الإنسية وملامح التأصيل للهوية والإندماج الحضاري والتفاعل الثقافي واللغوي الأمازيغي العربي

ذ.محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي

خلال هذا الأسبوع الأخير ساهمت مع أخوة آخرين بدعوة من الإخوة في الشبيبة المدرسية وفي فروع حزب الاستقلال بفاس في ندوتين منفصلتين ولكن يجمعهما ويربط بينهما رباط متين هو أن الموضوع الذي أقترح للتداول فيه يكاد يكون موحدا وعلى الأقل قريب بعضه من بعض الأول كان حول الإنسية والهوية والثاني كان حول استمرار الرسالة التي انطلقت مع وثيقة 11 يناير 1944 والتي كانت بدورها استمراراَ لرسالة الحركة الوطنية المغربية منذ النشأة ولم يكن الحديث في كلا المناسبتين بعيدا عن هموم الشباب وهموم عامة الشعب المغربي، فمن خلال ما تعرفه الأوضاع في البلاد العربية والإسلامية، وبروز موضوع الهوية بشكل قوي أثناء هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الشعوب العربية والإسلامية، ومحاولة الكثيرين أن يركبوا موجة الأحداث لنفث السموم، وإذكاء نار الفتنة: عرقية ومذهبية ودينية. فقد كان النقاش في المناسبتين يدور حول الهوية وعناصرها التي أصبحت هاجسا لدى الكثير من المواطنين، وليس في الأمر غرابة، لدى الخوف من ترديد بعض الكلمات ورفع بعض الشعارات من لدن عناصر متطرفة هنا أو هناك أن يفضي ما يحدث حاليا إلى حروب أهلية بسبب الهوية أو استغلال مدلول الهوية من لدن المتربصين، هذا الخوف لدى فئة من الناس يبعث على السعي الدءوب لإبراز عناصر التلاقي والتفاهم بين الناس وبالأحرى بين المواطنين والتأكيد على، أن في العناصر المتعددة للهوية ما يقوي أواصر التآخي والتعاون أكثر ما فيها من عناصر الشقاق والصراع.
فقد ساهمت في النقاش الذي أثير بصفة خاصة حول موضوع العلاقة بين الأمازيغ والعرب في المغرب العربي، وهذه العلاقة التي كانت باسمرار نقطة ارتكاز بث سياسة فرق تسد لدى المستعمرين، ومن تغذى بثقافته الاستعمارية أو اختار الجانب السيء من هذه الثقافة الرامية إلى المحافظة على النفوذ الاستعماري وصيانة مصالحه الاقتصادية والثقافة، واللغوية على حساب اللغة العربية واللغة الأمازيغية ولاسيما وقد أصبحت اللغة الأخيرة لغة رسمية، ومن خلال هذا النقاش يثار دائما موقف حزب الاستقلال وعلال الفاسي بالذات، ولذلك رأيت أن يكون حديث الجمعة اليوم مواصلة للنقاش في الموضوع وذلك من خلال استحضار حديث سبق للعلم الغراء، نشره منذ سنوات مع التعديل والتحيين والضروريين وذلك وفاء لما التزمت به لبعض الإخوان من خلال الأخذ والرد في الموضوع:
********
الغرب العربي والمجتمع المندمج
جاء الدستور الجديد المصادق عليه في فاتح يوليوز 2011 كما أسلفنا بشيء جديد ومهم في موضوع الهوية، وقد كان واضحا من خطاب جلالة الملك يوم تاسع مارس 2011 عندما تحدث عن الهوية وروافدها المتعددة والإشارة قي نفس الخطاب إلى دسترة اللغة الامازيغية ان التوجه الجديد للمملكة المغربية هو نحو دسترة التعدد اللغوي في المغرب وجعل الواقع الذي يعيشه المغاربة أمرا مؤصلا دستوريا حتى لا يشعر احد بأنه غير آخذ مكانته وحيزه ضمن الوثيقة الدستورية، ومما لاشك فيه ان المغاربة طيلة قرون وبصفة خاصة عندما اعتنق سكانه الأصليون الامازيغ الإسلام لم يكونوا يشعرون ان وضعهم الديني الجديد ولا التعامل باللغة العربية دينيا وإداريا ينال من شخصيتهم وذاتيتهم التاريخية والعرقية إذا صح ان هناك فروقا بين الامازيغ والعرب، وإنما اندمج الامازيغ في وضعهم الجديد وتصدروا المشهد السياسي والثقافي والحضاري للمغرب، وهذا الاندماج لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء لإثباته، فلعل أهم الدول التي عرفها المغرب في حقبة ازدهاره العلمي والحضاري والجهادي والامتداد في مجالات متعددة هي المرحلة التي كان فيها الامازيغ يتولون تدبير شؤونه ويقودون السياسة العلمية والثقافية فيه.
الأوهام وتضخم الذات
ولعل ان يكون من المناسب التذكير ببعض القضايا التي قد نسيبها بعض الناس في غمرة ما يعيشون من أحداث، وما يروج في أذهانهم من أوهام وتخرصات وما يراودهم من أحلام اليقظة وتضخيم الذات، وإعطاء النفس دورا أكثر من الواقع الذي تعيشه.
أجل لقد كان المرابطون من اكبر الدول التي عرفها المغرب، ولا يزال الناس يناقشون هل كان يوسف بن تاشفين يعرف العربية؟ أولا يعرفها ولا يزال حكم بعض النقاد العرب الذين يستهويهم الشعر يقفون موقف النقد الجارح تجاه هذا الملك العظيم لموقفه من الشاعر الملك المعتمد بن عباد، وليس الهدف هو الدخول في هذا النقاش ولكن الهدف هو التذكير بأن الثورة المرابطية لفائدة الإسلام دينا وثقافة وحضارة لا يمكن لأي كان إلا أن يقدرها حق قدرها فهي التي استطاعت ان تعطي خمسة قرون جديدة للوجود الإسلامي في الأندلس ولم يخطر ببال المرابطين ملوكا وعلماء ومجاهدين ان ينفصلوا عن العربية لغة ولا عن الإسلام دنيا وإنما كانوا السادة والحامي والمدافع عنهما.
ثورة فكرية
ولم يكن الأمر في الدولة التي جاءت من بعدهم وهي الدولة الموحدة مختلفا فالثورة الفكرية والتجديد الديني الذي جاء به الفقيه السوسي محمد بن تومرت والارتكاز على التوحيد في الدين وفي السياسة وفي المنهج واضح لذى عنين وهكذا دواليك بالنسبة للمرينيين، وإذا كان السعديون إشرافا ينتمون إلى آل البيت فإن توجههم وبيعتهم إنما كانت من لدن القبائل الامازيغية في (تدسي) وبمباركة محمد بن مبارك الاقاوي، وجاء العلويون وهم إشراف كذلك وكان اعتمادهم على الامازيغ وكان كبار القواد والعلماء من الامازيغ وكان هؤلاء العلماء الأفذاذ من الشجاعة ومن العلم بالمكانة التي تؤهلهم للموقف الذي يريدون ولكنهم كانوا دائما سندا وقوة للوحدة وللجهاد وللإسلام. فمن يستطيع ان ينكر دور اليوسي مع المولى إسماعيل وغيره مع بقية الملوك.
الالتزام اللغوي
ولم يكن التزامهم بلغتهم الامازيغية والكتابة بها مما يبعدهم عن خدمة اللغة العربية والتأليف فيها وكتابة القصائد ودواوين الشعر والنثر، هكذا كان الامازيغ دائما لم يشعروا في وقت من الأوقات بغبن ولادونية ولا كانت لديهم عقدة نقص.
فكيف تبدل الأمر وتغيرت الأحوال؟
ان هذا السؤال نجد جوابه في الدور الذي لعبه المغرب في الدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة وفي الصراع الذي خاضه باستمرار مع الجيران في الشمال ثم معهم عندما بدأوا يزحفون نحو إفريقيا فكان لابد من شيء ما، هذا الشيء ما هو الذي يجب ان لا نخشى من ذكره ولا من الحديث حوله لأنه جزء من التاريخ، والتاريخ لابد ان يذكر.
لماذا التجني؟
وقد تسأل كذلك ولم ذكره الآن؟
عن هذا نجيب لقد اتخذ البعض من النقاش الدائر حول الدستور وتعديله ومواقف هذا الطرف أو ذاك من هذه الجزئية أو تلك أو من هذا المبدأ أو ذاك أو من هذه القضية أو تلك، والذي يهمنا اليوم هو قضية ترسيم الامازيغية في الدستور المعدل، حيث انقسم الناس حولها بين من يرى دسترها لغة وطنية في المرحلة الأولى ريتما يتم تأهيلها، وبين من يرى ترسيمها أولا ثم تأهيلها بعد ذلك ولكل حجة ولكل مبرر، ونحن هنا لن ندخل في النوايا ولا في الخلفيات الأيدلوجية لأننا لا نريد الدخول في خلجات النفوس عن هذه القضية بدأ بعض الناس يبرزون موقف حزب الاستقلال وهم يصطنعون الخصام معه، أو مع زعيمه أو أحد قادته ويحضرني هنا ما قال أحد الصحافيين البارزين في بداية الستينيات لأحد الإخوة الاستقلاليين الذي عاب عليه ما ينشره من شائعات حول الزعيم علال الفاسي وحزب الاستقلال فقال له إنني أريد أن أبيع الجريدة واسم علال الفاسي اسم يجلب القراء للجريدة وليس لي موقف عدائي أو مبدئ معه، وكذلك بعض الناس اليوم يصطنعون الخصومة مع حزب الاستقلال وقد يكون في قلوبهم زيغ أو مرض أو قد لا يكون وان كان سياق الكلام يفصح عما في النفس، لعلهم يكون لهم رواج ووجود في الساحة الإعلامية وحزب الاستقلال وقادته يقولون لهؤلاء الناس ما قاله الشاعر العربي لمن كانت تغتابه: (لخولة من أعراضنا ما استحلت) ولا نقول لهم ما قاله الشعراء الآخرون مثل ما قال المتنبي والذي استعمله المعري لاغاضة احد الأشراف ذوي النفوذ في عصره.
حزب الاستقلال والامازيغية
ونعود إلى موقف حزب الاستقلال من الأمازيغية والقضية برمتها:

أولا: الموقف من السياسة الاستعمارية
إن الحركة الوطنية الممثلة في حزب الاستقلال عندما وقفت الموقف الشهير والمعروف من ظهير 16 ماي 1930 كان موقفا لصالح الامازيغ والامازيغية ولصالح المغرب ووحدته، لأن الحركة قاومت “السياسة البربرية” ولم تقاوم العناية بالامازيغية والأعراف الاماريغية إذ لم يكن المستعمر يريد الخير فيما أقدم عليه لا للامازيغ والامازيغية ولا للعرب أو العربية ولاشك ان أشغال تحضير الظهير والسوابق التشريعية للظهير في الجزائر والتشريعات الاستعمارية في المغرب منذ 1914 توضح الهدف لدى المستعمر من وضع هذا الظهير ولذلك كان الامازيغ في مقدمة من قاومه والتاريخ لا يكذب ولو حاول البعض تجاهله.
علال الفاسي والدفاع عن الجذور
وأجدني هنا مضطرا للتذكير بموقف علال الفاسي بالذات في الدفاع عن الامازيغ ومكانتهم ودورهم التاريخي والحضاري في مجمل ما كتب من أبحاث ودراسات وقصائد وفي هذا السياق لابد من الوقوف على بعض الفقرات من تمهيد كتابه (الحركات الاستقلالية في المغرب العربي) حيث كتب يقول:
«ولقد أنكر جوتيه على المغرب العربي حتى اسمه التاريخي، وهذا أشد ما يمكن من المغالطات فقد عرف المغرب من قبل أن يعرف الأفرنج ببلاد أمازيغ أي الوطن الحر، وعرف سكانه أسلاف البربر بالإمازيغن، ومعناها الرجال الأحرار، وهذه التسمية وحدها دليل على الروح التي كانت تملأ أسلافنا الأولين من حب للحياة الحرة في وطن حر».
الأسلاف والجدد
وإنني أضع تحت هذا السطر خطا واضحا فعلال الفاسي يعتبر الأمازيغ أسلافا وجدودا له ولغيره من المغاربة ولا يمكن أن ينتقص من جدوده وأسلافه إلا عاق وما عهدْنا علال وعَهِدَهُ غيرنا إلا بارا بوطنه ومواطنيه ثم يقول:
“ولقد أطلق القدماء المصريون على هذه البلاد (أمانتي) أي عروس المغرب، وسماها اليونانيون بالهيسبيريا أي المغرب، ومن هنالك أطلق العرب والساميون قاطبة عليها اسم المغرب”.
إذن فقد كانت دائما المغرب وكانت دائما بلاد الأحرار.
البربر الامازيغ
ويضيف علال الفاسي حول تعليل ابن لخلدون للتسمية فيقول:
“ولكن الأمازيغ عرفوا بعد ذلك باسم البربر، ولقد حاول ابن خلدون أن يعلل ذلك باستعجام الكنعانيين لهم، وحاول غيره أن يعلله باستعجام الرومانيين. وسواء صح هذا أم لم يصح فإنه يدل على أن كلمة البربر كانت تدل في لغة الكنعانيين والرومانيين على العجمة أو الكلام غير المفهوم بالنسبة إليهم”.
علال الفاسي لن يقبل بهذا التعليل ويرى عكس ما يراه غيره فهو يقول:
وعندنا أن هذا الإطلاق كان سابقا، وان وجوده هو الذي كون الكلمة في اللغة الرومية أو الكنعانية إن صح ما يدعيه الباحثون. وإذن فما أصل كلمة البربر؟…
أهل الكلمة
“يروي المؤرخ مومسان في كتابه تاريخ الرومان ( فصل 17 جزء أول) أن من الأغاني الدينية القديمة في روما التي كانت تصحب رقص الكهنة على شرف مارس إله الحرب هذه الأغنية:
( (Sautur tu fere Mars, Limen Sali ! Sta ! Berber
ليكتف مارس الجبار. ارقصوا على السدد، قفوا ، سيروا.
فكلمة بربر تدل على السرعة والمسير، وقد عرف في كتب العصر الأول أن المؤرخين أطلقوها على البرابرة المقيمين على شاطىء النيل. ويقول رينان:
إن عائلة من الشعوب الناطقة بالبربرية كانت تمتد من مصر وحتى من البحر الأحمر إلى السنغال، ومن المتوسط الى النيجيريا. ويظهر أن البرابرة والتوارجة يمثلون الليبيين والنوميديين (الرحل) القدماء.
ومن المعروف أنه يوجد في شعب النيل واد يسمى بوادي البربر”.
الإطلاق والعائلة اللغوية
“إذن فالإطلاق ورد على هذه العناصر ذات العائلة اللغوية الواحدة من جهة السرعة في كلامها أو إقامتها بشاطئ النيل السريع، أو من حيث إنها كانت تمثل القبائل الرحل الذين يسيرون من محل لآخر، ومن هنالك دخلت في اللغة الرومية والكنعانية. وأيا ما كان فهي تسمية قديمة قبل اليونان وقبل الرومان وأحرى قبل العرب الذين استعملوا هذا الاسم أيضا قبل الفتح الإسلامي على خلاف ما يزعمه بعض المؤرخين، فقد جاء في شعر امرئ القيس هذان البيتان:
على لاحب لا يهتدي بمناره
علي كل مقصوص الذنابي معاود
إذا سابه العود النباطي جرجرا
بريد السرى بالليل من خيل بربرا

الوحدة والحضارة الأمازيغية
ثم بعد هذا يستنتج علال الفاسي عناصر الوحدة والدور الحضاري للامازيغ، “وهذا الاشتقاق اللغوي وحججه تدلنا على ما هو أعظم من ذلك، وهو وحدة هذه العناصر التي تقيم فيما بين البحر الأحمر والمتوسط وتمتد بالسنغال والنيجيرياز وهذه العائلة الإفريقية هي التي امتازت بحضارتها وحبها للحرية ونضالها في سبيل العزة والكرامة.
ولسنا نريد أن نتكلم عن الحضارة المصرية وآثارها، فإنها شيء لا يناقش فيه أحد، ولكن الذي لا يعترف به المستعمرون هو الحضارة المغربية مع أنها كانت موازية لحضارة مصر ومشاركة في تكوينها”.
ويناقش علال الفاسي رفض الامازيغ للغة المستعمر على النحو التالي يقول أنهم يرفضوا المستعمر ولغته ويأبون استعمالها ولو عرفوها، فقد ذكر المؤرخ المغربي اليوناني لوسيوس ايبيليوس أثناء تحدثه عن ذهنية الأهالي الذين يرفضون التردد على المدارس اليونانية، ويقول عن أحدهم: ( إنه لا يتكلم إلا الفينيقية، وأحيانا اليونانية التي تعلمها من أمه، أما اللاتينية فلا يعرفها ولا يريد أن يتعلمها).
رفض اللغات وقبول العربية
ويقول شارفيريا: « إن الفينيقية بقيت هي اللغة المستعملة في أغلب الأوساط حتى التي حسب أنها تأرومت جدا»، ويقول جوتيه: « إنه إذا كان البربر قد استعربوا بسهولة فذلك على ما يظهر لأنهم لم ينسوا قط الفينقية ». ويرى الجنرال بريمود في كتابه البربر والعرب عن جوسيل في تاريخ أفريقيا الشمالية القديم ما يأتي:
«إن العربية ذات رحم مع الفينيقية، ولذلك أمكن بسهولة أن تحل محلها»
ونحن لا يهمنا من هذا إلا إثبات شيء واحد هو سهولة تغلب النفوذ السامي أو الشرقي على النفوذ الأوربي أو اللاتيني (ولا أريد أن أقول الغربي لأنني أعتبر الساميين قاطبة في عداد الغربيين) في بلاد إفريقيا الشمالية، وذلك بدون شك لأن الساميين لم يكونوا فاتحين وإنما كانوا فارضين وجودهم ضمن العائلة المغربية التي سرعان ما نسيت هذا الفرض أولا وتآخت معهم إذ معهم إذ وجدت فيهم كل ما تحس به من عواطف وصفات متماثلة.
احتلال دون تأثير لغوي
وعلى العكس من ذلك فإن الفتح اللاتيني وإن استمر خمسة قرون كاملة فإنه لم يستطع أن يغرس لا في البلاد ولا في نفوس المغاربة أثرا ما. وليس ذلك لعلة الشرقية والغربية على ما نرى، ولكن لأن روما لم تكن تهتم بأكثر من الاستعباد واستغلال المواطنين وابتزاز خيراتهم فهي التي كانت تأخذ من البلاد المفتوحة دون أن تعطيها شيئا، فأسباب الفشل هي من طبيعة الرومانيين المستعبدة التي لا تقدر مهما عظمت قوتها أن تمس القوة المعنوية للذين يؤمنون بأنفسهم ويستميتون في سبيل الحرية والوحدة.
الوطنية المغربية متجذرة
ولقد حاول بعض المؤرخين المستعمرين أن يؤكدوا نجاح روما في إفريقيا الشمالية ولكن الدلائل التاريخية كلها مجمعة على أن الفشل كان حليف السياسة الرومانية في المغرب العربي. وبعد أن يستعرض مظاهر فشل روما في جلب الأمازيغ إليها يقول في شأن وطنية المغاربة الأمازيغ واعتزازهم بأنفسهم:
فالقومية المغربية موجودة منذ القديم فيما قبل الإسلام وبعده مبثوتة في كل الآثار المغربية التي سلمت من عوادى الدهر، وإنك لتجد في كتب ابن جبير وابن خلدون وفي شعر ابن هانئ متنبيء المغرب وغيرهم، من الأدلة الواضحة على تمسك المغربي بوطنه، وحبه لبلاده، وتفضيله لها حتى على الأوطان الشقيقة ما لا تجده في آثار أدباء الأمم المعاصرة لهم، وهذه الروح القومية هي التي دفعت بأمتنا للاستبسال في سبيل الذب عن كيانها طيلة العصور الوسطى الأوربية كلها، خصوصا وقد توالت عليها هجمات عديدة من دولتين شديدتي التعصب هما اسبانيا والبرتغال.
واليوم وقد تألبت دول الاستعمار الأوربي على العالم العربي والإسلامي جمعية وكانت أقاليم المغرب العربي في مقدمة من نكب بهذا الاستعمار، فقد سجل أيضا في تاريخه الحديث ما لا يقل عن بطولة أسلافه الذين قاوموا الفاتحين الأولين وصمدوا في وجوههم برغم ما لهم من قوة وما عندهم من بأس.

ثانيا: الإنسية المغربية
إن علال الفاسي لم يكتف بما كتبه وما وضحه حول الهوية والامازيغ ولكنه وجه نداء في عام 1970 في محاضرته حول الإنسية المغربية للمغاربة ليقوموا بالمطالبة بتاريخهم الحق والدفاع عنه وعن وجوده في المناهج التربوية ولعل الذين يجادلون ويختلقون لا يقرؤون أو لا يريدون ان يقرؤوا وإلا فما كتبه علال موجود ومتداول بين الناس. ونحن نذكر به ونأتي بالنص الرائع في هذا الموضوع حيث قال:
والمغرب كأمة مسلمة لها في جاهليتها من التطور الحضاري ما يعطيها الحق بأن تطالب بإنسيتها قبل الإسلام، التي تجلت في كفاح ملوكها للحفاظ على الجنس والقومية، ونضالها الدائم للذين يحاولون احتلالها وفي هذا التعشق الكامل للحرية الذي جعل من شعبنا شعب الأمازيغ، وفي حسن تقبلها للتعاون مع فنيقية وامتزاح بها، وفي بوكاس ويوجورثا وحنبل، وفي القديس اوغستان والكاهنة ما مهد السبيل لطارق وأمثاله من أبطال المغرب المسلمين.
فحينما جاء الإسلام ارتضته امتنا دينا وارتضت العربية لغة لها. وأصبحت عبقرية المغاربة تمتزج بالعطاء العربي الإسلامي وتكون امتدادا لروح الإنسية المغربية، القائمة على العناصر الثلاثة التي ذكرناها.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني