عبد اللطيف مجدوب
صحافتنا ذات روائح نتنة ، فهل أوضاعنا كذلك ؟!
يصطدم المواطن المغربي ؛ كل صباح ؛ بعناوين صحفية ، ورقية أو إلكترونية ، ذات حمولة إخبارية وطنية ؛ موغلة في القتامة ؛ والإزراء ؛ والدموية ؛ والقمع ؛ والتسيب … ومن فرط تدفقها اليومي ، أصبحت عينة من القراء المتصفحين تتحاشاها ، وتتجاوزها إلى أخرى لا تقل عبثية عن الأولى ، فيترسخ في ذاكرته صورة جد سوداوية عن بلده ، أحيانا تلجم نشاطه كانخراطه في مشروع استثماري أو تجاري ما ، ما دام لم يعد يثق في الأوضاع العامة وبشكل خاص مؤسساته ، والتي أصبحت تستلزم ؛ للتعايش معها ؛ ثقافة المناورة والتحايل والسمسرة أو المحاباة . فهل المغرب ؛ في واقعه اليومي ؛ كذلك ، وبهذه الصور القاتمة ؟
عينة من العناوين
* تقرير أمريكي أسود عن المغرب * فضيحة تزوير تهز محكمة تمارة * ملايير ابتلعها البرنامج الاستعجالي * مستشفيات تستغيث بنقص الأدوية والتجهيزات * محاكم تتلكأ أمام ملفات المجلس الأعلى للحسابات * حوادث المدن تقتل 22 شخصا كل أسبوع * ملايير الدراهم تهز مؤسسة عقارية * هبات ملكية للزوايا بالجملة * سيدة تستيقظ داخل نعشها لتعود إلى قبرها بعد يومين * وزراء ومدراء يستغلون مناصبهم * تفكيك العصابات لا يفتر ينتهي حتى ..* قنبلة بيئية تهدد ساكنة المحمدية * الحكومة لم تفرج بعد عن مستحقات التعويض عن التكوينات …
يبدو ؛ من خلال استقراء هذه العينة الأخبارية ؛ وجود عناوين شبه يومية كتفكيك خلية اتجار في المخدرات ، أو عصابات إجرامية أو ملفات فساد إدارية أو عقارية ، وكذا حوادث الطرق التي تحظى بحصة الأسد في العناوين الإخبارية ، هذا إذا اعتمدنا عينة عشوائية مختلطة من الجرائد الورقية والإلكترونية أما إذا اعتمدنا فقط وسائل الفايسبوك والتويتر واليوتوب فسنقف على أخبار بالغة في الغرابة إلى حد الصدمة كإجهاز أب على ابنته لقتلها بعد اغتصابها ، أو استخراج جثة فتاة من قبرها من طرف عصابة .. ! أو إقدام أم على ذبح ولديها الصغيرين ، وحوادث القتل والتصفية كثيرة لا تخل منها أية صحيفة .
الإثارة الصحفية
بعد أن انتزعت الصحافة الإلكترونية الصدارة من نظيرتها الورقية ، وغلاء الورق ، وجدت هذه الأخيرة نفسها في وضعية جد خانقة من التنافسية الشرسة على الاقتراب من القارئ ؛ من خلال عناوين غارقة في همومه اليومية ؛ على جميع الأصعدة ، من المحلي إلى الوطني مرورا بالإقليمي ، موجهة أقلامها صوب الحواضر الكبرى ومستغلة عامل الإثارة في شد انتباه القارئ سيما على صفحاتها الأولى ، في حين أن العالم القروي لا تحتل فيه التغطية سوى نسبة هزيلة لا تتجاوز %10 ، بدعوى أن مقروءاتها هناك باتت جد محدودة .
مصادر الخبر
تكاد معظم اليوميات الإخبارية بالمغرب تتقاسم مصدرا إخباريا رسميا واحدا ، أو تعتمد مصادر جهات أخرى ؛ لها السبق في تلقي المعلومة كوكالة المغرب العربي للأنباء MAP ، وإن كانت هذه الأخيرة أضحت حكرا على جهة دون أخرى ، وهو ما زال يشكل العقبة الكؤود أمام قطاع الصحافة بصفة عامة ، والذي زج بالعديد من الصحافيين خلف القضبان ” لجرأتهم ” في تفجير ملفات ساخنة تمس بالعديد من الرؤوس الضالعة ، وامتناعها ؛ خلال التحقيقات القضائية ؛ عن الإدلاء بمصادرها والتي هي ؛ في أغلب الحالات ؛ تتخندق داخل قطاعات ، ومؤسسات عمومية ..
وما زالت القصاصات الإخبارية ؛ في معظم الصحف اليومية ؛ مجهولة المصدر الأولي من قبيل ” نقلت وكالة …” أو ” علم من مصدر …” ، مما يعرضها دوما إلى مقص الرقيب .
إثارة الرأي العام
السلطات المغربية ، تعي جيدا خصوصيات المواطن المغربي ، والجوانب التي يتوجه إليها الإعلام في استثارة اهتمامه ، لذا نجدها تتلكأ في إتاحة المعلومة أم الرأي العام ، بذريعة أنها حيوية ، وبالتالي تعرض العامل الأمني لعواقب قد تكون خطيرة .. فالظروف ؛ في نظرها ؛ لم تنضج بعد لإتاحة هذا الحق في الولوج إلى المعلومة أمام الصحفي !وهناك فقاعات إعلامية ظهرت في الأسابيع الماضية ، والتي كانت في آن واحد مقياس رد فعل لتعاطي المغاربة مع الأخبار مثل ” جوج فرنك ” ؛ ” معاشات الوزراء والبرلمانيين ” و ” الكوبل الوزاري ” …
الإعلام والتنمية أو مصادرة بعض مصادره
الإعلام ؛ في الأبجديات الديموقراطية ؛ آلية مساهمة في النهوض بالمجتمع والارتقاء به في عدة مجالات حيوية .. لكن أن يكون محتكرا من طرف أو جهة دون أخرى ، أو تكريسه في خدمة السلطة ، فيعني أن هناك احتقانا اجتماعيا ، أو فسادا بالجملة تريد السلطات أن تتستر عنه ، وهو ما يوقعها في اصطدامات تلو أخرى مع حقوق الإنسان ، والتعبير ، والحق في المعرفة . وفي المغرب ؛ رغم رفع الحصار على جوانب حقوقية ، فما زالت هناك تقارير دولية تشير إلى وجود بؤر فساد ، وهدر لبعض الحقوق والحريات فلوبي الفساد ” يتخوف دوما ” من أصابع الاتهام ، سواء كانت صادرة عن تقارير دولية أو مصادر صحفية مجهولة ، مما حمل أطرافا حكومية ؛ في الماضي والحاضر ؛ على مصادرة بعض الجرائد ، والتحقيق مع أصحابها .
وهناك لقب الصحافة ” السلطة الرابعة ” ؛ نشأ في المناخات الديموقراطية ـ لدى المواطن الغربي خاصة ـ لما لها من اعتبار وتميز لدى المتلقي ، ومكونات المجتمع المدني بصفة عامة . فإذا كانت الصحافة بمثابة السلطة الرابعة لمساهمتها وتعضيدها للسلطات الأمنية في تطهير المجتمع من المارقين والمحتالين والعابثين والمخادعين والوصوليين والمجرمين ، وكل أشكال خرق القانون ، فنلفي ؛ في المغرب ؛ أطرافا نافذة في المجتمع والسلطة ، لها لوبيات ضاغطة منبثة في كل مواقع القرار ؛ لا تتردد في خنق كل صوت ينادي بمتابعتها قضائيا ، وهكذا نجد أن قوى الفساد والإفساد يتعاظم شأنها ، وتزداد توسعا عبر قنوات سرية ، قد تزيد عن عشر حلقات وسائطية لإحداث التعطيل المنشود Blockage !
مدى درجة التأثير الإعلامي
مع تزايد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي ، أخذت العديد من الدول ؛ ومنها المغرب ؛ تحتاط لسقوط أحداث وأخبار مصورة متصلة بمؤسسة أو جهات معينة ، أو ذات صلة بجهاز حكومي معين . وأحيانا تتصيد مصدر الخبر/ شريط الفيديو لتلقي به في شباكها ، وفي أحيان أخرى تسارع إلى استدراك الموقف قبل استفحاله وخروجه عن دائرة احتوائه ، والتحكم فيه . لكن ؛ والحالة هذه ؛ ينبغي أن نقر ؛ وحسب استطلاعات رأي جرت أكثر من مرة ؛ أن تأثير الإعلام الورقي يبدو ضعيفا أمام نظيره الإلكتروني ( أو السمعي البصري ) وخاصة أشرطة الفيديو القصيرة Short Video Tapes ، بيد أن هذا التأثير ؛ بقدر ما يساهم في تنوير الرأي العام ؛ يظل ضعيفا في تحريكه لسلطة القرار ، وبالتالي يبقى الواقع سيد الموقف ، من الصعوبة بمكان أن يطاله تغيير ما إلا إذا استمر الخبر لمدة أطول ، وصار حديث الخاص والعام ؛ كما في ظواهر : ” الملعب والكراطا ” ؛ ” والكوبل الوزاري ” ؛ ” ومعاشات الوزراء والبرلمانيين ” ؛ ” والأساتذة المتدربين ” .




