ضرورية لتحقيق المحاكمة العادلة، والمساواة بين أطراف العملية القضائية» ؛؛ ومن ثم فإن كل ما كتبه ونشره الأستاذ محمد الهيني إنما يندرج في هذا الإطار ، ويعبر بأسلوبه عن رغبته الملحة في وضع قضائي تتوافر فيه كل الضمانات ليكون قضاء محايدا وفعالا، دون أن يخوض في أي نقاش سياسي، ولا انحاز لأي هيئة سياسية أو حزب من الأحزاب، بل كل ما في الأمر أنه يرى أن بقاء السيد وزير العدل والحريات من بين مكونات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، لا يتناسب ـ حسب قناعته ـ مع الاستقلال التام للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.. وهذا التصور الذي يراه السيد القاضي الهيني ويشترك معه فيه كثير من القضاة ؛ يعتبر من المقتضيات والأمور التي تدخل في صميم اهتمامات القضاة لما يرونه أنفع للعدالة وأكثر ضمانا لنزاهتها وحيادها، ولا يتعلق بالوزير أو بغيره، لأن وزارة العدل قد تصبح بعد مدة قصيرة أو طويلة في يد شخص آخر، وقد يكون من حزب آخر، أو قد يكون غير منتم أصلا، ومن ثم فالمسألة لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق بمؤسسات تبقى ولو تغير الأشخاص، وهو ما عبر عنه الأستاذ الهيني في مقاله موضوع الشكاية حين قال :
«وهكذا نجد أن توصيات لجنة الإنصاف والمصالحة وضعت اللبنة الأولى لمعالم استقلال النيابة العامة عن رجل السياسة بإقرارها ضرورة اعتماد تأهيل العدالة وتقوية استقلاليتها، من خلال فصل وظيفة وزير العدل عن المجلس الأعلى للقضاء، وتقوية الضمانات الدستورية لاستقلال المجلس الأعلى للقضاء»
بل هو يوضح في آخر مقاله ـ وبعبارة صريحة ـ أنه لا يقصد بمطالبته بالإصلاح وزيرا بعينه، وإنما يرمي إلى ما فيه مصلحة الوطن ككل، حيث قال : « لأن السلطة متغيرة تنتقل بالخيار الديمقراطي وبصندوق الاقتراع ولا مكان فيها للثابت ، فحينما نطالب بالإصلاح لا نستهدف إخراج وزير سياسي معين من مجال معين، بل لإخراج الوطن من دائرة ضيق الأفق السياسي إلى مجال رحب لقضاء النيابة العامة – برئاسة الوكيل العام للملك بمحكمة النقض – يتسم بالضمانات القضائية وباستقلال القضاء تحت إشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي من مكوناته هيئات حقوقية وعناصر من المجتمع المدني».
وبناء عليه فإن أي قراءة أو تفسير لما كتبه الأستاذ محمد الهيني خارجَ هذه القراءة والفهم إنما سيكون قائما على التعسف وتحميل الكلام ما لا يحتمل ، خاصة وأن كل ما يعتمده الأستاذ الهيني في معرض دفاعه عن قناعاته بضرورة استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل إنما يستمده من فصول الدستور التي يحيل عليها في كل مناسبة ؛ مما يجعل كلامه ذا طبيعة قانونية ، لا علاقة له بالسياسة ولا بالانحياز لفريق على آخر، بل إذا كان هناك من انحياز في مقالاته فإنما هو انحياز للدستور الضامن لاستقلال القاضي، والناص على فصل السلط باعتباره المظهر الحقيقي لدولة الحق والقانون، ولبناء الدولة الحديثة..
ومن كل هذا ندرك أن القاضي الهيني ليس هو المستهدف في حد ذاته بهذه الشكاية وإنما المستهدف الحقيقي ـ في نطري ـ هو الدستور الذي يطمح إلى تجاوز كل أسباب النكوص، وإغلاق كل منافذ التراجع عن هذه المكتسبات الدستورية المتمثلة في حرية التعبير وإبداء الرأي، واستقلال السلط عن بعضها، وخاصة استقلال السلطة القضائية ـ بكل مكوناتها ـ عن أي سلطة أخرى، وتوسيع مجالات التحرك والنشاط للسادة القضاة لممارسة حياتهم الاجتماعية والفكرية بشكل عادي وملتزم ، بتكوين جمعياتهم المهنية ونواديهم الخاصة.. وتفعيل جميع الاتفاقيات الدولية؛ الحقوقية والقضائية؛ التي صادق عليها المغرب … إلى غير ذلك مما أصبح يرعب بعضَ من ألفوا تكميم الأفواه، والتضييق على الحريات ، ولم يستوعبوا أن المغرب إما أن يكون دولة حقوقية ديمقراطية في ظل مملكة برلمانية؛ أو لا يكون.
[email protected]
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



