عودة المغرب للاتحاد: دبلوماسية الملك محمد السادس تثبت جدارتها في إدارة ملف الصحراء

كواليس اليوم: محمد البودالي

لم يعد من مجال للشك في الدور المحوري والهام الذي تلعبه الدبلوماسية الملكية في كل القضايا الوطنية الكبرى والحساسة، وفي مقدمتها ملف الصحراء، لتثبت مرة أخرى جدارتها وحنكتها في إدارة هذا الملف.

إن قناعة جلالة الملك محمد السادس السياسية، وتحركاته الدبلوماسية النشيطة لمحاصرة مناورات خصوم وأعداء وحدتنا الترابية، شكلت جرعة مهمة للتحركات المغربية التي تراهن على تضييق الخناق على جبهة البوليساريو، التي تواجه عدة تحديات بعد وفاة زعيمها محمد عبد العزيز المراكشي، والذي سيفقد جبهة البوليساريو ولاء بعض القادة والزعماء بالنظر إلى طغيان العلاقات الشخصية على العلاقات السياسية.

ولا ريب في أن تدارك إكراه المقعد الفارغ الذي مارسه المغرب لسنوات، سيعتبر مدخلا لاستعادة عدة دول وتصحيح مسارات سياسية متعددة اقتصاديا وسياسيا بالقارة السمراء، وهذين الأخيرين هما مفتاح تحول دبلوماسي هام يخدم بدون أدنى شك قضايا المملكة ومصالحها العليا.

ولعل من أهم وأبرز مميزات هذه الدبلوماسية الملكية الرشيدة، هو القطع مع سياسة الكرسي الشاغر، أما عن الدافع الذي جعل جلالة الملك يبادر إلى اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي، فهو أن أعداء الوحدة الترابية ظلوا يوظفون الاتحاد الإفريقي على مدى سنوات عديدة، لمعاكسة كل التوجهات الصادرة عن المغرب نحو حل نهائي للملف، لذلك كان لزاما على جلالة الملك اتخاذ هذه المبادرة حتى لا يستمر غوغاء الانفصال في استغلال آليات الاتحاد لخدمة أجندتهم.

وبهذا القرار، فإن التخلي عن سياسة الكرسي الشاغر، من شأنه وضع الحروف على النقاط، لكي يتم لفظ البوليساريو من الاتحاد، بعدما احتضنها في وقت من الأوقات، وهذه سياسة لم تعد مبررة في الوقت الحاضر.

إن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي سيمكن الرباط من ممارسة دبلوماسية من داخل هذه المنظمة القارية، والدفاع عن القضية الوطنية على أكمل وجه، من داخل الاتحاد وليس من خارجه، كما كان الحال في وقت سابق.

كما أن من شأن العودة إلى الاتحاد، الحصول على دعم ومساعدة أكبر من أصدقاء المغرب من داخل الاتحاد، وهذا ما سيمكن المغرب من القدرة على توجيه ضربات استباقية لأي مخططات انفصالية في المهد وفي الوقت المناسب، وهذا ما لا يمكن تحقيقه، دون التخلي عن سياسة الكرسي الشاغر.

قرار جلالة الملك يأتي في وقت ظلت فيه العديد من الدول الأفريقية الشقيقة والصديقة ، تعبر عن أسفها وحسرتها على غياب المغرب من الاتحاد، علما أن المملكة المغربية كانت من المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية، لذلك فإن العديد من الدول استغلت مشاركتها في القمة 27 للاتحاد الأفريقي المنعقدة بكيغالي، لكي تطلق نداء من أجل عودة المغرب إلى أسرته الأفريقية، وهذا ما استجاب له جلالة الملك.

هذا وتبقى للمغرب مكانة متميزة في الاتحاد، علما أن المغرب يظل معتزا بانتمائه الأفريقي، بدليل انخراطه الدائم والمستمر في شراكات مميزة مع أغلب الدول الأفريقية، والتي يحرص على تطويرها باستمرار، كما أنه من الفاعلين الأساسيين في الحفاظ على الأمن والاستقرار بالقارة السمراء.

وفضلا عن كل هذا، فإن السياسة الحكيمة لجلالة الملك حفظه الله تجاه القارة الأفريقية، تبقى حريصة على تقوية هذه المكتسبات من خلال دبلوماسية اقتصادية جريئة والتزام قوي على مستوى الثقافة والدين، وكل هذه الأمور تجعل من قرار العودة إلى الاتحاد، بمثابة وضع للقطار على سكته الصحيحة، وملء المكان الطبيعي للمغرب داخل أسرته الأفريقية، أكثر منه مجرد انضمام لمنظمة قارية.

ومما لا شك فيه، أن عودة المغرب إلى حظيرة الاتحاد الأفريقي، تعد توجها جديدا من الرباط نحو العمق الأفريقي، ولا يعني أبدا أن في ذلك نوع من الاعتراف بالكيان الوهمي، بل تصحيح للخلل الذي ندد به ثلثا أعضاء الاتحاد الأفريقي، أي الدول التي لا تعترف أساسا بشيء اسمه الجمهورية الصحراوية.

كما أن مشاركة المغرب في الاتحاد الأفريقي، لا يمكن اعتبارها بتاتا قبولا بالأمر الواقع، أو تحت أي مسمى آخر غير ما سبق ذكره.

ويظهر من خلال التطورات المتسارعة، أن البوليساريو تعيش أحلك أيامها، فبعد نكسة وفاة زعيمها، الرحماني الخائن، والانتقادات الحادة المتصاعدة من قبل المحافل الدولية، فإن النداء الذي أصدرته دول أفريقية صديقة للمغرب، من أجل عودته إلى الاتحاد، يتزامن أيضا مع مقترح تقدمت به نفس الدول يوم 18 يوليوز الجاري، يرمي إلى تجميد عضوية “الجمهورية الوهمية” في هيئات وأشغال الاتحاد الأفريقي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني