الشجرة اللغز !

عبد اللطيف مجدوب
( رواية )

مسار الرواية

تجري أحداثها المثيرة في سراديب غامرة بالمفاجآت الغريبة ، تنطلق من قرية مغربية نائية
ثم تعبر إلى بلدان في أعماق آسيا … لترتد أخيرا إلى منطلقها الأول …

طلسم الحلم الرهيب !
هي منطقة جعلت من أحزمتها جبالا شاهقة تمتد من كل حدب وصوب ، تكسوها أشجار العرعار الضاربة إلى الصفرة بفعل خيوط أشعة الشمس التي كانت تتسلل خلسة عبر أوراق شجرتين متعانقتين ظلتا ؛ لردح من الزمن ؛ شبحا أسطوريا في ذاكرة كل أهالي القرية ..
في السفح كانت ستارة السحاب تتمطى وتتبدد لتكشف عن دور طينية حجرية متناثرة هناك … تتصاعد من ثناياها أدخنة المواقد …لا يخترق سكونها سوى ثغاء الماعز والشياه وهي تتسلق السفح في طريقها إلى المرعى في ذلك الصباح .
وعلى حين غرة سمع لصوت باب ينحل على مصراعيه محدثا قرقرة مدوية .. ليطل منه شاب أسمر بنظرات قلقة حادة تشي بسر ما يملأ صدره … تابع خطاه مسرعا وهو يلهث في اتجاه دار الفقيه العربي المحاذية للعين …
طرق الشاب الباب وهو يلتقط أنفاسه …عاود الطرق ليسمع من الداخل :
ـ آشْكون … آشْكون ..؟ ( قالها بصوت أجش)
ـ آلفقيه العرْبي … حلْ أنا… ميلودْ ولدْ الضاويا..
تسمع لعارضة خشبية تقع على الأرض لينفتح الباب ويطل منه رجل بدين في عقده الخامس بلحية كثة وعينين جاحظتين … بادره الى القول :
ـ آولدي ميلود ! ياكْ لاباسْ… ياكْ ما الواليدا…
قاطعه ميلود بصوت يكاد يختنق ؛
ـ لا آسي العربي …هدى مْناما … مناما هدي سبْعيام اوهيّ كاتْجيني فْكلْ لّيلة…!!
أخذ الفقيه العربي بِساعد ميلود إلى الداخل .
اقتعد الفقيه العربي حصيرا خشنا إلى جوار ميلود .. وقال وهو يضغط على فكيه من الحيرة :
ـ سبْعيام .. كلْ ليلة .. آشْنو حلمْتي …؟
تردد كثيرا قبل أن ينطق :
ـ واحدْ لْحاجا كايْنا فلبْحر..واحد الصوت كيطنطن فوذني كيقولْ سير آميلود جيبْ داك الحكّ ..!!
استوقفه الفقيه العربي ، وهو يصيخ إليه بكل جوارحه :
ـ باللّاتي .! بالّلاتي الله يرْضي عليك .. كيدايْر هدا الحكّ ..؟
ـ رْبيعا صغيرا منقوش عْليها بْحال شي حْروف …ولكن ..
الفقيه العربي مقاطعا :
ـ كيفاشْ لحْروف دلعربيا …؟
ـ لا…لا مانقدرْش..
الفقيه العربي مستدركا ؛ تقدر تصوّرهم ..؟ ما زال عاقلْ عليهم ..؟
أخرج ميلود من سترته سكينا وأخذ يخط به على الأرض … خطوطا معقوفة ، تأملها الفقيه العربي وشفتاه تتمتم تارة بالتعوذ وأخرى بالبسملة ؛ بعد حين لملم تلابيبه ونهض واقفا فوقف في أثره ميلود .
ـ شوف آسي ميلود ؛ هادْ لخطوطْ ما هي عربية ما هي فرنسوية ..خصنا نمشيوْ لْعند المعلم ديال السكْويلا … غدا السوقْ نتلاقاو فالقيطون ديال بلكبير الشفاجْ ..او عنْداك تجْبد هدا السر معا شي حد .
غادر ميلود دار الفقيه العربي متخذا لنفسه طريقا آخر متربة .. حتى إذا أعياه السير توقف عند صخرة ومنها أخذ يجيل بصره في الأفق بين تلك الأعالي حتى حط على الشجرتين ، فأخذ يحس بهاتف خافق يصدر من أعماقه :
جيبْ الحك … جيبْ الحكّ..جيب …
أقلع نظراته من على الشجرتين فإذا بصوت الهاتف يخبو…!! في صباح اليوم التالي ؛ استيقظت القرية كعادتها كل يوم سوق ؛ على أصوات لغط أبناء القرية يمتطون خيولهم ومراكبهم في شكل بيكوبات صغيرة تحشر من بين سلعها أحيانا السوقة إلى جوار رؤوس الماعز… وانطلقت تجري في ذلك السفح ، لمسافة بضع كلمترات بين تلال رملية ، يخالها المرء أنها آثارجيولوجية لبحار قديمة جفت…
دراجة نارية ضارب لونها إلى الرماد ، يظهر من سحنتها أن قطع غيارها كل يوم في شأن..باستثناء المقعد المغشى ببطانة صوف الخروف… كان يستقلها ميلود ورأسه ملفعة بقطعة قماش شبيهة بالفوقية الفلسطينية ، أرسل طرفا منها ليحجب سطيحة وجهه إلا من نظارة سوداء كان يشد رباطها خلف رأسه .كان يحث طريقه نحو السوق وذاكرته لا تنفك عن استعادة طلسم الحلم الرهيب !

معلم مدرسة يحاول فك الطلسم

شق طريقه وسط خيام منصوبة هناك تذرعها أبناء الناحية بسحنات مغبرة .. تتعالى منهم أحيانا صيحات ونداءات وأحيانا أخرى قهقهات ملء أفواههم وهم يغشون الخيام .. إما لاستكمال إجراءات البيع والشراء أو الاستمتاع بكؤوس الشاي المنعنعة إلى جانب قضبان الشواء أو هما معا … تسترق السمع ؛ في هذا الفضاء ؛ فينتهي إلى مسامعك دوي الطاحونة يخترقه أحيانا صهيل الخيل وهي تعثر على ضالتها !!
في خطوات ثابتة ؛ كان يمشيها ميمّما نحو الجهة الخلفية حيث كانت خيمة بلكبير وقد غصت بالسوقة ، تناثروا داخلها جماعات جماعات ، منهم من يمضغ ومنهم من ينتظر… وقف ميلود بباب الخيمة يتفرس الوجوه حتى وقع نظره على الفقيه العربي ، فناداه هذا الأخير وهو يهم باستلام زلّاك الشفنج وبراد أتاي من بلكبير ..
ـ آسي ميلود…آزيدْ جيتي فوقتكْ ..جلس الرجلان معا … بعد حين وبشكل مفاجئ ، سارع الفقيه العربي إلى القول وبصوت خافت :
ـ دابا نمشيوْ عند المعلم دسكويلا ماشي بْعيدْ بزاف على السوقْ..
زهد ميلود في الشفنج والكؤوس المنعنعة التي كانت تؤثث الطاولة … فنهض واقفا ومشى نحو بلكبير قبل أن يدركه صوت الفقيه العربي :
ـ والله ماتخلصْ… إيوا صافي آسي ميلود.. واشْ عادْ غانشرْكو الطّعامْ..!
توجها معا خارج السوق ومن ثم سلكا سبيلهما في اتجاه مدرسة القرية التي كانت تتراءى لهما من خلال راية حمراء… هناك إلى جوار مقبرة مهجورة …
بعد حين وصل الفقيه العربي صحبة ميلود إلى المدرسة… اتجها صوب الباب فدلف الفقيه العربي إلى الداخل ليلفي نفسه وسط مجموعة من الغلمان تتفاوت أعمارهم بين سني 6 و13 سنة ، بعضهم يستظهر آيات قرآنية .. بينما آخرون عاكفون على تلاوة صيغ صرفية لأفعال في اللغة الفرنسية …!
سألهم الفقيه العربي : فينْ هو المعلم دْيالكمْ ؟ أجابوه جماعة : مْشا غيرْ هْنا …
وهو يهم بالخروج ؛ إذا برجل أشعث الشعر وبعينين ضامرتين يقف بالباب .. وبدخوله يقف التلاميذ . سأل هذا الأخير الزائر بالداخل :
ـ آشريف ياكْ لاباسْ …؟ ماعارافْشْ بيللي ممنوع الدخول بلا إذْن ..؟
ـ آسمحْ لِنا آسي لأستادْ ..حنا ماشي منهْنا ..جيناكْ أنا وصاحْبي على واحد الغرض كْبير بزافْ ..وَ
قاطعه المعلم والغضب باد في عينيه : عنْداك شي ولد هنا ؟!
ـ لا …وَ
المعلم مقاطعا : منينْ ماعندكْشْ …
الفقيه العربي مقاطعا بنبرة فيها توسل : اسمح لي نهدرو على برّا…أنا اوهدا السيد جينا قاصدينكْ تحلْ
واحد اللغزْ مدوّخْنا …!
المعلم مقاطعا : آشْكون لقالكم أنا كنحلْ الألغاز… هاكلكْ .. أنا دابا معلم دلألغازْ.. ياكْ..؟!
ـ آسيدي ماشي هكدا … هدا السيد ليكتْشوفو قدامكْ.. سبعيام اوهو كايْشوف فلمْنامْ شي خْطوطا..
ـ ديالاشْ لخْطوطْ …؟
الفقيه العربي ؛ مستديرا نحو ميلود : آسي ميلود .. ! يالله وَرّي لو..
ميلود ؛ إلى المعلم مستعطفا : ” ورْقا وسْتيلو الله يجازيك بخير ” فلما ناوله الورقة ، خط فيها خطوطا شبه معقوفة… ! .أمسك المعلم الورقة وأخذ يتأمل ذلك الرسم بنظرة ثاقبة يغشاها شيء من الدهشة والحيرة .
هدي لغة ماشي ديالنا… ولا ديال الفرنسيس … واستطرد يقول وهو يفرك شعر رأسه : ماتْكونْ غير لغة الشينوا ولاّ لهْنودْ .. كانعْرفْ واحدْ السيد عاش فآسيا بزّافْ… غادي إكونْ عارف هدا ..
استوقفه الفقيه العربي بنبرة فيها إلحاح :
ـ أوفينْ كاين هدا السيد ؟
ـ عادْ لباراحْ جا ياخودْ الشمع … قالي عندهم اليوم لموسم ديال سيدي علي الحمدوشي … فزرهون .
ـ سميــــتو ؟ قالها الفقيه العربي وهو يربت بيديه على ظهر ميلود …
ـ سميتو لمسيّحْ بوقنادل … سوْلو عليه فالزاوية .. إلى جبرْتوه .. قولولو.. بلّي المعلم موحا صافطنا عندك…
اعتدل الفقيه العربي واقفا.. وسوى جلبابه ونفظ بلغته ، وهم عائدا من حيث أتى وقد نثر خلفه هذه الكلمات : ـ واخّا آسي الأستادْ… الله يرحمْ بها الوالدين والله يرحم من قرّاكْ . فرد عليه المعلم وهو يشيع خطواتهم : ماتنْساوناش … عنْداكو..
ـ عندنا ساعّا دلماكانا باشْ نوصلو لزرهون.. عنْداك الزهارْ آولْدي ميلود .. لْيوما السوق موجودْ الرّكوبْ… قالها وهو يحث الخطى تجاه موقف البيكوبات والطاكسيات قريبا من السوق .
كانت السماء ملبدة بالسحب الداكنة وهي تجري متقطعة الأوصال ناحية الشرق .. بفعل الرياح التي أخذت تمشط المكان منذرة بدنو عاصفة… الأهالي والسوقة اشتد لغطهم وهم يسارعون إلى حجز جلساتهم داخل البيكوبات والسيارات … فيما كانت صيحات تتعالى في الأفق : باقيا بْلاصا… ياللاهو …
ـ فينْ غاديينْ انتما…؟ قالها أحد الصائحين وهو يتوجه إلى الفقيه العربي وميلود :
ـ زرهون … احنا ..جوج بنا..
ـ آسي مو…! خدْ … جوجْ ..هانْتا ناضي ..
انحشر الفقيه العربي وميلود داخل المدرعة مرسديس 240 التي كانت تعبق بروائح الوقود والقصبر والنعناع …
تحركت راحلتهم وسارت خلف تلك الوهاد يضج محركها فيرتد صداه عبر تلك الأصقاع ؛ بينما نظرات ميلود كانت مشدودة إلى شيء مجهول ، فباغته الفقيه العربي بوخزة في كتفه :
ـ قولي آميلود… فاينْ خلّتي الموتور..؟
ـ إيه.. رباطو عند الشليّحْ .. مولْ الطاحونا…
وفجأة استفاق الركاب على إثر فرملة مزعجة… صدرت من السائق ؛ وهو يهم بلقاء الجدارميا .. والعبور إلى الطريق الرئيسي …
ـ ماعنداكْ .. والو..؟ قالها أحد الدركيين وهو يشد على يد السائق..!
ـ والو.. آشّافْ… غير القصبر والنعناع …!
أدار محرك السيارة… وصفق الباب وهو ينفث ويبصق … إخْ .. تفو.. الله انعلْها قاعِدا… كانت الرياح عاصفة والسائق يشد بكلتي يديه على المقود .. معانقا إياه لتحافظ السيارة على توازنها أمام عويل الرياح …

بمدينة زرهون

ـ راني ماداخالشْ للفيلاجْ… راكو عارفين لموسم… مانْعين علينا ندخْلو..
قالها السائق ..؛ ملتفتا إلى الركاب ، وعند مدخل زرهون استطرد قائلا قبل أن يتوقف المحرك :
ـ راه.. السيّدْ.. قريب منّهْنا اللي بْغا يْزورْ .
ترجل الفقيه العربي وإلى جواره ميلود ، وأخذا يشقان طريقهما وسط جموع غفيرة أتت من كل حدب وصوب ؛ قوافل من الرجال والنساء والأطفال … تتقدمهم فرق بسحنة خاصة ، يقرعون الطبول ويصيحون بتراتيل وأهازيج وإنشادات مبهمة ، ومنهم من يقتاد عجلا ربطوا على قرنيه عمامة بيضاء تلوح في أيديهم شواقير وسيوف تصعد وتنزل متناغمة مع صدى الأناشيد والتراتيل التي كانت تصدح هنا وهناك عبر مضارب متناثرة منصوبة على رقعة شاسعة ؛ لا يتراءى من داخلها سوى اللونين الأحمر والأسود …!. أناس في مقتبل العمر يشكلون أبطالا لحلقات بشرية تستعر أعينهم غضبا .. وألسنتهم تداعب لهيب أعمدة النيران ، يلوحون بها ؛ بين الفينة والأخرى ؛ على رؤوس لأجسام آدمية ملقاة على الأرض …!! إنها أشبه ما تكون بموائد البكاء والعويل والصياح … وسط رياح عاصفة أبت ؛ هي الأخرى ؛ إلا أن تشارك الزوار هذه السيمفونية الجنائزية .

امرأة بوشاح أسود

وسط زحمة هذه السيول البشرية ؛ كان الفقيه العربي وميلود مازالا يجدّان في المشي تجاه مقر الزاوية والتي يبدو أنها محاصرة من كل الأنحاء ، لا يلجها أحد إلا بتراخيص مكتوبة إما من ولي أو فقيه أو جماعة أو بوسْطْ … !!
تقع الزاوية عند سفح جبل زرهون الذي يضم أطلالا وخرائب مهجورة أشبه ما تكون بالقلاع التي كان يتحصن فيها العسكر ، ويرصد تحركات فيالق العدو .
توقف ميلود … يتأمل تلك الخرائب ويتحول بنظراته يمنة ويسرة … وفجأة لفت نظره شبح أسود لامرأة تلوح له بمنديل أحمر فاقع اللون !… انتابته قشعريرة من أم رأسه إلى أخمص قدميه .. وهو يعاود النظر إليها وفي كل حين يحس برغبة جامحة تدفعه في اتجاهها … وما هي إلا لحظات حتى أخذ يهرول صوب تلك الخربة الشاهقة … ونداءات الفقيه العربي تلاحقه :
ـ آميلود… آميلود.! آولدي عنداك !!.. راه كاينْ… موسم اجْنونْ… ردْ بالكْ..
تسلق ميلود ذلك الجرف ؛ وبخطوات متئدة ؛ أخذ يبتعد عن صخب وضجيج المكان… سار بين صواري كانت قائمة هناك .. وعلى حين غرة أحس بيد تقع على كتفه ، فاستدار فإذا به أمام فتاة في غاية الحسن والجمال برداء شفاف يكشف عن أنوثة صارخة … ذات أعين هدباء ومبسم في شكل خاتم تفوح منها شذى رائحة ذكية وعبقة … بادرته قائلة بصوت متنهد فيه بحة واضحة :
ـ شْحالْ وانا نتسناكْ..!
غمغم ميلود ؛ ولم يكد يستفيق من هول المفاجأة :
ـ اشكونْ نْتي…؟! منين جيتي …
ـ أنا جيت من بلاد بعيدا … صافطوني عنداك
ـ سميتكْ..؟
ـ سميتي … دوليم… دوليم … حتى أنا بحالكْ ديما كاتْجيني ديك لمناما…
قاطعها ميلود : لمناما… هديك لكتابا لفوق الحكْ ؟؟
ـ هديك لكتابا .. هي سْميا ديال ديك لبلاد…؛ قالتها وهي تقترب منه وتوشك أن تحتك به ..!
ميلود يرفع يده اليمنى إلى ذقنه وهو مسحور بجمال المرأة : ـ أسميا .. كيفاش ..
ـ هي سْميا كتعني … راجامالا .. جاتْ فالهندْ.. ما يمكنا نرتاحو أنا وياكْ حتى نوصلو لديك لبلاصا ونجيبو الحكْ…
ـ فالهندْ .. وانا .. قاطعته وهي تضع يدها في يده : ـ كلشي كايانْ أوما تخمم حتى فحاجا ..
ـ أوصاحبي لفقيه … أوالدوار .. وامّي الضاويا..؟
ـ غانمشيو كاملين .. حتى صاحبكْ .. امكن لنا نسافرو من غدا… كلشي موجودْ.. زيدْ..!
أخذت بيده نحو سيارة فارهة كانت قابعة هناك… أخذ مقعده الأمامي إلى جوارها ؛ وهي تضيئ لوحة المفاتيح التي أخذت تتلألأ بالرموز والإشارات .. فكاد أن يصيب بالدوار … وهو لم يألف إلا المصفحة مرسديس 240 التي تحوي ثقوبا لا حصر لها أينما لامس إحداها صعقته تيارات ريحية أو سلك حاد صنع في ألمانيا منذ أكثر من أربعين سنة..!!
ضغطت على زر… فتحولت الواجهة الزجاجية الأمامية إلى خرائط جد معقدة… تتخللها مفاتيح للتحكم في وظائف لا حصر لها…!!
ـ صاحبي لفقيه العربي…!
بادرته : عيطلو دابا يجي واخا يكون فيمّا كان..!!
ـ أنا ماعنديش التلفون …
ـ لا غير ناديه… بسميتو غادي اسمعك فيمّا كان..!! أوغايجي دابا.
ـ آسي العربي… آسي العربي..
لم يكد يكمل الثالثة حتى مثل أمامهم..!
ـ اركب آسي العربي.. . ؛ متوجها بالأمر إلى هذا الأخير الذي كاد عقله أن يجن وهو يحملق في السيارة وسائقتها…بسم الله ؛ قالها وهو يستوي في مقعد وثير ناعم تحيط بجنباته لوحات وإشارات ضوئية لم يفقه لها معنى …
ـ سبحان الله … آسي ميلود… أنا آولدي معاك ديما… آش هدا الكنز ..؟ كيف طحت عليه..!؟
رد عليه صوت ناعم .. صدر من جنبات السيارة بأكملها :
” استعدو.. راكو غاتنعسو.. 45 دقيقا.. قبل ماتوصلو لأوطيل آنفا فالدار البيضا ”
عادت دوليم بسبابة رقيقة ناعمة إلى الواجهة الأمامية… وما هي إلا لحظات حتى انطلقت بهم السيارة … بينما هم غطوا في نوم عميق …!!!

ليلة في فندق …

توقفت السيارة عند مدخل الباب الرئيس للفندق ، فأسرعت المضيفات للتكفل بالزبناء.. وعلى وجوههن أمارات الدهشة والذهول وهن يرمقن النزيلين بجوار هذه الغادة الحسناء .
استقل كل بغرفته… غرفة دوليم كانت في الطابق الخامس .
قرع الفقيه العربي غرفة ميلود جاره ، فأذن له بالدخول بعد أن ضغط على جهاز يدوي للتحكم في الطلبات وفتح الشرفات ، وإسدال الستائر وتكييف الهواء…
دخل الفقيه العربي … وسارع إلى احتضان ميلود ؛ وهو يلجلج بلسانه :
ـ واشْ انــا كــانحْلمْ … آش هدا النعيمْ آولْدي ميلود… هدا الدنْيا شْنـو فيها .. سبحان الله الدنيا
شحالْ زْوينــا … يا سبحان الله … الدنيا عجيبا وغريبا .. فين كنّا .. أوفين ولّينا … دابا قولي
آولْدي ميلود… فينْ احنا … واشْ هدا الكنزْ…؟!!
ـ اسمعْ آسي العربي..! غدّا إنشاء الله … غاديين نمشيو .. للهندْ ..( قالها ميلود ، وهو يتأمل السماء من خلال ستائر الغرفة )
ـ الهندْ…. الهندْ ..هدا الشي لقلتْ مْعا راسي … الكنز آولْدي ميلود .. مرصودْ عليك .. انتا هو مولاهْ… دابا أنا بْغيتْ ناكولْ شويّا..!
ـ هانْتا .. بركْ على الرقم 1 … اطلبْ ليِّ بغيتي .. اطلبْ ليِّ بغيتي..!!
ـ ليِّ بغيتْ …زعْما … عجبا.
ـ قلْتلـكْ ليِّ بغيتي .. يامنْ ماكلا .. يامنْ كسوا…
ـ حتى الكسْوا …؟! سبحان الله … تْكاياسْ عليّ آولْدي ميلود … تواحّشْت لبيصارا…كانْسخّان بها اجّوفْ… تكونْ عنْـ ..
ـ قلْتلـكْ اطلب.. دابا نْسا شويّا لبيصارا …
ـ سبحان الله كيدايرْ لوطيلْ … ياعجبا ..!! تسْمحْ لي آولْدي ميلود نجي ننْعاسْ معاكْ …
ـ أوبيتاكْ نْتا..؟ لمّانْ …
ـ تْواسع موجودا الحمد لله … غيرْ زعْما.. نتوانسو..
ـ لا..لا..لا .. آسي العربي كلْ واحادْ أوبيتو … راها دوليم ما تبْغيشْ … أوحْنا نايضينْ غدا بكْري .
عاد الفقيه العربي إلى غرفته واستلقى على سريروثير.، وانهمك يدندن .. بعد أن نزع بلْغته وجلبابه ورمي بهما جانبا : اللهْ… الله… الله آه يــالدنيا شْحــال نتي زوينــا … يالد…
(( وما الدنيا إلا لعب ولهو… )) أخذ يتمتم بها ويشد على لحيته الكثة ؛ وبصره مغروس في السقف .

رعب داخل طائرة إلى اسطنبول

في صباح اليوم التالي ، كان المكان شبه مقفر عندما تحركت سيارة الزوار الثلاثة باتجاه مطار محمد الخامس… بعد حين ترجل منها شخص في الخمسينيات بجلباب أبيض وصدرية مذهبة وعمامة مزركشة أرسل منها طرفا إلى قفاه .. ينتعل حذاء أبيض اللون ، وإلى جواره شاب ممتلئ مديد القامة أسمر اللون بسترة ضارب لونها إلى الزرقة تجاوزت الركبتين يجمع بين صدرية فخمة وسروال فضفاض ، يكشف أسفله عن حذاء أسود يصل إلى منتصف الساق … تتقدمهم فتاة في حلة قشيبة ؛ يطغى عليها الأحمر الزاهي … تسير الهوينا باتجاه جناح الإقلاعات والسفريات .
كانوا هم الثلاثة .. الفقيه العربي وميلود مع دوليم … كان الجناح رحبا وغاصا بالمسافرين المتوجهين إلى الهند عبر إسطانبول ، تأثثت جنباته بلوحات ضوئية بمواعيد الإقلاع والهبوط .
سلمت دوليم موظف الجمارك جوازات سفر الثلاثة ، بابتسامة ساحرة ؛ كادت أن تخذله فسألها : تنوون السفر إلى اسطانبول ، هل أنت تركية ؟ !… استلمت الجوازات وأعادته إلى مقعده بكلمات انجليزية منغلقة ، احمرت لها خدا الموظف المسكين :
“ yes we are on way towards Istanbul I’m not Turkish…I’m from another world “
ـ نعم … في طريقنا إلى إسطانبول… أنا لست تركية ..أنا من عالم آخر !!
استقلوا مقاعدهم المتجاورة داخل الطائرة ؛ وأخذت إحدى المضيفات تردد على المسافرين بإنجليزية ذات لكنة استرالية الإجراءات الروتينية الواجب على كل مسافر اتخاذها …
شد الفقيه العربي بحرارة على يد ميلود وأخذ لسانه يلهج بالتشهد وهو يحس بالطائرة تقلع بهم نحو عنان السماء : ـ ترجّلْ… ترجّلْ… آسي العربي… راه معانا الغاشي … كيفاشْ… انتا لابسْ بحالْ شي أغا تركي … تاجرْكبيـــرْ..وانت جالسْ كاطّـاطِي بالخوفْ!!؟
ـ شوفْ آولدي ميلود..! الأرض منْ تحْتنا.. والبشرْ ولا بحال النملْ… إيه ياالدنيا… شحال انتِ زوينا… ايه يادنيا …. ثم زال عنه روعه بعد أن أخذت الطائرة تستوي وتشق طريقها فوق السحاب .
وفي لحظة ما ؛ بعد مضي ثلاث ساعات من الطيران ؛ حانت من ميلود التفاتة نحو البحرعبر كوة الطائرة … تراءت له من خلالها أشعة ذهبية أخذت تداعب أمواجه في شكل خطوط متموجة ..فتداعت إلى ذاكرته أحداث حلمه العجيب الذي جمع بين البحر والقارورة والطلسم المنقوش عليها فاستدار نحو دوليم … وكم كانت دهشته وهو يرى مقعدها فارغا …!!
ـ ياربّي… ياربّي…آشْ هدا…. فينْ مْشـــات…؟! ، استكان في مقعده وأخذ جبينه يتفصد عرقا ؛ فالتفت إلى الفقيه العربي لعله يجد عنده ما يواسيه… بيد أن هذا الأخير كان يغط في نوم عميق .. ملقيا بنصفه على الطاولة الأمامية… آخْ… تشخْ ..
فك حزامه ودفن رأسه بين يديه… واستسلم لموجة من الهواجس ، يختلط فيها الماضي بالحاضر.. فكادت أن تعصف به ! وبينما هو كذلك …؛ وقد أخذ الكرى يداعب أجفانه ؛ إذا بقهقهات وكأنها أصوات صبايا في مقتبل العمر؛ تقترب وتبتعد منه كما لو كانت آتية من قعر بئر سحيقة … ولكنها سرعان ما اختفت إثر يد ربتت على كتفه ..! فاستدار .. فإذا بدوليم ترمقه بوجه ناعم وباسم ، تغمره السعادة … أية سعادة ..!! وأردفت قائلة في صوت عذب كشهد يقطرعسلا ! :
أنا معــــاكْ… مْشــيتْ غيرْ لْشــي سخْرا خْفيفـــا… بالي.. ديما مْعـــاكْ … قاطعها صوت حاد … شد انتباه جميع الركاب ؛ وفي أثره خرجت كبيرة المضيفات من قمرة الطائرة … وقذفت بكلمات انجليزية مدجنة : الكابتن هارلو.. يتمنى لكم بقية سفر ممتع على متن الطائرة البوينغ 717 ؛ وجبة الغداء تنتظركم ، ويسعدني أن أخدمكم ..هالوبيتا.. شكرا.
بعد حين أضيئت جنبات الكراسي.. وانفتحت الطاولات أمام أصحابها … وظهر في مقدمة الممشى مضيفتان تدفعان بعربة وجبة الغداء ؛ تتقدمهما هالوبيتا تستشير الركاب في وصفاتهم… حتى إذا اقتربت من دوليم صعقت وكادت تقع على الأرض ، وعيناها ما انفكتا تتفرسان وجهها !! هرولت مسرعة إلى داخل القمرة تتلاحق أنفاسها وهي تتوجه بهذه الكلمات : إنها هي ..هي بنفسها …
ـ قاطعها الكابتن هارلو : …الآنسة هالوبيتا..! ماذا دهاك ..؟ أي خطب أصابك ؟!
ردت بصوت متهدج تحاول الإمساك بأنفاسها : صديقتي مضيفة الطائرة التي صاحبتنا في عديد من الرحلات دوليم والتي كانت على قائمة الهالكين على متن الطائرة الماليزية بوينغ 777 .
ـ دوليم.. دوليم..! ( يرد الكابتن هارلو… باندهاش كبير ) أعرفها جيدا … وقد كانت المضيفة الرئيسة في الطائرة الماليزية المنكوبة … دعيني أنظر إليها … فستعرفني لا محالة . كابتن مانديسو ! من فضلك شغل الكابتن الإلكتروني… سأعود حالا …
خرج الكابتن هارلو إلى الركاب ؛ وتمشي في أثره هالوبيتا … فاعتذر قائلا : سيداتي ؛ سادتي
ـ إسمحوا لنا ..! إنه مجرد صداع خفيف .. لخادمتكم الآنسة هالوبيتا … استمروا… شهية طيبة
ـ ياإلهي …! إن مقعدها فارغ… أنظر سيدي الكابتن ..!
ـ ابحثوا جيدا في المرافق كلها..! وصناديق الطائرة … هذا أمر محير..!
عاد الكابتن هارلو إلى مقصورة القيادة ؛ ويده على جبينه من أثر المفاجأة … فالتفت إلى مساعده :
ـ السيد مانديسو ! راجع لائحة المسافرين وتأكد من المقعد رقم : (… A033 قالتها الآنسة هالوبيتا ) … ضغط مانديسو على زر هناك .. وكم كانت دهشته وهو يرى الرقم شاغرا …!
ـ السيد الكابتن هارلو ..! كما ترى … لا وجود لإسم في هذا المقعد !! ونحن قبل الإقلاع كانت المقاعد مليئة عن آخرها لا وجود لمقعد فارغ .ضغط الكابتن هارلو على شاشة أمامه محاولا الاتصال … يظهر على الشاشة موظف جمارك في مطار محمد الخامس بالمغرب :
ـ مرحبا .. الكابتن هارلو … مطار محمد الخامس المغرب .. نحن في الخدمة.
ـ السيد توفيك .. تأكد لي من المقعد رقم… A033 … من يشغله …؟ .
ـ يرد توفيق .. باستغراب شديد : وجدته فارغا ..! وأنا الذي رفعت تقريرا منذ ثلاث ساعات بشغل جميع مقاعد طائرتكم … ياللغرابة !!
أقفل الكابتن الشاشة … والتفت إلى الآنسة هالوبيتا : ـ اسألي أصحاب المقاعد المجاورة للرقم .. A033 … ذهبت هالوبيتا ؛ وما زالت شحوب الرعب تكسو تقاسيم وجهها وقالت :
ـ من فضلكم السيد .. من كان بجوارك في هذا المقعد ؟!
همهم أحدهم ؛ وكان يحتسي شايا : إنها كانت فتاة جميلة .. ذهبت .. ولم تعد حتى الآن … حاولت الإستئناس بها .. لكن عيني لم تطاوعني … كلما حاولت شعرت بالحاجة إلى النوم…
قهقه أحد وهو يتوجه إلى الآنسة هالوبيتا : ـ حاولت أن تشاركني قضمة شوكولاطة فأبت .. يبدو لي أنها من عائلة هندية أرستقراطية عريقة ..ها.. ها.. ها..
ـ الآنسة هالوبيتا..! الآنسة هالوبيتا ! أخذت لوحة الإعلامات الضوئية تومض بشدة .. فقفلت عائدة إلى القمرة ليبادرها الكابتن هارلو : توصلنا.. بأمر عاجل.. من برج المراقبة بإسطنبول يأمرنا بالنزول الاضطراري في مطار إزمير … أخبري المسافرين أن كل شيء سيكون على ما يرام .. ولا داعي للقلق… فالطائرة تنتظرهم في مطار إزمير..
وبعد برهة شعر الركاب أن طائرتهم .. شرعت في الهبوط ، فأخذهم الهلع … وهم يتساءلون في هرج ومرج تختلط فيه لغات ولهجات عديدة من هندية .. انجليزية …باكستانية ..وأفغانية :
ـ أين نحن..؟ ـ ماذا أصاب الطائرة .. ـ ياإلهي … ياإلهي…ـ هل هو نهاية مصيرنا …!!!
ـ لا… لا… لا… عودوا إلى رشدكم …سيداتي سادتي ..! نزول اضطراري فقط للتزود بالوقود ومن ثم سنكمل رحلتنا إلى إسطنبول… شكرا. ( شرعت ترددها مكبرات للصوت المنبثة على جنبات المقاعد )
في خضم هذا اللغط التفت الفقيه العربي إلى ميلود : ـ آولدي ميلود .. آش كايقولو… كولشي منوّضْها قربلا إلا احْنـــا .. ياكْ لابــاسْ …
ميلود … في دهشة … حينما رأى مقعد دوليم فارغا : ـ مْــشينــا فيها… ياربِّ السلامة… ارتطمت عجلات الطائرة بالأرض.. وأخذ الجميع يتأهب لنزول السلم .

محاصرة المطار

كانت الأضواء الكاشفة تضيء المدرج… ولشد ما كان الرعب يستولي على المسافرين وهم يرون فيلقا عسكريا يطوق المطار …! ووحدات من الكوماندو متوجهة ببنادقها تجاه الطائرة … يتقدمهم عميدهم بزي عسكري يحمل راديو سمعبصري تتلاحق على شاشته الصغيرة صور متحركة ؛ وإلى جواره مساعدون له … بمسدسات صغيرة تعلو صدرياتهم .
ـ نعم أنا العميد بارخو … من مطار إزمير .. جاءتنا معلومات بأن مسافرة تدعى دوليم … مطلوبة للتحقيق معها في قضية اختفاء الطائرة الماليزية بوينغ 777 التي كانت مضيفة على متنها…!
أخذ أفراد الكوماندو يقتربون خطوة .. خطوة باتجاه الطائرة ؛ في حين كان هناك أربعة أفراد لشرطة المطار بزي مدني يتفحصون جوازات السفر والأوراق الثبوتية … ثم إركابهم إلى طائرة هناك تابعة للخطوط التركية .
وقف الركاب جميعهم في طابور واحد … ومن بينهم الفقيه العربي وميلود … ينتظران دورهما للتحقيق … وقد أصابهما وجوم كبير… أي مصير ينتظرهما..!!. وبينما هما كذلك إذا بدوي انفجار يسمع بمقربة من الطائرة ؛ على إثره تصاعدت أعمدة الدخان… حتى ظن الجميع أن مستودعها الوقودي تعرض لفعل إجرامي … فذعر الجميع لهول الحادث … وإذا بيد تمسك ميلود وتسحبه إلى الخلف هو والفقيه العربي .. وسط كرِّ وفرِّ…!! ساد ميدان المدرج ؛ كل يحاول أن ينجو بنفسه ..!! . اهدأو.. . اهدأو.. . اهدأو.. إنه فقط تسرب خفيف للغاز ؛ استطعنا تطويقه .. هيا اصعدوا الطائرة ..! وسنكمل التحقيق معكم داخلها ..( كان أحد أفراد شرطة المطار يردد في مكبر صوت يدوي ..)
انزوت دوليم وميلود والفقيه العربي إلى الجهة الخلفية ومنها تسللوا عبر سرداب قادهم جميعا إلى جناح الإركابات والوصول ومن ثم حثوا خطاهم إلى الميناء حيث سفينة تحمل العلم الهندي .
ـ المياه هادئة اليوم.. ولعلها ساعة الإبحار ؛ ( قالها ضابط في البحرية الهندية ، وهو منتصب أمام لوحة مفاتيح الملاحة الإلكترونية إلى جانب أحد مساعديه ) ؛
استقلت دوليم وميلود والفقيه العربي مقاعد في الطابق الأول الذي كان غاصا بالمسافرين ذوي سحنات باكستانية وهندية ، بعض أنظارهم كانت متجهة إلى دوليم .. كلها غنج وتودد ..ايه.. ..ايه.. ..ايه.. ! … تحركت دواليب السفينة .. وشرعت الحبال تنفك عن حافة المرسى… وما هي إلا لحظات حتى اتخذت سبيلها وسط مراكب وبواخر كانت راسية هناك .
غير ميلود مقعده إلى جوار دوليم التي ضغطت بحرارة على يده … وضمته إلى صدرها الناهد … فغمغم في فتحة صدرها :ـ فـــايْنْ حْنــا ماشْييــنْ… عْييــــــتْ …مِنْ السفرْ… بْغيتْ … نرْتاحو…فْشيمْكــانْ….!! رفعت رأسه بين يديها… وهي تتأمله بعينين متموجتين كلجتين لبحر عميق..! ـ قــرِّبنا… مابْقــا والو.. غيرْ.. صاحْبكْ هو لِّطولْ عْــلينا السفرْ…
ـ عْـــــلاشْ؟! ( قاطعها ميلود ؛ محملقا في عينيها ) هوِّ راجلْ مــزْيــانْ…
ـ مــزْيــانْ… ولكنْ ســاكنْ فيه واحدْ المعدنْ صْــعيبْ… إلى مْشى حتــِّى .. تمْــتــمْ بْشي كلمــاتْ منّو..كتقْبطْني السخانه أو.. كنْحسْ بْحــــالْ العافيه .. غتحْــرقْني…!!
التفت ميلود إلى الفقيه العربي … يتأمله . كان هذا الأخير نائما موليا جانبه الأيمن صوب كوة صغيرة تطل على البحر.

دوليم تطير باتجاه أعماق البحر

كانت السفينة متهادية في سيرها ؛ تشق عباب البحر فلا يرى ويسمع إلا زبد الأمواج وهي تتكسر على جنباتها . فتح الفقيه العربي عينيه … وحانت منه التفاتة إلى السماء ومن ثم إلى البحر ليشاهد الأفق يكاد ينغمس في المياه في شكل شطحات رتيبة فزفر قائلا : سبحانك ياجليل ..! .. ياالله… ما أعظم شأنــك.. !
(( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا )) ما كاد ليتمها … حتى سمع من الخلف ، ومن أنحاء السفينة ، صياح .. وعويل ., وأنين حاد أشبه بصوت مارد مصاب … وخرق كبير في أحد جنباتها .. !! ؛ على إثره اهتزت السفينة وأخذت تترنح في سيرها حتى ليكاد سطحها أن يقترب من المياه ..!!
استدار الفقيه العربي .. ليجد اختفاء ميلود ودوليم .. ولم يعد لهما أثر…!! . عاد الهدوء إلى المسافرين ، واستعادت السفينة استواءها ..
تجنحت دوليم ؛ وعانقت ميلود وطارت في اتجاه قعر البحر… لتستقبلهم هناك قهقهات لصبايا عرائس البحر موشحة بالبياض وهن يحففن بهما.. أشبه ما يكون بموكب عرائسي …!
استفاق ميلود .. من سباته الذي غشيه طوال مدة مكوثه في الأعماق … ليجد نفسه شبه عار منبطحا على رمال بحيرة عذراء في تلك الأصقاع .. وعلى مقربة منه اضطجعت دوليم في غلالة ما زالت مبتلة وخصلات شعرها عالقة بوجهها وصدرها حتى ردفيها …
أخذ ميلود ؛ وفي حضنه دوليم ؛ يتأمل مياه البحيرة … يجيل ببصره ذات اليمين وذات الشمال وعلى القمم المطلة عليها ، ليلمح ؛ من بين صخورها ؛ شجرتين متعانقتين متطابقتين لما اعتاد رؤيته في قريته البعيدة ..!! وبينما هو يخطو على جنباتها حافي القدمين ، استوقفه مشهد قارورة تلمع في غور البحيرة … بالقرب منه …

طلسم القارورة

التفت إلى دوليم .. لتسارعه بإيماءة نحو القارورة ..
دخل مياه البحيرة الدافئة ..! وأخذ في الغوص تجاه القارورة… دنا منها ومر يده على ذلك النقش الناتئ الذي وجده مثبتا عليها … وهو عبارة عن مفتاح مشدود إليها .. فكه وأداره في عين القارورة ، متلهفا على فتحها … ما كاد يفعل حتى ضجت البحيرة والأصقاع المحيطة بها بأهازيج وزغاريد لصبايا تعتلي مراكب مذهبة وموشحة بالقناديل المتلألئة ؛ يتوسطه هودج تتربع عليه دوليم بلباس وتاج يشعان بياضا ؛ إلى جوار ميلود في جلباب وعمامة بيضاوين … كرنفال كبير… أخذت أعالي تلك البحيرة تردد ترانيمه وأناشيده التي تخلب العقول .. على نغماتها .. دبت في الشجرتين المتعانقتين هبة نسائم ، فأخذت فروعها تتمايل حينا وترتطم أخرى ..!
وفجأة لف المكان سكون رهيب… وغشيت البحيرة ظلمة بهيمة ؛ خلالها ارتفع منسوب مياهها حتى غمر ثنايا الصخور الجبلية وعادت تموجاتها تغازل الشطآن في رقرقة رتيبة وخافتة … لا أثر لحياة آدمية هناك ولا أصوات إلا من خشخشة هنا وهناك .. تحملها أنسام خفيفة حتى إذا ارتفعت إلى أعالي الصخور.. تحولت إلى صيحات وعواء من خلال الأحراش وأوراق الشجرتين المتعانقتين…

البحث عن الثلاثة

أثناءها كان الفقيه العربي يزمع على مغادرة السفينة ، فحانت منه نظرة إلى خضم الميناء الشاسع الذي بدا أشبه بمدينة تسكنها المراكب والبواخر والسفن … كلها تحمل ملصقات البحث عن ثلاثة أشخاص كانوا على متن السفينة الهندية هامياليكو … كانت هناك عناصر من شرطة خفر ميناء مومباي يحققون في جوازات السفر ، وإذا بعريفهم ؛ المديد القامة ذي اللحية المجعدة يصيح في الحضور : هاهو أحدهــم… تأكدوا جيدا صاحب الجلباب .. وما أخاله إلا أفغانستانيا ..!
ناولني جوازك ( قالها بالهندية ثم حولها إلى انجليزية ..) بينما الفقيه العربي وقف سادرا لا يلوي على شيء … كانت نظراته تتناوم وتشي بخطب كبير يسكن فرائصه .
ـ إنه مغربي… ( وأية ريح ساقتك إلينا.! ) واستطرد العريف في عنجهية : أين هما الآخران … مــيـ لــ ود ودولــــ يم ( كان يتلفظ إسميهما بصعوبة ) أيها الضابط .. حاول أن تجد لنا على الخط مترجما يجيد العربية …وفجأة ظهر على الشاشة المحمولة ، وجعل يسأله : ـ كنتم رفقة.. أليس كذلك ..؟ رد الفقيه العربي على الفور ؛ وقد استعاد هدوءه : أنــا بوْحدي… : أنــا بوْحدي… مْنــينْ رْكبْت الــبابــورْ سرقــوني .!
ـ أدخلوه المقصورة ! ـ ما رأيك السيد الضابط ؛ يبدو أن غريمينا سلكا طريقا آخر . أبلغ مركز المراقبة بذلك ، في كل من اسطنبول ومومباي .
ـ السيد العريف … مكالمة من اسطنبول.. ـ نعم هنا العريف ( بلاهنو .. ميناء مومباي الهند ) تفضل ـ معكم رئيس مركز خفر السواحل شلوبار وبصحبته رئيس قسم المخابرات بماليزيا السيد براكدوس …
بعد التحريات التي أجراها جهازنا وبتنسيق مع المخابرات الماليزية ، تبين أن إسم دوليم كان موجودا على متن الطائرة التركية القادمة من المغرب باتجاه اسطنبول ، وبعد أن اكتشف أمرها لدى طاقم الطائرة أنها كانت من جملة الهالكين على متن الطائرة الماليزية بوينغ 777 في رحلتها رقم 370 . اختفت بسرعة صحبة شخصين يدعيان ميلود الهنداوي والعربي لطرش … نعم حوِّل .
ـ نعم… عثرنا هنا فقط على الشخص الأخير ، وقد ضاعت منه أمتعته ووثائقه في السفينة الهندية هامياليكو حول……………………………………..
ـ هل يحمل وثيقة ما تساعدنا ؟ حول .
ـ يحمل فقط بطاقة هوية . حول . المترجم : اسأله إن كان على علاقة بدوليم .
( يظهر على شاشة الاتصال المتنقل الفقيه العربي ) ـ أين رأيت دوليم أول مرة …؟ ـ فْـــــــزرهونْ .
ـ مقــــاطعا : ـ ( ماذا تعني زرهــــو ن ) ويتلكأ في تلفظها …
ـ مولاي ادريس زرهـــــــون قدّام مْــــدينة مكناس….
ـ في المغرب..؟ ـ في المغرب………………..
ـ السيد العريف .. ! سينضم إلينا من كوالالمبور.. رئيس الوزراء الماليزي.. حول… ـ مرحبا .. السيد العريف .. السيد رئيس المخابرات .. ماليزيا تضع رهن إشارتكم طائرة خاصة إستأجرناها من السلطات الهندية… ستقلكم إلى المغرب مرورا بإسطنبول حيث سيلتحق بكم فريق من الباحثين ..شكرا .
كان الفقيه العربي ؛ على الدوام ؛ عاكفا على تلاوة القرآن.. بين فينة وأخرى تحين منه نظرة إلى من حوله فلا يألف إلا وجوها منكبة على تقليب صفحات الجرائد والمجلات … أو وجوها ذهب أصحابها في نوم عميق فترتد إليه نظراته وهو يردد في أعماقه : أيـــهْ يـــادِّنيا .. : أيـــهْ يـــادِّنيا شْـــحالْ نْـــتي زوينا ولكن شحال انتي قْبــــيحا …! أخرج من جيب سرواله… ورقات نقدية مغربية وتفل في يده وجعل يتأملها ولسانه لا ينفك يتمتم ويدندن : أيـــهْ يـــادِّنيا شْـــحالْ نْـــتي زوينا ولكن شحال …!! وفجأة اشتعلت أضواء جنبات الطائرة ودوى من خلالها صوت رقيق حاد : ـ سيداتي سادتي .. ! إننا على أرضية إسطنبول .. هناك طائرة في انتظاركم .. الزمن الفاصل بينكم وبينها 30 دقيقة شكرا..
صافح رئيس المخابرات العريف الهندي … تقدم رئيس فريق البحث والمبعوث الشخصي لرئيس الوزراء الماليزي إلى السلطات المغربية … وكان نحيفا تملأ سطيحة وجهه عينان جاحظتان لا تستقران على شيء ، يضع غليونه … وكلما صافح أحدهم نفث بدخنة خفيفة من شفتين متمططتين إلى اليمين …!
ـ مرحبا …! سعداء بالتعاون معكم هيا اصعدوا..الطائرة ( قالها الكابتن عثمان آغا قائد الطائرة الذي بدا وكأنه خرج لتوه من الحمام… قطرات العرق تتصبب من على جبينه .. وعيناه خضراوين هادئتين داخل جفون محمرة)

التحقيق داخل المغرب
وبمطار محمد الخامس الدار البيضاء ؛ وقبل بزوغ الفجر بقليل كان هناك ثلاثة أشخاص بزي رسمي يقفون ببهو الاستقبال وخلفهم شخص رابع براديو يدوي يزمجر بين لحظة وأخرى :
ـ آش غـــايكونْ… خير إن شاء الله … ( صدر كلامه من فم متثائب ويده تفرك عينيه…) واستطرد قائلا وكفه تحاول إخفاء فمه المتثائب : ـ آحمـــــيدْ… آرا منْتمّا شي وينسطـــونْ … لا بلاشْ .. هاهوما داخْـــلينْ :
كبير المسؤولين يرحب بالضيوف ، ويتقدمهم نحو صالة الضيافة : ـ نحن جئناكم بمغربي من أصقاع الدنيا.. ! ولكن مهمتنا هنا تنحصر في تقديمكم يد العون لنا للعثور على مزيد من المعلومات حول آنسة تدعى دوليم .. والمستر العربي مواطنكم أخبرنا بأنها تسكن مدينة زرهون…
كبير المسؤولين ؛ متوجها إلى الفقيه العربي : ـ ” آجــــي نْتـــا… آشْ دّاك لْـــهندْ… وانتا متعلمْ حتى قشّـابا صحيحا على ضهــــراكْ…!… آدوي ..؟! …” زفر الفقيه العربي بهذه الكلمات وبصره إلى الأرض: ـ ” ميلودْ… تلاقا بدوليم فزرهون أوقالـــي يالله تمشي معانا “…
ـ صافي .. ( رد كبير المسؤولين )
رئيس المخابرات الماليزي يشعل غليونه وينفث نفسا عميقا في اتجاه السقف : ـ أقترح أن نمضي إلى زرهون لمعاينة المكان علّنا نعثر لها على أثر… أوك..؟
كبير المسؤولين المغاربة للمترجم : قـــــولو اتسنّــــا حتى نتصل بالرباط … ! مضت ساعة من الانتظار وأعضاء الفريق يمططون شفاههم ويتبادلون نظرات الحيرة والتذمر. فجأة توجه إليهم أحد المسؤولين :
ـ غاديــــينْ نمشيوْ دابا .. فْيـــدِّنــا2 كـــاط كـــاطْ .
انطلقت السيارتان ، تتقدمهما سيارة ثالثة رباعية بترقيم دبلوماسي .. في اتجاه مكناس ومن ثم إلى زرهون . أخرج كبير المسؤولين المغاربة هاتفه النقال وصاح : ـ واشْ كتتتتسمعني … دابا نجبْروكْ معـــنا فْزرهون ألّا … ألّا ماشي فمكنــــاسْ قتلاكْ فزرهون كـــــتسمعْ,,, يـــــالله .
أحد أعضاء الفريق متوجها إلى صديقه بجواره : ـ المغرب جميل .. أنظر لهذه المناظر الخلابة ..! ( يرد عليه رفيقه ) حكى لي أحد الأصدقاء كان معتادا على زيارة المغرب أن المغرب بلد السحر..! ودون أن يتم ؛ لاحظ دراجتين لدركيين يشيران بتخفيض السرعة والسير خلفهما… في الطريق المؤدي إلى زرهون… وقد ازداد فضول الزوار وأعينهم ترمق عبر الزجاج ؛ أناسا يمشون زرافات ووحدانا .. ومنهم من يصطحب ماعزا أو شاة !!!
توقفت السيارات ؛ عند مدخل المدينة .. حيث وجدوا في استقبالهم قائد المنطقة والشيخ والمقدمين …
ترجل الجميع إلى داخل المدينة ، في حين كانت أهازيج مدوية آتية من بعيد تصدح في الأفق متقطعة .. وبعد حين انتقلوا إلى ردهة مرتفعة هناك كمعبر إلى دار الضيافة … لكن أرجلهم لم تطاوعهم على الخطو ؛ وهم يشاهدون أسفل منهم حشودا بشرية تعلو وتنخفض صيحاتهم مختلطة بأصوات دقات الطبول .. وعلى حافة الطريق تجمهرت نساء وبنات بنظرات كئيبة وكأنهن أمام مأتم ..!
التفت رئيس المخابرات الماليزي إلى صديقه والدهشة على محياه : ـ هل هي مناظر لتصوير فيلم حول سكان قبيلة الأغوري الهندية آكلي لحم البشر…!!؟
ـ يبدو لي كذلك … ولكن ..
ـ قاطعه كبير المسؤولين المغاربة : ـ تـــفضلو… تـــفضلو… تـــستارحو شويـــّا .
دخلوا قاعة فسيحة مؤثثة بزرابي مغربية أصيلة تتوسط القاعة موائد وأطباق وصواني تعكس أشعة مصابيح زاهية كانت مدلاة من السقف أشبه بالثريات ..
بمجرد أن رمى بجسده النحيل على ” السداري ” أخرج من محفظته صورا ناولها إلى كبيرالمسؤولين وهو يعلن :
ـ this is a real photo of Miss Dolin واستطرد مترجمه : ـ هذه الصورة الحقيقية لدوليم فهلا عثرتم لها على أثر في مدينتكم وشكرا..؟
تمعن فيها كبير المسؤولين قبل أن يمررها إلى القائد ومن حضر معه ثم خاطب الشيخ والمقدمين :
ـ سْـــــيادنا … يالله ورّيونا خدامتكم… قلعو… دوليم من السما ولاّ من الارض ..!!
غمغم قائد المنطقة محدقا في الشيخ والمقدمين : ـ راه المــــوسمْ هدا …كلْـــــشي السكان راهم هْــنا…
مال أحد المقدمين على أذن الشيخ والصورة ما زالت بيده ؛ فتكلم هذا الأخير :
ـ نْــــــعام آسِّ هذا البنت باينا نصرانـــــيا جميلا بزافْ .. وهدا النوع قْلــــيل فاشْ ايجي للموسم … غير أن القائد قاطعه في لهجة حادة : ـ واشْ انتما فزرهون والاّ ساكـــــنينْ فْشي قهرا اخرى .. ماساكن عندكم حتى شي واحدْ بهدا السميّا… دوليم ؟؟
ـ رد عليه المقدم وهو يرفع سبابة مخالبية الظفر صفراء : ـ لا نْــــــعام آسِّ..دوليم ماكايانشْ ولكنْ… قاطعه كبير المسؤولين : ـ ولكنْ آشــــنو..؟ ادوي أوطلقنا دغْــــــيا ..
المقدم : ـ ـ نْــــــعام آسِّ كاينْ عندنا غيرْ حميد ولد المدلوم اوهو راجلْ خدام فلكرنــــا ترّيكتو كلها عارفينْها
المترجم ؛ مستوضحا : من فضلكم .. الكرنا…ترّيكتو..؟
الشيخ ؛ موضحا : ـ قولـــوا لمكان الدبـيــحْ والسليخ وتريكتو هي كل ما عندو علاقا به ..
كبير المسؤولين مطرقا برأسه إلى الأرض… ينقر على الطاولة : ـ هي ماكايانش عندكم دوليم .. ولا سبق ليكم شفتو مولاة هدا الصورة..وانتا ( موجها كلامه إلى الفقيه العربي ) متأكــــْد شفتي مولاة هدا الصورة هنـــايا فْـــز.. الفقيه العربي مقاطعا : ـ آلله يـــاودّي آشّاف .. هي نيتْ أوكانت لابسا كلشي كحلْ.
المقدم :ـ فايـــانْ شفْتيها ؟ الفقيه العربي :ـ لْفــــوقْ فايـــنْ كايـــان اجّـــــرْفْ .
المقدم الثاني : ـ هديك لبــــلاصا عنْـــدنا مسكونا..ما كايقرِّبها حدْ..!
رئيس الفريق يتململ في مكانه : ـ شكرا لكم .. سنرفع تقريرنا ونكون على اتصال بكم ..
كبير المسؤولين : ـ حْـــنايا رهن الإشارة .. أولانكيط ْديالنا غايبــــقا مفتوح .. يالله آسيادنـــا نمْشيو ..انتا مْنــينْ نصيفطو مُراكْ آجــــي …

لغز رهيب …

انطلقت السيارات عائدة من حيث أتت ..؛ بينما وقف الفقيه العربي وحيدا يتأمل السماء وهو يدندن كعادته : أيـــهْ يـــادِّنيا شْـــحالْ نْـــتي زوينا ولكن شحال انتي قبيحا . وما زال كذلك إذا بصوت يناديه من بعيد : ـ آســى لفقـيـه .. يالله باقيـــا بلاصــــا …
دخل المصفحة مرسديس 240 رمى بجسمه المتهالك وسط الركاب ، وأخذ يحصي الدقائق تلو الدقائق ليصل سوق الدوار الذي خلا من أية خيمة… ولم يعد يرتاده سوى أكياس بلاستيكية تترنح في الهواء … وبقايا قشور البصل وريش الدجاج وخشاش الأرض ..!
قصد الفقيه العربي الطاحونة ، وشاهد بوجمعا مسندا رأسه إلى كتفه الأيمن… يتأمل ساحة السوق فبادره من بعيد : ـ آواحــــــدْ السلامْ عليكـــــم … آسي بوجمعا … مالي كانشوفْ الســــوقْ معمّـــارشْ ليوما…
أوجس منه خيفة…. وذكريات طرية تتزاحم في رأسه حتى لتكاد تعصف به :
ـ ياكْ لابـــاسْ آســــي بوجمعا ( قالها ونظراتـه تتردد بينه وبين دراجة ميلود هناك ) . بوجمعة أخذ يهذي بصوت خافت : ” يـــــاربي السلامـــا … يـــــاربي السلامـــا … عادْ كــــانْ هْــــنا ميلودْ معا ديكْ لمـــرا لابـــسا لكـــّحل أودابا …” لم يكد يتمها حتى دخل الطوحونة مسرعا وأقفل خلفه الباب .. وجعل ينظر من ثغرة إلى الفقيه العربي ؛ ويكاد لا يصدق أنه يرى الفقيه أو يخيل إليه …!!
يمم الفقيه جهة الشمال غير بعيد عن السوق .. جموع غفيرة في ذهاب وجيئة من وإلى الدوار… أطلق ساقيه للريح وسط شجر العليق حتى اختلط بالركب … وغير بعيد من هناك ؛ رفع بصره إلى الأفق البعيد ؛ فلاحت له أشجار العرعار في أعالي القمم التي تحدق بدواره فخفق قلبه وتنهد في أعماقه وأسرع في خطاه . تتعاقب أمام ناظريه تباعا وجوه كالحة يسكن أعينها الأسى والألم ..!
أخذ يهرول و يهرول… وما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه أمام أسلاك شائكة ضربت على مدار الغور الذي تعلوه الجنادب والصخور .. وفي السفح ؛ بدل الدوار كانت هناك بركة مياه عميقة القرار حديثة العهد ..! وجوه تشرئب أعناقها إلى الأسفل لاستكناه هذه الفاجعة … في حين كانت أخرى تتبادل نظرات الأسى والمواساة … وبين هذه وتلك ؛ أشخاص آخرون يدلون بمشاهداتهم وبما سمعوا … وهم في طريقهم إلى الدوار في تلك الليلة المشؤومة ؛ منذ أربعة أيام :
ـ ماجييتْ نقــــربْ نهوّدْ للدوار حتى سْـــمعتْ الرعد والبرق كيضربْ … واحـــادْ لغْـــماما كحْــــلا …
آخر : ـ كانت قريبا المغرب … مـُـــراها جاتْ واحــدْ الشــــتا ..كـــاطِّيحْ بالتبروري… تخبعتْ فواحـد الشجرا بعـــــدْ شـــي ساعا بدات الحمـــــلا جايـــا من فوق الجبلْ أوكاتكبْ لــتحت … ياسلام …!! رْجعت للدوار … أوبْديت نــــشهّــــدْ آشْ غـــــادي نقولكْ … طوفانْ مــــاشي حمــــلا ..!!!
آخر ينضم إلى الفتيان ـ أومن بعدْ ؟؟
ـ فالصـــــباحْ بكــــري شفـــنا واحد المنظـــر.. ما يتصوّرشْ أبنادم …أولبهايم ،، أولحوايْج … كلْشي ميّت فوق المــــا … عادْ ـ أوبنادام قليل ؟ ـ آشمان قليل … يومـــاينْ أو لمخزن كينقلْ ويعمرْ فالكاميونات !…
وقف الفقيه العربي .. شاخصا بناظريه ولسانه لا ينفك عن التكبير والحوقلة …! : أين هي الديار أين هو المتاع أين هم الأقارب والجيران …؟؟ الكل راح … الله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
كانت السماء حالكة ؛ تخفي وراء بقايا السحاب خيوطا باهتة لضياء الشمس يتردد في الأفق بين الفينة والأخرى نعيق الغربان وهي تحوم حول البحيرة من فوق .. في حين ظل بصر الفقيه العربي مسمرا على الشجرتين المتعانقتين … وفي صدره شيء من ميلود ودوليم .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني