لطالما ربط التنمية والتقدم في بلادنا بالديمقراطية وحضورها، في جميع المؤسسات وثم ربط التخلف والقهر الاجتماعي الممنهج الذي تعاني منه الاغلبية والسواد الاعظم من الشعب بغياب هذه الديمقراطية.
في حين ان الحقيقة تكمن في فسح المجال لحرية الابداع والتفكير والنهوض بالعنصر البشري وتطويره وتأطيره جيدا ودمجه في مجالات التنمية والإنتاج والمعرفة، يبقى هو الشرط الواحد واللازم لتحقيق اي تنمية حقيقية ومستدامة في مجتمعنا.
فالغريب في الامر في ما يقع في بلادنا يتم طمس الحقيقة والمصداقية في تشخيص الداء والخلل الذي يعاني منه المجتمع ونكتفي فقط بالمناداة بشعارات الديمقراطية والحداثة السياسية وحقوق الإنسان بشكل عام وفضفاض لا معنى له، وكذلك التنديد بغيابها.
فالكل اصبح يناضل من اجل تحقيق هذه الديمقراطية كأنه حلم او هو الهدف الاسمى الذي سوف يخرج المجتمع من الظلمات الى النور وضمان العيش الكريم لكل فئات المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية الغائبة حتى اصبح الحديث على هذا الموضوع من كثرة تكراره وابتداله داخل الاوساط السياسية الحزبية بكل ألوانها وانواعها التي تنادي بهذه الشعارات الرنانة والفضفاضة، وكذلك ما يسمى المجتمع المدني هو الاخر تسمعه وتراه ينادي بنفس هذه الشعارات حتى اصبح الحديث حقيقة مملا ومزعجا واصبح هو موضوع الساعة وذلك فقط من اجل التمويه واغفال وطمس الحقائق الملموسة، والمشاكل الكبرى التي يتخبط فيها المواطن بشكل عام.
فحتى السلطة نفسها اصبحت تنتشي بمثل هذه الشعارات وتتساهل معها حيث اصبحت لا تزعجها اصلا ما دام كما يقال كلام في كلام ولا شيء على ارض الواقع ،كأنها تقول بلسان حالها مادامت الامور مجرد شعارات سياسية رنانة فقط وانها تدخل فقط في باب الدعاية فاتركوهم يتساجلون ويتجادلون مادامت الامور بعيدة كل البعد عن المشاكل الجوهرية التي يعاني منها افراد هذا المجتمع ومادام الامر لا يمس الكراسي واحداث الفوضى من اجل التغيير الحقيقي والمنشود.
اذن فنتيجة لما قلنا سأعود واقول مجددا ودائما انه قبل الحديث عن اي تغيير لابد ان نعترف بإنسانية الانسان وكيانه وحرمته وقيمته المادية والمعنوية وانها هي الاولوية الغير المشروطة وانها هي المنطلق او الأرضية الحقيقية لأي نقاش على اي تنمية معينة قبل البحث عن سبب غياب الحرية والديمقراطية، فيجب ان نطرح قضية الاعتراف بالإنسان في مجتمعنا وهو اساس اي تنمية حقيقية ومستدامة. فلا يجب ان نطمس الحقائق .
فحقيقة هل بالفعل هناك حقا في بلدنا المغرب وخصوصا في الوقت الراهن ومن خلال ما نقراه ونسمعه ونشاهده من احداث داخل وطننا اعتراف بالإنسان المغربي بصفة عامة انه قيمة وكيان؟ فهذا حقيقة هو لب وجوهر القضية وما عدا ذلك يبقى معرض لخطر التحول الى شعارات زائفة يكتفي بها من يهمهم الامر بتمريرها والمناداة بها عبر المنابر الاعلامية والمحافل والمنتديات والمؤتمرات منها الوطنية والدولية والتي هدفها هو التمويه والتستر على هذا التنكر للاعتراف الاولي بالإنسان وكيانه وماهية وجوده في هذا العالم.
اذن لقد حان الوقت على كل واحد منا وخصوصا من يتحمل المسؤولية في الحكم والتسيير وتذبير الشأن العام في ذلك الوطن الجريح ان يعترف بانه لا وجود لأي معنى للحرية او لديمقراطية حقيقية او مواطنة حقيقية في حالة هدر الإنسان لحقوقه الأساسية والتي تتمثل في هدر الطاقات واخمادها، وهدر الوعي والفكر معا، ومن هنا اتحدث عن الفئه المتعلمة والنشيطة في المجتمع من ذوي الفكر والطاقات المهدورة والتي حوكم عليها بالمعاناة من الاكتئاب والمرارة وبين التمردات الداخلية والحرب وجلد الذات المعاقة اصلا. اما البقية والتي هي الاكثرية والتي تمتل السواد الاعظم من الشعب فهي قد استسلمت لهذا الهدر في طاقاتها ووعيها لكي تحتفظ بشيء من التوازن النفسي الضروري الذي قد يجعل لهم الحياة متاحة وممكنة رغم هذه التناقضات الكبرى والتي لا يعيرون لها لأي اهتمام ممكن فقد يفرحون فقط بما يصلهم من فتات العيش لضمان استمراريتهم بدون الدخول في الحديث عن اصل هذا الفتات اصلا هل هو بكرامة او من دونها. وتصبح مظاهر الرفاه الاجتماعي والمادي هو الاعلى طموحا وشانا واوج ما قد يصل اليه الإنسان في نظرهم.
اذن فالخلاصة من هذا الحديث كله هو يجب علينا ان نعترف بالحقيقة بان الإنسان هو الأساس في المجتمعات المتقدمة، وان اي حديث عن اي نوع من التنمية يجب ربطه بالإنسان والاعتراف به كطاقة حيوية لا يجب اهمالها وانه هو المنطلق في تحديد الوسائل والاليات لهذه التنمية وكلما عدا ذلك يبقى فقط جهد مهدور وامل ضائع. فالاعتراف بحق الإنسان وكيانه وصيانة حرمته وتأمينه من الحاجة والخوف كشرط مسبق لبناء الاقتدار الانساني الذي يشكل نواة اي إنجاز او إنتاج او تقدم او اي تنمية.
بقلم وامضاء :سعيد سفى
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



