السخافة

السعيد بنلباه

في الحقيقة لا أعرف لماذا أدور ،وأدور.. وأعود للحديث عن الصحافة بكثير من الحسرة ، والألم على ما بلغه حالها، رغم أنني لست من أسرة الصحفيين المهنيين، على اعتبار أنها ليست مهنتي الأصل، بل أصبت بهوسها، وجعلتها بابا أطرقه علني أساهم إيجابا في المجتمع حيثما حللت وارتحلت.
سبق لي أن كتبت من هذا المنبر في موضوع الصحافة، عنونته ” شيء ما في صحافتنا” وكنت استنكرت استباحتها من طرف من هب ودب، وعبرت عن ذلك بالقول ” .. أصبحت الصحافة مهنة من لا مهنة له” …
في وقت ما قبل غزو المواقع الإلكترونية للمشهد العام ،كان تخوف الصحفيين المهنيين، من هجوم أصحاب رأس المال على المهنة، من خلال إنشاء مقاولات صحفية ورقية وتحويل الصحفيين إلى أجراء يركضون في الأوتوستراد ،ولا دوران لهم لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، ولا الرجوع إلى الخلف…
أين نحن من ذلك التخوف من هيمنة المال على المقاولة الصحفية…؟!
لا أدري من هي الجهة الرسمية أو غير الرسمية التي بمقدورها الآن عد عدد المواقع الإلكترونية الموجودة حاليا والتي تتزايد على مدار الساعة،، والتي توزع بطاقاتها..يمينا ويسارا..كما توزع ملصقات الصحافة…التي تزين بها واجهات المركبات الخاصة ..ففي كل مدينة تجد عشرات المواقع الإلكترونية…منها التي تشتغل بطاقم مؤلف من شخص واحد هو صاحب الموقع..هو المدير، ورئيس التحرير، والمصور…و..و..و…ومنها التي تشتغل بطاقم متعدد لكن بنفس الأدوار…رغم اختلاف تسمياتهم المهنية.. حتى أنه إذا فقد صاحب دراجة غير نارية توازنه بأحد الأزقة وسقط في إقليم ما أو مدينة ما، أو مدشر ما..تجد الفريق كله.. بالمصورة الرقمية ..والميكروفون..وهلم آلات…ينتقل إلى موقع الحادثة..وقد يجد المتلقي نفسه كما لو أنه أمام موضوع آخر بعيد كل البعد عن حادثة الدراجة الهوائية؟..
حتى أن عددا من المواقع الإلكترونية لا يمكن تمييزها عن بعض صفحات الفايسبوك… من حيث اللغة والأسلوب المستعملين…
هذه التخمة في الإعلام الرقمي.. المجسد في المواقع الإلكترونية.. المحسوبة صحافة….ظلما وعدوانا، لا يمكن إلأ أن تؤثر سلبا على المشهد الصحفي… فباب الصحافة مفتوح على مصراعيه بلا مقدمات أو أصبح بدون أبواب أصلا..كل من يريد، يستطيع أن يصبح صحفيا.
ومن يريد يستطيع أن يصبح كاتب رأي…”بلا سوال” بل هناك جهات تشجع مثل هذه الأمور الشادة… لضرب العمل الصحفي الجاد من الداخل … والنتيجة أننا كل يوم نصبح على متابعة مدير جريدة إلكترونية بهذا الإقليم أو ذاك … بتهمة الارتشاء، أوالابتزاز.. أو بيع الذمة… بل إن أي صحفي أو مراسل أصبح متهما حتى يثبت براءته.. وكل صحفي أو مراسل … جاهزة تهمته النمطية.. باستغلال قلمه لبلوغ منافع شخصية…
قبل أيام سمعنا عبر جرائد إلكترونية ، أن مدير جريدة إلكترونية بمدينة المحمدية تم تسجيله يساوم على حذف مقال نشره ضد سيدة والمبلغ المطلوب 3000درهم، وصحفي آخر تم ضبطه بالبيضاء .. يحرض على إطالة المشكل الذي حصل بين الفنانة الشعبية بوطازوت، والطالبة خولة… وقبلها راج بمدينة المحمدية أيضا خبر تلقي جريدة إلكترونية مبلغا مهما من المال..ووعد بتلقي مبلغ شهري.. من حزب بغية تسليط الضوء على مساوئ منافسيه..
الخبر قد يدخل في باب الإشاعة المغرضة.. لكن مع ذلك لا دخان بدون نار…
إن المتصفح لعدد من الجرائد الإلكترونية، لا يستطيع تمييز مضمون ما يكتب من مواضيع،ولا شكلها من حيث الكتابة والأسلوب عن مواضيع وأسلوب الأحاديث بالمقاهي.. لسبب بسيط هو أن عددا كبيرا من الصحفيين الجدد ..هم كذلك ” بلا قراية” …
صحافة بلا “قراية” صحافة بدون موارد قارة لممتهنيها…”وكاد الفقر أن يكون كفرا” ماذا ستنتج ؟؟؟ ستنتج سخافة… وقد تنتهي بأصحابها في مراكز الشرطة والدرك، والمحاكم..
ومع هذا وذاك وللأسف ..تسيء لمهنة بناها الشرفاء ..بدمائهم… وصحتهم… وحريتهم… ورفعوها إلى أن سميت بالسلطة الرابعة… ولم هؤلاء يدركون أنه سيحين وقت على هذه المهنة ستنشغل فيه فقط لاسترجاع صادها و حائها..


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني