الكورونا.. الرأي والحقيقة في الإعلام

الحسين بوخرطة
موازاة مع ما أفرزه انتشار وباء فيروس كورونا كوفيد 19 وطنيا وعالميا من مستجدات، طفا على سطح الأحداث ببلادنا دعوات إلى تعميق التفكير مستقبلا في عدة مراجعات تخص عدة مجالات. وهذه المرة خيم على تفكيري، بعدما نشرت عدة مقالات متتالية في مواضيع مختلفة مرتبطة بهذا الحدث، موضوع تقابل مفهومين فكريين بارزين، أرى أن استعمالهما أو استغلالهما في الحقل الإعلامي لا يتم بمنطق التكامل والتناغم المطلوبين. ويتعلق الأمر بمصطلحي “الرأي” و”الحقيقة”. إن واقع اليوم، أي ما عشناه ونعيشه من هلع وقلق جراء الغموض الذي يكتنف مصائرنا، يفرض علينا بإلحاح شديد تجاوز كل أنواع التصنيفات غير المجدية في مجال الإعلام، والتي لا تستند على مبررات موضوعية معرفيا، وخلق نوع من التوازن ما بين الحيز المخصص للأحداث من جهة والمقالات الفكرية والتحليلية من جهة أخرى. لقد أبرز لنا درس الكورونا الحاجة إلى التفكير في استبدال كلمة “الرأي” ومرادفاتها بعبارة واضحة ومفهومة، وذات دلالة تجسد قيمة الإسهامات التطوعية للكتاب والمفكرين والإعلاميين في مختلف المنابر الإعلامية، كأن نختار على سبيل المثال عبارات من قبيل “مساهمات إعلامية أو علمية أو فكرية”، أو “مناقشات أو تحليلات فكرية أو معرفية”، …. إلخ.
الدوافع التي جعلتني أتناول هذا الموضوع تنحصر في النقط التالية:
• العديد من المنابر تخصص ركنا للرأي وتسميه بمختلف التسميات كمدونات، كتاب الرأي، كتاب وآراء، للنخبة رأي، مواقف، أقلام حرة، زاوية مفتوحة، مقالات الرأي، …إلخ، ويتم عزل تلك الكتابات في ركن خاص عن باقي الأقسام الإخبارية الأخرى، وكأن هناك إقرار بالتفاوت في القيمة ما بين الكتابات التي يتم انتقائها في كل منبر على حدة على أساس ملامسة الحقيقة في الخبر والتحليل والاستنتاج،
• هذا التصنيف يصبح إشكالا حقيقيا عندما يكون المنبر حزبيا. فلجوء القيادة الإعلامية إلى قبول هذا التمييز ما بين المناضلين أو المتطوعين، يجب أن يكون مبررا معرفيا. ويزداد هذا التصنيف غموضا عندما تضاف أسفل الصفحة أو الصفحتين الخاصتين بالرأي عبارة كون “المنبر لا يتحمل أي مسؤولية في محتوى المقالات المنشورة”. إضافة إلى ذلك، هذا التقسيم، بطبيعته، لا يمكن تفسيره إلا بوجود فئات أو طبقات من المناضلين والإعلاميين الحزبيين لا تقبل التناقح والتفاعل الداخلي من أجل تطوير الوعي السياسي والفكري للمنظمة المعنية. كما أن إضافة العبارة الخاصة بالمسؤولية لا يمكن أن لا تستفز تفكير المتتبع، وتدفعه إلى التساؤل في شأن دوافعها. فالخوف من تحمل المسؤولية في هذا الشأن لا يمكن إلا أن يفترض وجود جهات داخلية أو خارجية لها سلطة رقابية معينة تفرض حدودا على طبيعة الرسائل التي تحملها مختلف الكتابات الإعلامية،
• أما آفة انتقاء المقالات القابلة للنشر ورفض أخرى بدون أي توضيح أو نقاش، فتطرح إشكالا آخر يتجاوز بكثير اعتبارات تغليب مكانة تغطيات الأحداث على حساب مكانة الفكر والتحليل، وتتجاوز كذلك معضلة إضافة عبارة عدم تحمل المسؤولية،
إن تسمية ركن مقالات الفكر والتحليل بعبارات مستنبطة من كلمة “رأي” يثير إشكالا مفاهيميا مقلقا، ويعطي الانطباع وكأن المنتوجات الفكرية والتحليلية لا يمكن لها أن تتجاوز قيمة الحقيقة العامية بالرغم من اعتبار قيمة حقائقها من أرقى المستويات المتوصل إليها. لقد اعتبر الفلاسفة على مر التاريخ “الرأي” أقل منزلة من “الحقيقة”. لقد أكد بشلار وجود تعارض جذري بين الرأي والحقيقة العلمية، لأن الرأي في نظره لا يمكن بلورته إلا على أساس الاعتقادات السائدة لدى عامة الناس، المجسدة للترابط بين المعرفة والحاجة والمنفعة. نفس الفيلسوف، يدعو، من أجل إنتاج وبناء الحقيقة العلمية، إلى التخلص من أفكار العامة واستبعادها. فلا يغدو، أي الرأي، أن يكون مجرد معرفة أولية، يمكن الاستئناس بها، مع اتخاذ ما يلزم من الاحتياطات للحيلولة دون تحولها إلى عائق للتفكير. الرأي بالنسبة له لا يفكر، ولا يمكن تأسيس أي شيء على أساسه (الرأي أول عائق يجب تجاوزه وهدمه). أما ديكارت، فقد اعتبر الآراء، كمنتوج عامي، فضاء للتأمل العقلي الغاية منه هو البحث عن البراهين العقلانية لهدم أو تجاوز أو نقد أو مراجعة المعارف السابقة، أي الآراء السائدة. لقد رفع هذا الفيلسوف من شأن قيمة الشك في الآراء كآلية لنقد ما اكتسب منها، وتحويل المنتوج الفكري المؤسس على الشك إلى معارف عقلية جديدة أكثر يقينا وصلابة.
في نفس الوقت، أمام الدونية التي تميز كلمة “رأي” عند الفلاسفة السالفي الذكر، نجد سبينوزا لا يليها أي اعتبار، ليميل إلى تفضيل كلمة “البداهة”، كمرادف للحدس الخالص، الذي يميز العقل البشري اليقظ، ليجعل منها منطلقا للبحث عن الحقيقة باعتماد الاستنتاج والاستنباط.
على عكس هذا التصنيف الخاطئ، لا يمكن للقارئ أن لا يستشف في المقالات المصنفة قسرا في خانة “الرأي” قيم معرفية ذات جودة رفيعة، نظرا لكون محتواها لا يمكن أن يتمحور إلا حول أفكار معرفية باحثة باستمرار عن إبراز قيمة حقيقية معينة. إنها مقالات مفكر فيها تستحضر الطابع العقلي الخالص، والاعتبارات العملية النافعة، والمرجعيات الأخلاقية المعروفة. إضافة إلى ذلك، فهي تمتاز بنوع من الموضوعية المنزهة عن كل مصلحة أو منفعة ذاتية. كما أن طبيعة التفاعل معها، واعتمادها للحوار (المغذي للتواصل) بدلا من المجادلة (المغلطة للآخر والساعية إلى إلغاء أفكاره)، قد يجعل منها فضاء لإنتاج الحكمة والفضيلة والعدالة والشجاعة وتبادل الحجج والبراهين لإقناع القارئ.
أكثر من ذلك، مقالات من هذا النوع لا يمكن أن تكون هامشية في البنية الكلية للمنابر الإعلامية، بل هي في العمق، بحمولتها المعرفية، تشكل مراجع مؤيدة لمعالجة تغطيات الأحداث السياسية والاقتصادية والمجتمعية. إن أي منبر في كليته، في حالة احترامه لمكانة كتابه ومفكريه، يمكن أن يجعل من الحقيقة، كما قال هيدغر، آلية محفزة للإنسان ومؤهلة له لاكتشاف الوجود عبر الإنصات إلى لغة الكون. فهيدغر يعتبر هذه اللغة، لغة الوجود، هي الحقيقة التي يقيم فيها الإنسان، وتجنبه اللاحقيقة، أي التيه، وتجعله واع بها ومحميا من الانزلاق في منحدرات الآراء العامية، التي تقذف به إلى ما هو أكثر رواجا، أي إلى عالم زائف، يحول المجتمع مع مرور الزمن إلى عقل منغلق مقاوم لنفاذ الحقيقة إلى كينونته.
إن تمتيع هذا الركن بتسمية واعتبار ملائمين هو ليس امتيازا، بل هو واجب تمليه حاجة مجتمعاتنا إلى تفاعل قوي ودائم بين الفكر والواقع بحثا عن حقائق جديدة، الحقائق التي لا زالت كامنة في الطبيعة وتوجد خارج ثنائية العقل والتجربة (كالبحث عن مضاد لفيروس كورونا المستجد). إن تقزيم دور ورتبة الكتاب والمفكرين والعلماء في صفحات المنابر الإعلامية، لا يمكن أن يكون إلا مرادفا لإبعاد التفكير العلمي والفني والإبداعي في التعاطي مع قضايا وإشكاليات الحياة، التي يمكن للطبيعة أن تعقدها وتحولها إلى أزمات قد لا ينفع في محاربتها التباعد الاجتماعي أو الحجر الصحي.
إن المعاش بسلبياته وإيجابياته لا يمكن أن يتركه الإنسان خاضعا للعشوائية والفوضى (موضوع الصفحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية)، بل يحتاج إلى مرافقة فكرية وتربوية وفنية وثقافية مؤطرة (المساهمات الفكرية والعلمية التحليلية). فالمعاش، كظواهر حسية، لا يمكن أن تتحول في نظر جون لوك ودافيد هيوم إلى مدارك حسية، ثم إلى أفكار بدون إخضاعها للتجريب والتحليل، ليتيسر إدماجها في الواقع. إن طبيعتها الأولية لا تمنحها القدرة الفاعلة الكافية للتحول إلى يقينيات ثقافية نسبية إلا بدعم تأمل المفكرين واستدلالهم وبراهينهم التوضيحية. برجال الفكر تتمكن المجتمعات، يقول نيتشه، من تحويل الحقيقة إلى قيمة في خدمة الحياة، وترتقي المدارك إلى منافع العالم المنظم، وتفهم فيه صراعات الحشود المتحركة من الاستعارات والكتابات والتشبيهات، ليتيسر توجيهها لخلق حقائق جديدة.
إن التصور البرغماتي النفعي، الذي جسد تصور وليام جيمس، لا يختزل في الذات الفردية، ولا يخضع لمنطق ما ينفع البعض يضر البعض الآخر، بل هو تصور يربط الحقيقة بتطور النوع الإنساني من جهة، وبالحياة من جهة أخرى، من خلال تأثيرها إيجابيا على الحياة العملية (تطور المنفعة الفردية والجماعية مقياس لتحديد قيمة الحقيقة النسبية). وبتراكم كل الاعتبارات السابقة، يبقى تصور الفيلسوف كانط للحقيقة مكملا ومعززا ومبررا لمفهومها المعقد والمركب. إنه يعتبرها قيمة أخلاقية، غير مقيدة بشروط، تقوم على أساس الواجب الأخلاقي الضامن للصدق في التصريحات والأقوال والأفعال. كل هذه التبريرات والاعتبارات، بل وأخرى عديدة، هي الوسيلة الأنجع لجعل حقائق اليوم، التي لا توجد، كما يقول ميشيل فوكو، خارج السلطة ولا تخلو من سلطة، فضاء مؤسساتيا للتأمل لخلق حقائق متطورة باستمرار.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني