بقلم : محمد حسيكي
الصحة تحافظ على سلامة الانسان، وترقى بالحياة البشرية، والعلم يحسن السلوك والصحة ويرقى بالعقل البشري، وهما عماد الحياة العامة لدى الفرد والمجتمع، من العصر الحديث، عصر تعميم التعليم، والصحة للجميع .
ومن علاقتي بالتعليم، تعود فترة دراستي إلى ستينات القرن العشرين، جيل حداثة المجتمع من عهد الاستقلال، الذي انخرط فيه الجيل الاجتماعي بشكل متعطش في التعليم العمومي، بمعنويات تفوق الامكانيات، كان لزاما على الدولة الناشئة أن تنصاع للحاجيات الاجتماعية، ولو من باب المساعدة الدولية .
كان التعليم وقتها يمر من ثلاثة أطوار : ابتدائي، ثانوي، جامعي، يتعلم من خلالها الفرد العلوم المستقبلية، التي تجعل منه من الناحية الفكرية والاجتماعية، إنسانا اجتماعيا ومعاصرا للحياة الدولية، يحرص على النظافة وهي عنوان الصحة، وعلى التعلم وهو عنوان الرقي والتقدم .
الصحة من الطور الابتدائي :
ينحصر التعليم الابتدائي وقتها في خمس سنوات، وبالنسبة للمتعلمين المتفوقين، يختصرونه في أربع سنوات، ساد منها بالوسط الاجتماعي، الاعلان عن التلقيح العام للحماية من وباء الجدري .
خلالها ترددت في الاقبال على التطعيم، خوفا من رؤية الطبيب، الذي لم يسبق من حياتي أن عرفته، أكثر من خوفي من الوباء، الذي أسمع به دون أن أراه .
لكن مع ذلك الخوف والتردد أقبلت على التطعيم، بعد الإنساط للأحاديث عنه، وانشراح العموم من تلقيه بكل بساطة ويسر وسهولة .
غير أنه بعد مرور أشهر، وخلال اللعب من باب الدرب على حمولة رمل للبناء، تعرضت إلى لطمة رمل على عيناي، ومن الضرر
لحقني مرض العيون .
بعد الاسعافات التي تبدل من خلالها جدتي الجهد للعلاج، من الوسط العائلي، والتي لم تجدي نفعا، حيث أصبحت لا أتحمل الرؤية من الاشعاعات الشمسية، ولا أستطيع القراءة الليلية على مصباح البيت .
حينها توجهت بي جدتي إلى الطبيب من مستشفى العيون، قضيت في التردد على المستشفى مدة ثلاث سنوات، إلى أن صادف ترددي وجود بعثة طبية أوروبية، عاملة بالمستشفى، حيث عرف الطبيب نوع المعاناة، ووصف لي في الدفتر الصحي نوع الدواء .
وبعد علمي من طرف الممرض المساعد للطبيب، بنوع العلاج من المستشفى لمرتين في الأسبوع، وهو شوكة علاجية في مغمز العين، ومن سماعها اشتد خوفي وخامرني الرفض والذهاب إلى حال سبيلي .
بقيت تائها في حيرتي وخوفي بين بوابات تقديم العلاج بالمستشفى، إلى أن وجدت، إحدى مشتغلات النظافة، فاستعطفتها ومن حالتي تقدمت لدى الممرض المسؤول عن العلاج، الذي خرج من القاعة وأخذ بيدي، وقدم لي إرشادات علي الأخذ بها، كي لا أحس بأي أثر للعلاج .
وحين وضع بالعين قطرة حارة تمهيدية لحفنة العلاج، قفزت من كرسي الممرض، حينها تلقيت صفعة ومعاتبة على حركتي، ثم أعاد الكرة، التي أعادتني إلى ثباتي، ومتابعتي للعلاج، الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر، بعدها انتهت معاناتي واستعدت صحة عيناي .
وكانت تلك السنة النهائية من الطور الابتدائي، الذي اجتزته بنجاح من الدراسة، بعد معاناة من الاشعاع الضوئي الذي يشق العين بالدمع السائل من الاشعاع .
صحتي من الطور الثانوي :
من حظوظي الدراسية، أن ثانويتي كانت تتوفر على مكتب للتمريض، يزوره الطبيب المتطوع مرتين في الأسبوع .
وخلال الحقبة الثانوية، زارتنا القافلة الطبية بالوسط المؤسساتي مرتين، لإجراء صورة الراديو الاشعاعي، على الأمراض الصدرية المعدية .
كما كان المكتب يقدم بواسطة ممرضين، خدمات علاجية لأساتذة وتلاميذ وتلميذات المؤسسة، إلا ما ينبغي عرضه على الطبيب .
ولن أنسى خدمة الطبيب بالمؤسسة، حين عرضت عليه حالتي يوما، فدعاني إلى عيادته للكشف عن الحالة بالراديو .
وبعد الحضور من عيادته قام بالفحص الطبي، والكشف الباطني بالراديو، ثم هيأ لي وصفة العلاج، ودعاني إن لم يكن في استطاعة أسرتي اقتناء الدواء، أن أعوذ إلى عيادته لتسلم الدواء .
ومن الطرائف التي اعترضت صحتي خلال فترة اجتياز امتحان البكالوريا، الاعلان عن ظهور وباء الكوليرا، كنت وقتها وزملائي مشغول بالتحضير للامتحان الوطني، أكثر من أي شيء آخر في حياتي .
وخلال الأسبوع الأخير لدخول وقت الامتحان، اعتزلت بيت الأسرة، وقطنت مع أصدقاء التهيئة للامتحان، وخلالها شعرت بسيلان معوي، انتابني منه الخوف من الاصابة، لم أجد بدا من الدخول في حالة إمساك عن الطعام، ماعدا شرب الماء .
استمرت معاناتي الصحية إلى حين الدخول إلى قاعة الامتحان، هل أقاطع الامتحان والحراسة مشددة، أم أقاوم الاصابة، إلى أن أغلب على حالي، أو أنفلت صابرا إلى أن اجتياز الحصة من الفصل .
كنت وقتها أول من يخرج من قاعة الامتحان، وكأنني خاوي الوفاض، لأجل أن أفرغ أمعائي وهي فارغة من إدخال أي طعام .
وهكذا مر الوباء وسط الامتحان، وكانت نهاية الامتحان الكتابي، نهاية المعاناة، ومر الشفوي بلطف وسلام، ووصل العد العكسي إلى نقطة السفر، وبداية الالتحاق بالتعليم الجامعي .
صحتي من المرحلة الجامعية :
عشت خلال حياتي الدراسية مع الأسرة، من وسط مناخ قاري، بينما من مرحلة الدراسة الجامعية، تحولت حياتي وجهة المنطقة الساحلية، التي يقتضي العيش منها فترة من التأقلم البيئي، مع الرطوبة السائدة من المناخ البحري .
إضافة إلى التحول في نوعية التغذية، التي تطورت من تغذية البيت الطبيعية، إلى تغذية مركزة بالوسط الجامعي، إلى جانب الغليان الطلابي الذي كان يفيض به الفضاء الجامعي .
كل هذا الجديد من التحول في البيئة المناخية، والتغذية النظامية، وأجواء الضغط من الفضاء الدراسي، كان له الأثر الحاجز من تعثرات صحية، كنت خلالها أزور ومن فترات متقطعة طبيب الحي الجامعي .
لكن العلاجات لم تجد نفعا، من الظروف البيئية أساسا، بل وجدت العلاج من الارشادات التي قدمها لي أصدقائي من الدراسة، الذين انخرطوا في كلية الطب والصيدلة .
ومن صحتي من فترة الدراسة، تعلمت أن صحة الفرد بالمجتمع، تمر من مراحل عمرية، تتجلى من طب التمنيع زمن الطفولة، ثم الصحة من فترة الدراسة والشباب، والصحة من فترة الشغل، والصحة من فترة التقاعد عن العمل .
ذاك من زمن الطفولة، الذي تتحمل فيه الأسرة الواجبات المادية من العلاجات الصحية، ومن زمن الشغل يتحمل الفرد، واجباته الاجتماعية، من الانخراط في التغطية الصحية .




