تعليمنا .. وحتى لا يصبح إصلاحه سياسويا

عبد اللطيف مجدوب

الواقع والآفاق

تكاد معظم الأسر المغربية ؛ التي يربو تعدادها على 7 ملايين أسرة ؛ تتحرق ألما على المستقبل التعليمي لأبنائها ، وقد عايشتْ نتائج سلسلة “تجارب” ، حتى لا نسميها إصلاحات بالمفهوم العلمي للإصلاح .. تجارب من التعريب ، والفرنسة وما واكبهما من تدخلات لتدريج التعليم ( اتخاذ الدارجة لغة التعليم ) تارة ، وتمزيغه طورا آخر ، وكأن مصير أجيالنا بات حقل تجارب ، وما كلف ذلك خزينة الدولة من فاتورة باهظة تذهب سدى .. !
هذا وإن أجيالنا التعليمية ؛ حاليا ؛ تعيش على وقع مجموعة من المفارقات تمتد بين مجتمع مأزوم ، وتواصل إعلامي متطور ، وأسرة تخلت عن دورها التربوي ، وأخيرا مؤسسة تعليمية ما زالت تركن إلى السبورة والطباشير والكتاب كأدوات تعليمية لها .

شواهد وإثباتات

ما زال الرأي العام المغربي عامة والتعليمي خاصة مشدودا إلى مبالغ الإنفاق المالي الذي ابتلعه البرنامج الاستعجالي ، وتداعياته على سياسة تدبير الميزانيات ، وترشيد نفقاتها . وقد وقف المجلس الأعلى للحسابات ؛ وعبر افتحاصه لميزانيات معظم الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين على اختلالات مالية في حجم مئات الملايين من الدراهم ، هذا عدا المصالح المركزية للوزارة ذهبت هباء من غير أن يكون لها ذكر أثر على المؤسسة التعليمية ومناهجها باعتبارها المستهدفة من البرنامج ومن خلالها التلميذ . وقد لا يعتبر غلوا ؛ في التحليل والتقييم ؛ إذا ألححنا على سياسة التدبير المالي .. وترشيد النفقات كقضية مركزية في صلب ما تعانيه المنظومة التربوية بالمغرب وما تعرفه ـ هذه الأخيرة ـ من تقاطعات فارقية كفرنسة التعليم ، وتعريبه ، وأحيانا المناداة جهارا بضرورة تدريجه أو تمزيغه .. !
والباحث ؛ وهو يستعرض كرونولوجيا إصلاح التعليم ؛ يكاد يقف على خلفية سياسوية ، تحرك إرادة الإصلاح ، سيما في الآونة الأخيرة ، وهو ما يمكن الوقوف عليه جليا من خلال السجالات ومحاضر الجلسات والمقارعات التي خاضها أعضاء المجلس الأعلى للتعليم والبحث والتكوين .

المناهج التعليمية والتحديات التكنولوجية المعاصرة

مناهجنا التعليمية ؛ في الفترة الراهنة ؛ ما زالت تكرع من منابع آسنة ، تعتمد السبورة والطبشورة والكتاب والأستاذ كأطراف تعليمية في العملية التعليمية التعلمية ، كما أن تقويم التعلمات من قدرات ومهارات ؛ لدى التلميذ / الطالب ما زالت تتبنى معايير كمية كتخزين المعلومات واسترجاعها خلال دورات المراقبة التربوية المستمرة ، والاختبارات .. وهكذا وجد التلميذ/الطالب نفسه مثقلا ومحاصرا بين فروض تلزمه بتقيؤها أثناء الامتحانات وبين سيطرة واقع تواصلي تكنولوجي متطور ؛ من خلال الهواتف والألواح الذكية ؛ فلم يعد يقوى ، ولا تسعفه ذاكرته بالحفظ والتخزين .. فيلجأ إلى وسيلة التحايل ، كلما اقتربت مواسم الامتحانات ، ويأتي على رأسها امتحان البكالوريا كمرحلة انتقالية .. تشهد من الطالب ممارسات “لاأخلاقية” في الغش والتدليس .. وعبر وسائل تكنولوجية جد متطورة يعده لهذا الغرض !

مخرجات تعليمنا والديبلوم المغربي

أضحت مواصفات الأطر الوظيفية ؛ في بلد ما ؛ المعيار الدولي الأنسب لقياس وتمييز جودة التعليم من رداءته … فتوالي انهيار الجسور والقناطر ، وكذا الأبنية ، يمنح الباحث حق التوجه مباشرة إلى إطار “مهندس” في هذا البلد وضحالة التعليم الذي تلقاه ، كما أن الطبيب الذي يرتكب أخطاء طبية فادحة ؛ سواء في التطبيب أو الجراحة ؛ يشي بهزالة التكوين ، والتشكيك في قيمة تكوينه وتعليمه .. ونفس المعيار يمكن انسحابه على طبيب بيطري لقي نجاحا من خلال إعداده استراتيجية لمواجهة حالات نفوق البهائم والدواجن ، مما يؤكد على أهمية التعليم والتكوين الذي سبق له . وقد تم تجميع مهارات هذا المعيار الدولي واختزاله ؛ لدى بعض الدول ؛ في النظر إلى ديبلوماتها والشواهد التعليمية وتصنيفها حسب الدول المنتمية لها .
فنجد مثلا أن الديبلوم المغربي ؛ في مواصفاته الآنية ؛ غير معترف به لدى العديد من المعاهد والجامعات الدولية .. أو يبقى مفعوله ناقصا لا يمكن استكماله إلا بإمضاء فترة دراسية وإعادة التكوين لمدة لا تقل عن سنتين .

وهل يجوز لنا التضحية بمصير أجيالنا ؟!

تشكيل المواطن ، وتحديد مواصفاته مهمة يتولاها خبراء في فلسفة التربية ، والتخطيط التربوي ، والمناهج التعليمية ، وعلوم التربية ، والتاريخ … وليست قطعا مهمة في يد السياسوي الذي ينظر إلى الأهداف بمنظار المصالح الفئوية الضيقة ، أو المدفوع بإثنية متوغلة في العنصرية وتجزيء المجتمع الواحد ، أو تمليه عليه مصالح آنية أو نزوة عابرة .
فتركيبة المجلس الأعلى للتعليم والبحث والتكوين تضم تيارات متنافرة تحركها نزعات سياسوية إثنولوجية واضحة ، ويغيب عنها ؛ في العمق ؛ مصير ومستقبل أبناء المغاربة كوحدة مجتمعية غير قابلة للتجزئة ولا التمييز .

لبنتان يجب التأسيس عليهما في كل إصلاح

من خلال استحضار كل التجارب الإصلاحية التي راكمها المغرب منذ عقد ونيف ، وباعتبار واقع مستوى التلميذ/الطالب ؛ في الفترة الحالية ؛ تتأكد لنا واقعتان أو بالأحرى ظاهرتان :
أولاهما السياسة التعليمية ، والتي تفضي إلى تدبير الميزانية ، وثانيهما الوسائل التعليمية المعينة . فتدبير الميزانية تقتضي وجود سياسة واضحة المعالم ، وشفافة في ترشيد النفقات التعليمية ، وهذا بدوره يقود إلى خلق ميكانيزمات دقيقة في عمليات الصرف المالي ، بشراكة عدة أطراف من المجتمع المدني ، من منتخبين وفاعلين جمعويين ، وأحزاب ونقابات ونشطاء في المجال التربوي ، مع خلق لجان محايدة ؛ وبنفس التركيبة ؛ يعهد إليها بافتحاص اللوائح ، والمخازن ، والحسابات ، وتقييم حجمها في ضوء المخرجات التعليمية الذي هو التلميذ بمواصفاته .. إلى أي مدى كان أثر هذه المصروفات/المدخلات المالية خاصة على مستواه التعليمي والمهاري ككل باديا وفاعلا ؟
أما اللبنة الثانية ؛ فهي بمثابة الدعامة الأساس لبناء مناهج تعليمية في مستوى الواقع التكنولوجي الذي يزخر به قطاع التواصل الاجتماعي ، مع ضرورة القطع مع الأساليب التعليمية البالية التي كانت تتخذ من السبورة والطبشورة والكتاب المدرسي عنوانا لتعليمنا ، والذي أصبح يواجه تحديات لا مناص له من مواجهتها .
هذه الدعامة تحيلنا على إمكانية ربط المؤسسات التعليمية بشبكة الأنترنيت ، وإحلال السبورة التفاعلية محل السبورة الخشبية ، وتحويل طاولات التعليم إلى خلايا البحث والنقاش ، مع التركيز على التعليم الوظيفي (البارغماتي) ، والمهاري ، والتوجه إلى التعليم الكيفي في بناء ذاكرة التلميذ/الطالب بدل حشوها بمعلومات ليتقيأها ساعة الامتحان .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني