كواليس اليوم: إسماعيل هاني
تستعد فعاليات جمعوية، من التيار الحداثي، لتأسيس حزب وطني جديد.
وتوصل موقع “كواليس اليوم” بنص الأرضية التأسيسية لمشروع الحزب الشعبي الحداثي والتي تحمل عنوان : “الحداثة الشعبية.. الاختيار الآخر” .
ويشرف على اللجنة التحضيرية للحزب المقبل، الناشط الجمعوي المعروف عبد المجيد مومر الزيراوي.
وهذا نص الأرضية:
البيان الحداثي الشعبي
إن المسألة شبيهة تماما بالنبتة التي نريد لها إيناعا خاصا ، وهي أيضا تريد محيطا خاصا. فلا بد أن نحتفظ لها بجذورها، إذ أن كل استئصال لهذه الجذور يشكل في العمق إغتيالا للإيناع رغم تنوع مساحيق الفوق و رغم التفنن في تجميل المزهرية. وكل قطع لها هو حكم على النبتة بالذبول رغم كل أشكال الاحتفال اللحظي بزينة تسرَ الناظرين فقط . فلا قطيعة في مشروع الايناع بل تطور متواصل بالجذور الموصولة بالمياه الجوفية التي تتكفل الطبيعة بتوفيرها و تنقيتها. الإيناع ” حداثة ” و الجذور ” شعبية ” و ما بينهما إرادة الفاعل الثقافي، حارس المشتل، وهو يؤطر إيقاع الإيناع من داخل المشتل لا من خارجه ، يراهن على غد النبتة بقدر استحضاره لأمسها . فمهمته التاريخية مضاعفة :
1- الاعتناء بالجذور في أفق الايناع .
2- استيعاب الأمس ضمن حركية التاريخ.
و هي المهمة التي لن نضمن نجاحها إلا ببناء استمرارية مسائلة قلقة ، لا تطمئن لمنطق البديهة و لا تكتفي بحكم المسلمات. استمرارية نقدية تراكم الشك و تمارس وضع الأسئلة الكبرى دون الارتهان للأجوبة الصغرى ذات الأفق المحدود. لأن دور الأسئلة هو خلخلة بنية فكرية قائمة جامدة، و العمل الدؤوب لإعادة تشكيل صرح فكري مغاير، لا يكتفي بالوصف المؤدي عادة إلى دخول سجن أحكام القيمة بل يسعى نحو التحليل المعبرعن موطن الخلل، والتركيب المبني على مفاجآت الطبيعة وانتظارات الفاعلالبشري. وهونفس الدورالذي ينبغي أن يعيه الفاعل الثقافي بين ممارسته وإكراهات المحيط العام الذي هو جزء منه بحكم غاياته التي يريد أن يحققها داخله و ليس خارجه. إنها المحايثة التي تجنبنا الوقوع في طوباوية حالمة و تقينا شر”خلق العوالم ” دون القدرة على تصريفها. هي استمرارية نقدية مسائلة للأرض الحاملة للخطى والنور البعيد الذي نرنو إليه دون الإصابة برهاب الظلام. فكما الليل الدامس بظلاميته المثقلة للخطى، والباعثة على اليأس و القنوط و الملل ، تبعث الأضواء البراقة الكامنة في الأجوبة الصغرى على الزهو الفارغ و النرجسية القاتلة. تلك التي يعيش هالتها المثقف ويبني عليها مظلوميته بل يسميها اغترابه بتلذذ مفرط داخل الشرنقة الخلابة في المزهرية المقطوعة الجذور، و بين ثناياها ” العالمة ” يخفي عجزه و اتكاله. تماما مثلما يتلذذ الداعية، الفقيه المفتي ، بنصوص العتاقة و فصاحتها ليخفي عجزه وخوفه من فتح باب الاجتهاد. ثم ينظم المثقف و الداعية معا الى خانة ” العقل المستقيل ” و يفتحان المحيط العام على المجهول السياسي في مسرحية التنابز بالألقاب.
إن الاستمرارية النقدية هي عصب ” الحداثة الشعبية ” بين ما ترسب في قعر المجتمع و ما يستدعيه المحيط العام من مساءلة الذات أولا. فهل نمتلك المناعة الكافية لدخول تفاصيل المشتل قبل أن نطالب المحيط بالحصانة ؟ و هل نتوفر على ثقافة ” المَنْجَمِي ” قبل أن نتقلد منصب ” المُنَجِّم ” ؟ . لذا فالحداثة الشعبية هي هذا التسلح الدائم و الواثق بقابلية التكيف مع المستجد دون الانشداد إلى دوغمائية لم تسفر إلا على تقوقع يكتفي باستحلاء لحظة الدهشة حين تتوالى صدمات الحداثة . و لا يعني النقد المستمر جلد الذات بل تطويعها بما يخدم قابليتها للتطور، إذ أن بناء وهم الحقيقة المطلقة في تصديق مجريات الأمس أو الثقة الساذجة في المستقبل لن يحشر الذات إلا في عملية طلاء الزنزانة كل يوم بلون مزاجي . و قد تتعدد الألوان البراقة غير أن الزنزانة تأبى إلا أن تظل زنزانة تحجب جدرانها القزحية الأفق البعيد ، و تصيب الذات بقصرالنظر الثقافي المهدد دوما بعمى الألوان ، هو الذي معه تعددت الرموز الانتخابية و تشابهت ألوان زنزانتها. و إذا كانت صفة ” الشعبية ” لا تعني فقط ادعاء الانتماء للقاعدة الشعبية بل الإنصات الدائم لمحتملها، و التبئيرعلى قوة ركائزها، وجعلها الأساس الثابت لكل ارتقاء و صعود. فإن كنه ” الحداثة ” لا يختزل فقط في ادعاء المسايرة و المواكبة و تقفي آثار الشعوب المتقدمة ، بل هي نقد إواليات المنعطفات التاريخيةالكامنة في العمق الثقافي الشعبي، ورصد نقط ضعفها والتركيزعلى مكامن قوتها بما يخلق الإنسجام والتناغم داخل بنية ” العقل الشعبي ” بشكل يحتفظ له بخصوصيته و يجعل منه آلية مستعدة دوما لخوض غمار التطور. فالحداثة الشعبية هي ممارسة جدلية الكائن الغاضب و المغضوب عليه بين موقعيه المختلفين، وهي تستحضرالخصم التاريخي تسائل باطمئنان و بروح نقدية بواعث الغضب. فلا يقين للحداثة الشعبية إلا يقين حركية التاريخ و المجتمع. و رغم أن ” الحداثة الشكلية ” تضع ” الحداثة الشعبية ” كمغضوب عليه فإن ” العقل الشعبي” هو الذي يشرعن موقعها الغاضب، على أن يتحول هذا الغضب المشرعن لوجودها من موقع المنفعل الى منصة الفاعل. و هو ما يستوجب بماهية الغايات استثمارالغضب إذ شتان ما بين المغامرة والتهور.
إن الحداثة الشعبية وهي تنبعث من عمقها الثقافي إنما يستوي وقوفها على قدمين أساسين :
1- القدم الاقتصادي: الذي وجب أن يعتمد مبدأ المردودية ذات الأمد البعيد و المحركة للدورة الاقتصادية بالمشاريع الاستثمارية المستوعبة لأكبر عدد من المستفيدين. إذ أنه آن الأوان للتحول من” ثقافة الفندق ” الى ” ثقافة المعمل “، من ” ثقافة الكورنيش ” الى ” ثقافة النماء المتكامل”. و هوما يستدعي الاستثمار في العنصر البشري لتأهيله قصد ولوج تجربة الصعود عوض خوض تجربة الترميم التي لم تنتج غير استفحال ظاهرة ” غرفة الإنعاش الاقتصادي ” المرافقة دوما للموت السريري، مادامت لا تغذي إلا ذيوع ” التجارة الموسمية ” المغذية بدورها للبطالة المقنعة الملغومة التي ستأتي على الأخضر و اليابس. حيث تخلى ال ” الذو مالي ” عن الفعل الاقتصادي المواطن، و ترك الفئات الشعبية تحت رحمة سياسات المؤسسات المالية الدولية المانحة، و اكتفى بالربح السهل و المشاريع الاستهلاكية مراكما للرأسمال المادي ، متهربا من مسؤولياته الوطنية ، معرقلا بذلك الأولويات المتجسدة في ضمان الحرية، الكرامة و العدالة الاجتماعية.
2- القدم الاجتماعي:
الذي وجب أن ينهض على ضرورة القطع مع مفهوم ال ” ذو مالي ” المحسنالمضلل، وهو القطع الذي يبرز الصراع عوض تذويبه. فالحداثة الشعبية تنطلق من إذكاء التنافس بما هو صراع يستجيب لحركية التاريخ و المجتمع، و يرسم بدقة الفوارق الفئوية كي تتضح الخريطة الاجتماعية، و يضمحل التناحر العبثي لشرائحها المؤدي لفوضى غير معلومة العواقب. فالاهتمام بالعمق الشعبي و ترتيب ارتقائه مع الاحتفاظ بجذوره بما يخدم حداثته كجزء من كل داخل بناء متماسك، توكل مهمة ضبط تسوياته لجدلية ” الحداثة الشعبية ” الكفيلة بتنمية السلوك الشعبي ليساير التطور المنشود من خلال الإدماج الفعال لمستجدات العلوم الانسانية في مفاصل التعليم و التلقين بشكل يجعل من الفعل الثقافي أساسا للفعل التنموي، و يجعل من الفعل الاقتصادي محركا واعيا بوظيفته التاريخية .
إنه بالارتكاز على هذين القدمين يصبح الفاعل السياسي ملزما بتجسيد دوره في البحث عن قنوات تصريف الاختيار الحداثي الشعبي، و تنفيذ مشروعه التاريخي، بعيدا عن أمراض التسلط والانزلاقات التحريفية التي من شأنها إعادة إنتاج السلوك السياسي الفاقد للشرعية الثقافية. فالعمق الثقافي الشعبي يظل الحاضن الفعلي لكل الممارسات الاجتماعية ، الاقتصادية و السياسية باعتباره المؤطر المحوري لكل نشاط بشري. إنه الورش الحقيقي: ورش الحداثة الشعبية.
الاختيار الحداثي الشعبي .. الاختيار الآخر
اللجنة التحضيرية للحزب الشعبي الحداثي
المحمدية : 28 – 09 – 2016




