بان كي مون، ضوابط الأمانة الأممية، وحق الشعب المغربي في استكمال وحدته الترابية

الحسين بوخرطة
والعالم يعيش مرحلة الانفتاح واقتصاد السوق وتشكيل المجموعات الاقتصادية الكبرى، عرف شهر مارس 2016 حدثا مقلقا جدا، أرجعنا إلى مصطلحات الحرب الباردة التي شاعت زمن قبل تحطيم جدار برلين. إنه حدث تصريح تراجعي لأمين عام يقود أكبر مؤسسة دولية مختصة في حفظ الأمن والسلام في العالم. لقد خدش هذا الرجل كل ما راكمته دول العالم أمميا من تراكمات في حل النزاعات ما بين الدول. فبعدما عاشت الكرة الأرضية ويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، استطاعت هذه المؤسسة من تنمية منطق جديد لمعالجة النزاعات في العالم على أساس الحياد والدفع بالمفاوضات إلى الأمام. بفضل هذه المؤسسة، تمكن الشعب الألماني، في شرق وغرب حائط برلين، من إسماع صوته إلى كل أمم العالم، واستطاع من تمكين بلاده من توحيد ترابها وحماية سيادتها من جديد، لتصبح اليوم من الدول القوية أوروبيا إلى جانب انجلترا وفرنسا.
المغرب بدوره، البلد المغاربي ذو الجذور التاريخية القديمة، استطاع بقوة وبسالة شعبه من تحقيق الاستقلال مبكرا، وقدم الدعم الكبير، البشري واللوجستيكي، لجارته الجزائر، وبدون شروط، لتحرير شعبها الشقيق. وبعدما تم اعتبار تحقيق الاستقلال الجزئي جهادا أصغر، انتقل الشعب المغربي، بقيادة ملوكه، إلى الجهاد الأكبر، حيث تجند بكل الوسائل وبروح وطنية قوية لتثبيت استقلاله السياسي واستكمال وحدته الترابية. لقد فتح منذ البداية ورشين هامين يتعلق الأول ببناء المؤسسات الديمقراطية، والثاني باستكمال وحدته الترابية في الجنوب. لقد عبر هذا الشعب الأبي بكل مكوناته، المجتمعية والمؤسساتية، على نضج كبير في التعاطي مع قضاياه المشروعة تاريخيا. لقد صنف العالم المسيرة الخضراء في خانة المبادرات العالمية المعبرة على التشبث بالسلمية في المطالبة بالحقوق الشرعية. لقد شبهها المتتبعون في العالم بأسره بمسيرة الملح التي قادها المقاوم الهندي غاندي. لقد صدر حكم تاريخي منصف للقضية الوطنية من المحكمة الدولية في لهاي. وباتفاق مع الجارة إسبانيا، تم تحرير الساقية الحمراء وواد الذهب، واستمر المغرب منذ ذلك الحين في تهيئة بلاده وتجهيزها من طنجة إلى لكويرة في إطار سياسة محكمة لإعداد التراب الوطني تستند على أساس حقوقي في الدرجة الأولى. لقد أعطيت دائما الأسبقية للأقاليم الجنوبية في إطار الوصول إلى تحقيق توزيع متكافئ للتجهيزات المهيكلة والأنشطة الاقتصادية بين مختلف جهات المملكة.
وبالرغم من الثوابت التاريخية لحق الشعب المغربي في استكمال وحدته الترابية، لم ترفض الدولة المغربية فكرة إجراء استفتاء تأكيدي لهذا الحق. وبفضل أسلوبه الحواري، وتشبثه الدائم بالسلم والأمن في الدفاع على قضاياه المشروعة، استطاع إقناع أغلب القيادات المؤسسة لما يسمى بالبوليساريو بالعودة إلى وطنهم، والإسهام بدون قيد أو شرط في تنميته وتقوية نسقيه السياسي والاقتصادي. وفعلا، لقد شكل هؤلاء القادة قيمة مضافة كبيرة ساهمت في المسار التنموي المغربي في كل مجالاته. لقد اقتنع هؤلاء القادة أن شروط الانفصال لا وجود ولا مبرر لها، وأن الحرب الباردة التي تصارعت من خلالها فكرتي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (الرأسمالية) والملكية العامة لوسائل الإنتاج (الشيوعية) قد انتهت، ليحل محلها الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والانفتاح والمنافسة والحرية وحقوق الإنسان والتجمعات الاقتصادية الإقليمية. لقد فطنوا في وقت من أوقات الحوار والتفاوض أن الإسهام في نماء وطنهم التاريخي هو الحل الوحيد، وأن الاستمرار في مناوئة حقه في استكمال وحدته الترابية لا يخدم لا مصلحة الصحراويين المغاربة في الداخل ولا المحتجزين في تندوف والحمادة جنوب غرب الجزائر. لقد اقتنعوا وانتفضوا على الأجندة الجزائرية وأوقفوا مسعاها لتصفية خلافاتها الضيقة مع المغرب بالوكالة.
نظرا لقوة الموقف المغربي وأسلوبه الحضاري في التعاطي مع هذا النزاع المفتعل، تأكد للعالم رسميا أن مسألة الانفصال لا سند لها. أكثر من ذلك، لقد اعتبرت القوى الدولية مقترح الحكم الذاتي المقدم من طرف المغرب بالجدي وذا مصداقية، مقترح عزز فلسفته الديمقراطية مؤكدا التزامه وتشبثه، في إطار سعيه الدائم لتقوية علاقته مع الأمم المتحدة، بتقديم كل ما من شأنه أن يساهم في إنجاح الحل السياسي وطي صفحة هذا الملف الوهمي بشكل نهائي.
فبعدما قطع المغرب، صحبة المنظمات الدولية كل هذا المسار، يأتي الأمين العام للأمم المتحدة، الكوري الجنسية، ليتلفظ بعبارة خارجة كليا عن سياقها التاريخي وليس لها أي سند سياسي. لقد أبان من خلال هذا الحدث أنه بعيدا كل البعد عن مستلزمات المهام الأممية، وأعطى الانطباع وكأنه مناوئ للقضية الوطنية منذ البداية. لقد أعطى الانطباع كذلك وكأن سكوته واعتماد المناورات التكتيكية من حين لآخر، كان مجرد خطة دوافعها قد تكون مرتبطة أكثر بمصلحته الذاتية، خطة دفعته إلى ختمها بهذه الجولة التي صادفت اقتراب ولايته من النهاية.
إن ما قام به هذا “الأممي” يجب أن يكون دافعا دوليا لطرح مسألة التمحيص في اختيار الرجل الذي يجب أن يقود هذه المؤسسة والموكول له بحفظ أمانتها. لقد اختار، عن قصد بلا شك، إثارة مصطلح “احتلال” وأعلن عن تنظيم مؤتمر بالجزائر للدول المانحة لجمع التبرعات لساكنة تندوف. لقد ضرب هذا “الأممي الأول” كل التراكمات الدولية في هذا الملف عرض الحائط. لقد خرج فعلا عن المألوف وتجاهل مصلحة شعوب المنطقة في التنمية والاستقرار، وتناسى مهام حفظ الأمن والسلام في العالم. وهنا نرى من اللازم التذكير بما يلي، لعل بان كي مون يستدرك هذه الهفوة الخطيرة، ولعله يستطيع الخروج مكرما ومعززا من مهام حمل الأمانة الثقيلة التي كلف بها:
• لقد ضرب هذا الرجل عبر الحائط قواعد الحياد والموضوعية كخاصية أساسية للأمانة العامة للأمم المتحدة، وغامر في التعبير في انحيازه ودعمه الواضح لمعاداة الجزائر للمغرب. لقد حققت هذه المؤسسة مكتسبات هامة في حفظ السلام في العالم بحرص قيادييها الدائم بالالتزام بالوساطة المحايدة واعتماد التفاوض في حل النزاعات،
• لقد تناسى أن عرقلة الحسم في ملف الصحراء المغربية كانت ولا زالت له عواقب وخيمة جراء استفحال العنف والاقتتال في منطقة الساحل وجنوب الصحراء. لقد اعتبر بنفسه فيما سبق أن مخيمات تندوف تشكل قنبلة موقوتة لما لها من ارتباط بالإرهاب والتطرف،
• لقد تناسى الانشغال الدولي بإحصاء المحتجزين، وغض الطرف عن استبداد وعنف قيادة البوليساريو المتبقية هناك وما تمارسه من خروقات حقوقية فضيعة في حق المغاربة المحتجزين في تندوف والحمادة، ولم يعط أي اهتمام للتنديد الأوروبي بنهب أموال المساعدات والاستحواذ عليها،….
وأخيرا لا يمكن لنا أن لا نستنتج أن بان كي مون قد ابتعد عن مسؤولياته الأممية في سياق النظام العالمي الجديد. لقد دفعته الحسابات الذاتية إلى التدخل بدون خطة عمل للتأثير الإيجابي على التقدم في المفاوضات. لقد تناسى الحاجة إلى تقوية التعاون الدولي شمال-جنوب، وأن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم بدون مجموعة مغاربية قوية قادرة على ترحيل التنمية إلى دول الساحل والصحراء ومن تم إلى إفريقيا…. لقد تناسى كذلك ويلات الإرهاب ومخاطر “داعش” و”بوكو حرام”… لقد تورط المسكين ربما في التكتيك الجزائري وتكتيك عبد العزيز المراكشي، وصدرت عنه تصريحات غير مسبوقة ومخالفة لمجلس الأمن. لقد كانت عناوين أداءه الأممي مرتبطة أكثر بتفكيك الدول والمجتمعات في الشرق الأوسط، وظهور ظاهرة التهجير القسري إلى أوروبا، واستفحال ظاهرة الإرهاب والتطرف،… وربما لم يستسغ هذا الرجل، ذو الحصيلة الأممية الضعيفة، الثورة الناعمة والهادئة التي يقودها العهد الجديد بالمغرب في إطار منطق جديد ومتجدد لثورة الملك والشعب….


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني