وقف إطلاق النار في سوريا ورهان تحقيق التسوية السياسية بالسرعة المطلوبة

الحسين بوخرطة
ما من شك أن الانشغال اليومي للمتتبعين لأوضاع منطقة الشرق الأوسط سيكون منكبا أكثر على التطورات السياسية والعسكرية ما بعد اتخاذ قرار وقف إطلاق النار في سورية. فبالرغم من الكتابات التي تصف الوضعية ما بعد هذا القرار بالهشة، تعطي تحركات كل من أمريكا وروسيا الانطباع وكأن الهدف الأساسي بالنسبة لهما (الهدف البركماتي) هو الحرص على تحقيق شروط إعطاء الانطلاقة لمفاوضات جدية تفضي إلى بلورة أرضية سياسية متوافق في شأنها، أرضية تكون المنطلق الأساسي لبناء الدولة السورية على أساس ديمقراطي. لقد توالت إصدار التصريحات الدبلوماسية، وكأنها مدروسة، وكأنها تهدف إلى إخراج الملف السوري من عنق الزجاجة على أساس تسويات سياسية بمنطق جديد. بالفعل، لقد تتبع الرأي العام التصريحات الأمريكية والروسية الأخيرة، وتتبع لقاء لافروف مع الأمين العام للأمم المتحدة، وتوجت الأيام الأولى لما بعد إعلان الهدنة ب”خرجة” إعلامية لبشار الأسد تحمل إشارات على شكل حلول مقتضبة جدا لبداية التفاوض لتجاوز الأزمة. وليس من المستبعد أن يكون ظهوره الإعلامي محطة هامة للتقدم في المفاوضات ما بين القوتين الأمريكية والروسية باتفاق القوى الإقليمية. لقد تم الحديث عن الحل السياسي، وعن إدماج أفراد القوات العسكرية المعارضة، الغير المصنفة في خانة الإرهاب، في الجيش السوري…. موازاة مع هذه التطورات، لاحظنا أن هناك ميول إلى تحقيق نوع من المهادنة في تحركات الدول المتصارعة إقليميا، ونعني بذلك تركيا والسعودية وإيران. نستحضر هذه الدول دائما في تحليلاتنا لكونهم في الواقع متدخلين استراتيجيا في الشؤون الداخلية للدول المأزومة بشكل مباشر أو غير مباشر تحت ذريعة ما يسمى بالمد الشيعي أو المد السني. كما تجدر الإشارة إلى حدث هام جدا، لا يمكن أن لا نستحضره في هذا الملف، وهو التدخل العسكري الروسي في سوريا. لقد أدى هذا التدخل إلى تعزيز صفوف المحور المكون من النظام السوري وإيران وحزب الله وجزء كبير من الأكراد بقوة دولية (روسيا) أرغمت المعسكر السني على إعادة حساباته بتنسيق مع حلفائه. كما اعتبر المتتبعون أن نتائج محطة انتخاب البرلمان ومجلس الخبراء في إيران قد يكون لها وقع جديد على مسار المفاوضات في اتجاه تخفيف الصراع العقائدي في المنطقة. لقد تم استبعاد سيناريو التدخل البري في سوريا، وقل الحديث عن إقامة منطقة عازلة ما بين الحدود التركية والسورية، وعن خيار تسليح المعارضة بأسلحة نوعية، ولم ينجح أردوغان في إقناع حلفائه في شأن تصنيف الحزب الديمقراطي الكردي كمنظمة إرهابية تشكل امتدادا للحزب العمالي الكردستاني، ولم تتفق روسيا مع أمريكا على فكرة عدم إدراج جبهة النصرة استراتيجيا في خانة العدو الإرهابي، وارتفعت النفقات العسكرية للمملكة السعودية في مرحلة تعرف فيها عائدات بيع الطاقة البترولية انخفاضا ملموسا، وطال أمد التدخل العسكري العربي في اليمن، وازدادت آفة التهجير في اتجاه الحدود التركية حدة، وتأزمت الأوضاع في اليونان بفعل الحشود المتزايدة للاجئين، وازدادت حدة الخلاف ما بين الدول الأوروبية في شأن التعامل مع هذا الملف الإنساني الشائك….
وختاما نقول، فإذا تم التسليم دبلوماسيا بضرورة الدخول في مرحلة جديدة في سوريا بدون خيار الإطاحة برأس بشار الأسد، فإن من حق الشعب السوري أن يبني نظاما لا يعاديه، نظام ببنية جديدة وجيش نظامي وقوات أمنية في خدمة الوطن. إن الوصول إلى هذا المبتغى في إطار منطق “رابح-رابح” يبقى إلى حد بعيد مرتبط بنجاح المفاوضات المقبلة، وبالتالي تجنب السقوط في وضعية اضطرارية، ستكون لا محالة أكثر خطورة، لكونها ستدفع القوى المتصارعة إلى تغيير استراتيجياتهم السياسية والعسكرية كتنفيذ ما سماه جون كيري بخطة “ب” بدون الإعلان على مضامينها. وعندما نتحدث على النجاح، نعني بذلك الوصول إلى الاتفاق على دخول سوريا إلى مرحلة جديدة بحكم انتقالي وطني. إن الشعب السوري في أشد الحاجة آنيا إلى حكومة وحدة وطنية قوية تسهر، بدعم دولي وإقليمي، على إعداد دستور جديد، وعلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة وشفافة. فعندما يتم الحديث عن جدية المفاوضات، لا يمكن وصفها كذلك ما لم تستحضر حق شعوب المنطقة في الديمقراطية والتنمية والتحديث الثقافي، حق بركماتي مستحق وليس مثالي. وأعتقد هنا، أن الوصول إلى النتائج المعبرة عن هذا التوجه، سيكون بمثابة محطة أساسية زاخرة بالمكتسبات التي بإمكانها أن تكون الأساس لتحقيق نجاحات أخرى، وعلى رأسها عقد قمة للجامعة العربية بمنطق البناء. إنه المنطق الذي لا ولن يترك مجالا للتواطؤ ولا للمجاملات ولا لإصدار القرارات مستعصية التنفيذ. إن النجاح في حل أزمات سوريا واليمن وليبيا ولبنان… يجب أن يفتح المجال لعهد عربي جديد، يعي أهمية المصالحة الدينية ما بين السنة والشيعة، ويستحضر بذلك أهمية فتح المفاوضات مع إيران في شأن التعاون والتكامل الاقتصاديين…..


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني