بقلم : محمد حسيكي
المغاربة من المجتمعات المتدينة تعترف بالديانات السماوية، وتتخذ من الدين الاسلامي شريعة ومنهاجا للنظام العام بالمجتمع، الذي يحكمه أمير المؤمنين باعتباره حامي حمى الملة والدين، يسهر على الاستقرار العام والسلم الاجتماعي بالبلاد .
يقيم علاقات تمثيلية مع كنيسة روما، ويعتبر اليهود المغاربة أهل ذمة من الدين تجب حماية شريعتهم باعتبارها دينا سماويا .
وعهد الإصلاحات الاجتماعية خلال حقبة ادارة الحماية تحت سلطة سلطان المخزن الشريف، وعلى النقيض من الثورة الاجتماعية الأوروبية، فسح المغاربة المجال لقيادتهم الدينية القفز نحو العصر الاجتماعي بما يحافظ على ثوابتهم الدينية وسيادتهم الاجتماعية، لعب فيها الأوصياء على العرش النواة الأولية للمواطنة، والتطلع بالقيادة نحو السيادة من المحافل الدولية .
وإن عرفت الحواضر عهد الأخذ بالإصلاحات الاجتماعية تطورا عاما، أكثر من البوادي لعوامل الاحتكاك بالأجنبي والتواصل معه، فإن الانسان القروي كان أكثر أخذا وعملا بشريعته الدينية في حياته اليومية والعامة، من معايير الدورة الإنتاجية بالحقل الزراعي وحقوق الشرع منها، والتي تصرف على الفقراء واليتامى ودوي الاحتياجات…..إلخ
ومن تم كانت مقايضة العمل بنسبة من الانتاج عوض المال، وتعشير الانتاج الفلاحي السنوي، وإخراج زكاة المال والحيوان، ماعدا سنوات الجذب من – الجفاف – والجوائح من عوارض بشرية كالحروب، أو طبيعية كغزو المحصول من أ سراب الجراد والطير وجحافل الفئران .
والمراجع الفقهية غنية بمقادير محددة في زكاة المال والزرع والضرع، وما يستوفي النصاب من النفائس الخاصة بالحياة الاجتماعية من العصر الديني، قبل أن يجري العمل بقوانين الاصلاح الاجتماعي المتممة للحياة البشرية .
ونلقي من خلال الموضوع نظرة عن الحياة العامة من عموم جماعة المجتمع التي عاصرنا من خلالها نهج الآباء والأجداد .
الفلاح المغربي أوائل العصر الاجتماعي :
يحرث الفلاح المغربي الأرض بالمحراث الخشبي، يثبت من قاعدته سكة حديدية يشق بها الأرض بعد أن ترتوي مطرا من أواخر فصل الخريف، وبداية فصل الشتاء .
وحين ينضج الزرع يتم حصده بالمنجل، ثم تدرسه الذواب بحوافرها، ويتم فصل الحب من التبن بالمدراة حين هبوب ريح العشي من فصل الصيف .
وحين تأخذ المرأة حبوب الطحين، تقوم بتنقيته من الحصى والقرم، ثم تقوم بعملية الطحن من الرحاة الحجرية لتعد دقيق المؤن وتحضير خبز الوجبات اليومية .
وعهد العصر الاجتماعي استعمل الفلاح المغربي الجرار للحرث، وآلة الحصاد والدرس لفصل الحبوب من التبن، والدفع بالمنتوج إلى السوق الذي يتغذى منه الانسان والحيوان .
ونقدم صورة تقريبية عن حياة الفلاح المغربي، وكيفية تعامله مع المستخدم، ومع النظام العام، ومع الفئات الهشة المعوزة التي لا تستطيع إعالة نفسها من أوضاع صعبة جاثمة عليها .
التشغيل الفلاحي عهد المقايضة :
قبل انتشار التعامل بالنقود، من الوسط القروي عهود المقايضة، كان الشغل سائدا في الأوساط الجماعية بالمجتمع، من شكل تعاوني، يعتمد على الجماعة، جريا على الحديث الشريف : الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، وأيضا يد الله مع الجماعة .
والجماعة في الشرع الإسلامي مصدر من مصادر التشريع، إذ هم أهل رواية من الحديث، والدعوة من الدين.
وقد استفاد المغاربة من احاديث الشريعة، في تحديث حياتهم المدنية وشؤونهم العامة، فضلا عن تنظيم وتهيئ الانسان إلى العمل في إطار جماعي وتعاوني متداول بين الأطراف الجماعية، في شكل تويزة بل تتويجة جماعية لفائدة الفرد من الجماعة، أو جدل جماعي من عمل تشاركي : بمثابة إنجاز طريق الوحدة، حدائق أجدال، حديقة الشباب خارج أسوار مدينة مراكش .
أما العلاقة التشغيلية بين المشغل والعامل، فكان يحكمها التعامل العام من الشرع الذي يحكم البلد، والذي يسري به العمل من الجماعة والفرد .
ويجري تطبيق الخمس من إنتاج زراعة الحبوب الخريفية، والربع من إنتاجي الكسب والمغروسات، كأجر عام للعامل عن جهده السنوي .
ويحمل العامل في الزراعة من حقوق عمله السنوي، اسم الخماس نسبة لأتعابه المهنية من المنتوج الزراعي، من المحصول السنوي العام المحدد في الخمس.
أما العامل بالزراعة السقوية والمغروسات والكسب، فيسمى الرباع نسبة لحصته من الإنتاج السنوي المحدد في الربع، من مواليد الكسب أو غلال المغروسات .
الخماسة :
يقبل على الخماسة عهد المقايضة، الانسان البالغ والمقتدر من العمل طيلة السنة، بداية من شهر سبتمبر إلى أن ينهي عمله مع نهاية موسم الحصاد والدرس، وتنقية الأراضي المحروثة من قطع سدر الأشواك، الذي تسيج منه البيوت القروية وإن حصل تأخير في تأدية العمل، يبقى جزء من مردودية الإنتاج بيد المشغل إلى نهاية الأشغال .
يبدأ العامل الذي انخرط في الخماسة عمله، من شهر شتنبر الخريفي، حيث يتولى الخدمة من البيت، بتقديم العلف للحيوانات والقيام بترويتها بالماء، فضلا عن تزويد البيت بالماء اليومي، يحصل خلالها على وجبة الفطور، ووجبة الغذاء، ووجبة عقبية، تسمية من مشرعها عهد شريعة عقبة بن نافع .
ومن جهة ثانية يتفقد مع مشغله، أدوات الحرث، من محارث خشبية وسكك حديدية، وحالة الحيوان، وأنواع الحبوب المهيئة للزرع، والبقع الأرضية التي ستتم حراثتها .
وتحدد البقع الأرضية، العدد الذي يشتغل على الخماسة، اثنين أو ثلاثة أو ما إلى ذلك، كما يخيرهم المشغل، بين الاشتراك في الشغل فيما بينهم، أم يحدد لكل منهم قدره من الأرض، إذ من اصحاب الخمس من يكون له أبناء أو إخوة يعينونه عن العمل، ومنهم من يكون مفردا، وفي حالة احتياج المفرد إلى عون وجب عليه أن يطلب من مشغله البحث عنه، بقدر من الخمس لإتمام العمل من وقته، أو التخلي عن الخمس إن أخل بشروط الخدمة .
ومن جهة، إن كان المحصول جيدا ووفيرا، استخلص المشغل من الخماس العشر لصالح الفقراء والمساكين .
أما إن كانت حالة الخماس ضعيفة أو الموسم ضعيف، فإن على المشغل إعفاءه من ذلك، بل ومنحه نصيبا من الأعشار التي يعين بها ذوي الحاجة .
الرباعة من الكسب :
يتعامل الكسابون مع رعاة الماشية، على مدار العام، بداية من موسم الحصاد، أو أواخر فصل الصيف.
يحدد قدر الرعي في مائة رأس من الغنم، قابلة للإنجاب، وهو ما يسمى في مصطلح الكسب، عصا مئوية من رعي الغنم .
يقوم برعيها وترويتها والتنقل معها والتعامل برفق مع خرافها، يحصل الراعي من رعيه السنوي على الربع من الخراف
ونحوه من جز الأصواف .
ومن المعاملة التاريخية في حياة أهل المغرب، مع البلدان الخارجية، أنهم كانوا لا يشغلون عرب بني الأحمر في الرعي، عهد صفقات التشغيل في الرعي مع البريطانيين بالأراضي الأمريكية، فترة حكم الدولة السعدية، لأسباب تاريخية تعود إلى طرد بني الأحمر من البلاد الأيبيرية، عملا بعرف جماعة المجتمع : من شغل بني الأحمر في الرعي، فقد عصى شرفاء الحمراء .
بل كانوا يتعاملون معهم بالحسنى من وقت الإنتاج من وقت جمع المحصول السنوي، ضمانا لقوتهم السنوي عوض الاشتغال بالرعي والخوف عليهم من الردة في الدين .
الرباعة من المغروسات : تتم الرباعة عن الغراسة من وجهتين :
رباع الخدمة : يتولى الخدمة من الأرض المغروسة، بنصيب سنوي من الإنتاج محدد في الربع، يرتبط مع المالك ارتباطا سنويا قابلا للتجديد .
رباع الغراسة : يحصل على الأرض عارية من مالكها، على أن يقوم بغراستها بنوع معين من الأغراس، يرعاها بالخدمة والمطاوعة ومتابعة الأشغال إلى أن تصل إلى مرحلة الإثمار، التي تتطلب سنوات من العمل .
وخلال الإثمار يحصل الرباع على حقه السنوي في الربع من الغلال .
ويضمن هذا الجهد الدؤوب من العمل للمستخدم حق الشراكة من الأرض، التي يصبح نصيبه منها بعد الغراسة، محدد في الربع تبعا لتحويل مردودية الأرض من بورية إلى مغروسة .
وخلال مدة الشغل الفلاحي يحصل المستخدم من خمس أو ربع على وجبات الغذاء اليومية، كما ينفق المشغل خلال السوق الأسبوعي على بيت المستخدم إلى وقت تحصيل المحصول، حيث تجري المحاسبة ويؤدي المستخدم ما عليه من دين نحو مشغله .
الحقوق الشرعية من الانتاج الفلاحي :
حين يخضر الربيع من المغرب الأخضر، تتغنى كل الكائنات من نواميس الحياة، وتشرع الشرائع السماوية للحياة البشرية، تلك الحياة التي يتخذها الإنسان المغربي شريعة ومنهاجا، تميزه عن فصيله من الديانات السماوية .
والانسان المغربي فلاح طبيعي من شريعته التي تستنهض فيه حراثة الأرض من الحديث الشريف : من أحيا أرضا ميتة فهي له .
وقول الشيخ الهرم في عملية الحرث الجماعي : إذا كان الشتاء فادفنوني ** فإن الشيخ يهرمه الشتاء
ومن تم كان الفلاح المغربي حين يشغل مستخدما، يشغله بنسبة شرعية من الانتاج، وحين يؤدي حقوقا لغير القادرين على العمل من عوز أو فقر يصيبهم، يؤديه بنسبة شرعية من الانتاج، عن طواعية وإيمان وأن الأرض لله، يورثها لعباده الصالحين .
وهكذا إن كان يشغل مستخدما من موسم الحرث إلى موسم الخريف، فإنه يشغله بالخمس، وإن شغله من أواخر الربيع إلى أوائل الخريف، شغله بنصف الخمس .
وإن شغل في الغراسة أو رعي الماشية، شغل بالربع على مدار العام من الانتاج السنوي .
ولا يستغفل الفلاح من حرثه ورعيه حقوق الشرع عليه، نحو الفقراء الذين يعيشون أحوالا صعبة ومن في حكمهم، حيث يؤدي الخرج عن الإنتاج عشرا عاما من الانتاج في الحبوب، ونصف العشر في الغلال من الأغراس، وأعداد من الرؤوس متفاوتة من نوع الكسب بمقدار محدد من الشرع .
وفي ختام العام، يجري الإحصاء على الممتلك العام، وتقييم الدخل العام بالمقدرات النسبية من أداء زكاة المال، في حدود 2.5٪. من الأرباح الزائدة عن قيمة الاستثمار .
ذلك ما كان يجري عليه العمل من حكم الشرع، في المجال الفلاحي المغربي، من عهد الشرع الاجتماعي وإن حل بالمجتمع قانون الوضع، فإنه لا يلغي من جانبه قانون الشرع، الذي يبقى طوعيا من غير إكراه .




