د. محمد ناجي
في حواره الأخير في برنامج “في قفص الاتهام” (المذاع بتاريخ 20/5/2016) قال السيد مصطفى الرميد وزير العدل والحريات: « المواطن المغربي مللي كتجيه أي قضية عندو فالمحكمة كيمشي يقلب على محامي اللي كيمكن يتعاطى معاه بطريقة فيها تدخل عند القاضي وتسليم مبالغ نقدية … »
وهذا في نظري اتهام خطير يوجه للمحامين بصفة علانية ومباشرة وصريحة، يتهمهم بأنهم يقومون بدور الوساطة بين المتقاضين والقضاة الفاسدين؛ أي أنهم مشاركون في الجريمة، والمشارك في الجريمة كفاعلها إدانة وجزاء (الفصلان 129 و 130 من القانون الجنائي). بل إنهم قد يحرضون عليها بما يبدونه من استعداد لقيامهم بتنفيذ ركنها المادي والأساسي ، وهو تسليم النقود إلى القاضي المرتشي . أي أن حالتهم يمكن أن تُـكـيَّـف إلى اعتبارهم الفاعلَ المعنوي، إذا ثبت أن المحامي هو صاحب المبادرة والقائم تلقائيا بالخطوات الأولى بين الطرفين، فيعتبر بذلك هو الذي أخرج الجريمة إلى العالم الخارجي.
إنه اتهام فيه إساءة بالغة إلى المحامين سواء باعتبارهم أشخاصا ذاتيين أو معنويين، لأنه يطعن في استقامتهم، ويسفه سمعتهم، وينسب إليهم التعاطي لممارسات قذرة والقيامَ بأعمال دنيئة، لا تشرفهم؛ بل تُـدينهم قضائيا.
ومن ثم فقد توقعتُ ساعتها أن هيئات المحامين ستنتفض عن بكرة أبيها لمواجهة هذا التصريح الخطير، وأنها قد تخرج ببيانات توضيحية أو استنكارية أو غيرها ، دفاعا عن النفس، وغيرة على البذلة ، وردا للاعتبار. فلما لم يصدر طوال هذا الأسبوع ـ حسب تتبعي لما ينشر في مختلف وسائل الإعلام ـ من أي محام من بين عدة آلاف المحامين الممارسين في المغرب أيُّ رد أو تعقيب على هذا التصريح؛ فقد آمنت بأن السيد الرميد إنما نقل لجمهور المواطنين، وعبرهم للعالم أجمع، وجها آخر من أوجه فساد القضاء في بلادنا، ربما يكون أعمق جرحا، وأشد إيلاما، وأحلك سوادا.
لقد نـبّـه هذا التصريح، وبشكل علني ورسمي صادرٍ عن الدولة نفسها، إلى فساد هيئة أخرى من هيئات عدالتنا، خصـوصـيـتُـها أنها ـ مع الأسف ـ هي التي تقف إلى جانب المواطن المتقاضي أمام المنصة لتآزره أو تدافع عنه.. هيئة هي الأحرص بين كل الهيئات القضائية على ضمان حقوق الدفاع وحمايتها .. هيئة هي لسان المتقاضي لنقل الوقائع إلى هيئة الحكم وإقناعها بسلامة موقف موكلها، أو ثبوت أحقيته في المطلوب، أو للتأثير عليها قصد انتزاع أقصى ما يمكن انتزاعه من ظروف التخفيف، وأخيرا وليس آخرا: هيئة هي الركن الأساس في ضمان المحاكمة العادلة التي ينشدها كل مواطن صالح، يتقاضى بحسن نية..
لقد جعل السيد مصطفى الرميد في هذا التصريح كلَّ أطراف ومكونات العملية القضائية من متقاضين وقضاة ومحامين مشتركين ومتضامنين أو متواطئين من أجل إفساد العدالة، وتحويرها عن جادتها، وإبعادها عن هدفها النبيل الذي هو إحقاق الحق، ومعاقبة الجاني، بما يتوافق مع التطبيق السليم للقانون ؛؛
فالقضاة في هذا التصريح فاسدون مرتشون، والمحامون سماسرة ووسطاء،، والمتقاضون راشون وممولون لعملية إفساد القضاء .
فهل كل هؤلاء متهمون حقا ؟
فأما عن كون القضاة مرتشين (ولا نعمم طبعا)؛ فتلك قضية مسلمة ومُجمَع عليها منذ سنوات، أو ربما منذ عقود.
وأما المحامون، فما داموا لم يحركوا لسانا ولا قلما للرد على هذا التصريح أو تكذيبه؛ فهو الدليل على صحة مضمونه.
وأما المتقاضي ؛ فهذا بين بريء، ومضطر، ومنتهز.
فأما البرئ فهو الذي لم يتعاط لهذه الممارسات قط، وكثيرون هم من لا يبحثون عن المحامي السمسار؛ إما لسمو أخلاقهم ورفضهم المبدئي لهذا النوع من التعامل، أو لثقتهم في حقهم الثابت بالأدلة القاطعة ، أو لعدم استطاعتهم الجمع بين تسديد أتعاب المحامي وإعطاء رشوة للقاضي ، أو لأي سبب آخر.
وأما المضطر، فحكمه في بعض الحالات يدخل في حكم البرئ، كالذي تُـفـرَض عليه الرشوة فيعطيها تفاديا لأي مفاجأة غير متوقعة. أو ذاك الذي يكون صاحبَ الحق ثم يعلم أن القاضي الذي سيفصل في قضيته فاسد ومرتش، فيخاف أن يستميله خصمه بمبلغ من المال، فيسبقه هو ضمانا لنوال حقوقه. أو الذي يسلم الرشوة ربحا للوقت وتخلصا من التأخيرات البعيدة التي قد يلجأ إليها القاضي الفاسد تعذيبا للمتقاضي وضغطا عليه حتى يستسلم لفساده وابتزازه. وهذه كلها مجرد أمثلة لا نَـعْـدِم وجودَها بين المتقاضين.
أما المتقاضي الذي يبحث عن المحامي « اللي كيمكن يتعاطى معاه بطريقة فيها تدخل عند القاضي وتسليم مبالغ نقدية … » ؛ فهذا في الغالب يكون هو المتهم المقترف لجريمة ما ، أو المشتكي الكاذب الذي يبحث عن إدانة المشتكى به ليتخلص من المتابعة بالوشاية الكاذبة بعدما تثبت براءة ذلك المشتكى به في شكاية كيدية.
كما يلجأ إلى البحث عن المحامي الوسيط تجارُ المخدرات والممنوعات، وكبارُ اللصوص، وناهبو المال العام، وما ماثلهم، فهؤلاء تكون غايتهم في الغالب الأعم شراء بعض السنوات المتوقعة في الحكم، بحيث بدل أن يُـحكَـم على المجرم منهم بخمس سنوات نافدة مثلا، يُـحكم عليه بسنة أو سنتين حسب عدد السنوات التي اشتراها. وفي هذه الحالة يكون التعامل مع النيابة العامة ـ إذا كانت طرفا ـ مبنيا على أساس ضمان عدم استئنافها للحكم الصادر ابتدائيا، أو عدم رفعه لمحكمة النقض إذا كان نهائيا.
وكل هؤلاء المجرمون الباحثون عن المحامي الوسيط إنما ينتهزون الوضعية المتردية للقضاء في بلادنا، لأن الذي يغريهم بالبحث عن محام وسيط هو تيقنهم من فساد القضاء، وعلمهم بأن شراء الأحكام مسألة متداولة وجاري بها العمل، واقتناعُهم بأن تسليم رشوة للقاضي تعطي ثمارها (كتقضي الغرض)،
ولذلك فلو لم تكن العملية معروفة ومعمولا بها في محاكمنا ؛ لما فكر أي متقاض في البحث عن محام يتدخل له لتسليم مبالغ نقدية للقاضي ..
.. ولو كان القضاة يتمنعون عن أخذ الرشوة، لما بحث المتقاضون عن محام وسيط؛ بل ولَـمَا كان لهذا النوع من المحامين الساقطين وجود.
هذا بالإضافة إلى أن هناك قضاة هم الذين يُسخرون السماسرة ـ من محامين وغيرهم ـ ليعرضوا على المتقاضي تسليم رشوة لـيُـقضى غرضُه بنوال حـقَّـه، أو لـيُـخـفَّـف عنه العذاب، وهو ما يتحفز له كثير من المتقاضين، فيبادرون إلى الموافقة على العرض؛ دون حتى أن يدخلوا أحيانا في عمليةِ مناقصة؛ بل يكفيهم أن يتأكدوا من أن الغرض سـيُـقضى فعلا، وان العملية ليس فيها نصب أو احتيال.
وعلى هذا يكون بحث المتقاضي عن المحامي السمسار إنما هو نتيجة طبيعية لفساد القضاة،
مما أدى إلى هذا التردي المهول للوضع القضائي في بلادنا حتى أصبحت الرشوة في حكم المعتاد الذي لا يثير اشمئزازا ولا يدعو إلى الاستغراب وأصبح الذي يدعو إلى الاستغراب، أو يثير الإعجاب أحيانا ، هو وجود قاض عادل مستقيم، عزيز النفس، مترفع عن المغريات، يوثر رحمة ربه وراحة ضميره على كل ذهب الدنيا ومتاعها إذا كان خبيثا .
ثم كان مما زاد الوضعَ ترديا، دخولُ ثلة من المحامين للاستسقاء والارتواء من هذا المستنقع الآسن، فانقلبت الأوضاع عن طبيعتها، وتفسخت أطرافها، وبعد أن كنا في الزمن الجميل نسمع بأن المتقاضي يبحث عن المحامي الماهر الأمين والمقتدر الكفء،، ها نحن اليوم يخبرنا السيد وزير العدل والحريات بأن المتقاضي المغربي أصبح يبحث عن المحامي السمسار والوسيط .
فيا للهول .. ويا للمفارقة
ويا لها من وصمة عار…
وإذا كان هذا التصريح ـ الذي أعتبره شخصيا أخطر تصريح صدر عن وزير العدل والحريات مصطفى الرميد ؛ بل أعتبره أخطر تصريح نطق به وزير أو مسؤول قضائي أو حكومي على مر تاريخ القضاء المغربي ـ
أقول: إذا كان هذا التصريح يُدين القضاة، ويدين المحامين، ويدين بعض المتقاضين؛ فهو في نفس الوقت يدين وزير العدل والحريات ؛ لأن المتقاضي ما دام يبحث عن المحامي الذي يتدخل له لدى القاضي لتسليم مبالغ مالية؛ فهذا يدل دلالة قاطعة على أن المحاكم تحولت إلى سوق للمقايضات والمزايدات والسمسرة والبيع والشراء في ذمم عباد الله وحقوقهم ومصائرهم؛
محاكمنا تحولت إلى سوقٍ أحط من سوق النخاسة..
فلا حول ولا قوة إلا بالله ، و﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾
[email protected]




