كواليس اليوم:عبد الحق العلوة
كما كان متوقعا أعلن ماتيو رينزي رئيس الحكومة الإيطالية عن استقالته من مهامه بعد “الرفض الواضح للإيطاليين” للتعديلات الدستورية التي تقدم بها.
إعلان رئيس الحكومة الإيطالية عن استقالته جاء نتيجة الاستفتاء التي أكدت بوضوح رفض التعديلات التي كان ينوي إدخالها على الدستور حيث بلغت نسبة الرافضين حوالي 60% مقابل 40 % للمؤيدين لتعديلات رينزي،حيث لم تترك مجالا له للمناورة السياسية مما دفعه للإعلان عن استقالته حتى قبل الإعلان النهائي لنتيجة الاستفتاء.
وقد بدا رينزي أثناء إعلان استقالته المعروف بحيويته وكثرة كلامه، كئيبا حيث تلي كلمات مقتضبة، غالب فيها مشاعره عندما بدأ في شكر معاونيه.
هذا ويعد خروج رينزي بهذه الطريقة مفاجئا حتى لخصومه السياسيين بحيث لا أحد كان يتصور أن نتيجة الاستفتاء ستكون بهذا الفارق الكبير ، لتضع بذلك حدا لأصغر زعيم سياسي (41 سنة) تشهده إيطاليا وكانت العديد من الجهات تعقد عليه آمالا كبيرة في الوضع السياسي في إيطاليا ويعمل على تجديد الطبقة السياسية.
لا أحد باستطاعته أن يمس بالدستور في إيطاليا هذا هو الجواب الذي قدمه الإيطاليون برفضهم بأغلبية واضحة (59.11%) للتعديلات التي بادر رئيس الوزراء المستقيل ماتيو رينزي القيام بها على الدستور أياما فقط بعد وصوله إلى قصر “فيمينالي” يوم 22 فبراير 2014.
وقبل رينزي حاول سلفه برلسكوني في سنة 2006 القيام بنفس التعديلات تقريبا وإن اختلفت في بعض الجوانب التقنية، حيث رفض الناخبون الإيطاليون في استفتاء يومي 25 و26 يونيو 2006 تعديلات برلسكوني بأغلبية 61.29%.
وباستفتاء أمس الأحد 4 دجنبر أصبحت تتأكد أسطورة “أحسن دستور في العالم” التي ينسجها الإيطاليون خصوصا جيل المقاومة ضد الفاشية حول دستور بلادهم، هذا الدستور الذي جاء في ظروف استثنائية وبعد حرب أهلية استنزفت البلاد، اعتبر الجميع الدستور هو الخلاص من الويلات التي شهدتها البلاد أثناء العشرينية السوداء مع الفاشية.
تطلب إنجاز الدستور 18 شهرا كاملة من قبل جمعية تأسيسية تم انتخابها يوم 02 يونيو 1946 تزامنا مع الاستفتاء على الملكية ،حيث تكونت الجمعية التأسيسية من 556 عضو مثلت فيها جميع الطوائف والفرق السياسية، دون هيمنة أي تيار أو فريق سياسي ، وكان لزاما البحث عن التوافق السياسي بين التيارات السياسية خصوصا بين الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين والشيوعيين.
وكان لهذا التوافق “الاستثنائي” بين السياسيين بإيطاليا أثر كبير على الصيغة النهائية ل”الوثيقة الدستورية” كما يفضل الإيطاليون تسميتها، بحيث تم تضمينها جميع الضمانات القانونية للحفاظ على الديمقراطية وحتى لا تسقط إيطاليا مرة أخرى في يد الفاشية.
وخوفا من سيطرة تيار أو حزب سياسي على المشهد السياسي وحفاظا على التوازن السياسي تم تقسيم جميع السلطات إلى هيئات مختلفة فعلى مستوى السلطة التنفيذية لم تعط سلطات حقيقة لا لرئيس الجمهورية ولا لرئيس الوزراء ، وكذلك بالنسبة للسلطة التشريعية تم إعطاء نفس الصلاحيات لمجلسي النواب والشيوخ.
وبالرغم من المحاولات العديدة لتغيير الوثيقة القانونية الأسمى في إيطاليا من بعض السياسيين إلا أنهم فشلوا جميعا ولعل رينزي لن يكون آخرهم، فمجرد ذكر كلمة “تعديل” مقرونة بالدستور حتى تثير حفيظة العديد من الإيطاليين خاصة جيل المقاومة ضد الفاشية. لذا فلم يكن تحذير بعض السياسيين أثناء الحملة الانتخابية للاستفتاء على التعديلات الدستورية من سقوط البلاد في يد الفاشية اعتباطيا.
هذا وكان ماتيو رينزي قد قدم في مارس 2014 مشروع تعديل دستوري أمام البرلمان كان يصبو من خلاله تجاوز نظام الغرفتين ذات نفس الاختصاصات وإعطاء صلاحيات أكثر لرئيس الوزراء فيما يخص السياسة الجهوية، إلا أنه فشل في الحصول على موافقة ثلثي أعضاء النواب البرلمانيين كما ينص عليه القانون ليتم عرضه على استفتاء شعبي يوم أمس الأحد حيث تم رفضه بأغلبية 59.11% من أصوات الناخبين.




