العرب قدس الله سرهم!

 

عبدالله أطويل

زغردي يا أماه زغرودة الفتح لتصدح من المحيط للخليج، وامشي يا عربي مرفوع الهامة. فأخيرا التحق العرب بركب المنظمين للمونظيال، بل كسروا على حائط الدوحة أسطوانة “المهم هو المشاركة” بعد أن كانوا يرددون لازمتها عند كل عثرة وانكسار. فلترقد على جانب الطمأنينة يا هارون الرشيد، واطمئن في قبرك يا عبدالملك بن مروان، وعمر بن عبدالعزيز والآخرون، فأحفادكم جمعوا العالم بشرقه وغربه حول كرة محشوة بالهواء. أسقطوا بالتقادم من صفحات التاريخ لازمة “كنا في عهدنا” حين سجلوا ضربة ترجيحية في مرمى الجغرافيا، وأظهروا للغرب تآكل مقولة “فلوس النفط ياخدهم زعطوط”.
منذ أول نسخة سنة 1930 هو أول كأس عالم بدون الحاجة الحمداوية والملكة ايليزابيت. شاءت الأقدار ورغبت الصدف أن يكون أيضا أول كأس عالم على أرض لسانها عربي. جمع القطريون جموع العالم، ونجحوا في لم شمل ملل وأعراق لم تنفع معهم القمم العربية ولا مؤتمرات السلام. في منصة الملعب وحده تعانق الزعماء وتبادلوا التهنئات، أوصى بعضهم بوقف تبادل البارود في بؤر التوثر حتى تكف الكرة عن الدوران حول نفسها، وينفَضُّ جمع المجتمعين. رفع القطريون البطاقة الحمراء في وجه كل من سولت له رجله مداعبة ما دون الكرة، رددوا في وجه القادمين عبارة لا تقربوا الملعب وأنتم سكارى، لعلمهم أن الكرة كفيلة بجعلهم سكارى وما هم بسكارى. واستبدلوا أئمة المساجد والمؤدنين بآخرين اكثر جاهزية، ويتمتعون بمنسوب عالي من اللياقة والتنافسية.

نسخة مونديال قطر أعادت ترتيب مفاهيم تساقطت كما تتساقط أوراق الرمان إبان الخريف، حضرت الأم المغربية العربية إلى جانب الإبن، وتقاسم الأب فرحة النصر، صودرت الدموع واختلطت المشاعر. قيم حاول الغرب طمسها مستنبتا مكانها أخرى دخيلة، فكان مونديال قطر عبرة لمن يعتبر. بعد عقود من الاتفاق على أن لا يتفقو، أخيرا اتفق العرب على الهتاف باسم المغرب. رددو شعار “سير سير” خلف مغاربة يقتحمون حصنا ظل حكراً على كبار الكرة. رأى مرود الأسود الخطة غير كافية لضرب الخصوم في مقتل، ولأن الكرة طقس من الطقوس، فبدى له أنها لا تستقيم شعائرها إلا بالنية. أما التشكيلة فكان الرضى شرط عين، بعد أن علم أن الجنة تحت أقدام الأمهات. وكأن لسان حاله يقول لباقي اللاعبين من الآن لا مكان للمساخيط في التشكيلة.

اصطدم المغرب بالاسبان في الثمن، نبش هوات التأريخ في صفحات التاريخ، بحثا عن نصر سابق ضد القشتاليون، فتقاسمو موقعة الزلاقة، حين طحن جيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين الاسبان بعقر دارهم، وأطال عمر الإسلام الأندلسي لقرون. في الزلاقة سقط الأمير القشتالي اولفونسو السادس، وفي ملعب المدينة التعليمية أسقط وليد، لويس انريكي من قائمة المنتخب. في نصف النصف حين واجهتنا القرعة مع البرتقيز، وهو خصم آخر من شبه الجزيرة الايبيرية، عَلِمنا أنها أكثر من مجرد قرعة لجلد مكور، بل درس في صفحات التاريخ. تذكر البرتغاليون امتدادهم للثغور الساحلية المغربية، فذكَّرهم المغاربة بمعركة واد المخازن. قبل خمسة قرون خر ساقطا من سهوة فرسه الملك الفونسو أمام جيش السعديين، وفي ملعب الثمامة خرج الدون البرتغالي من الباب الخلفي للمونديال تحت ربتات الياميق وبانون.

بدت التجربة الركراكية وصفة ناجعة وكفيلة، أخدت المغرب للرتبة الرابعة، تسجلت سابقة يتباهى بها العرب.
قيل والعهدة على الراوي أن مباراة النصف ترددت في كواليسها لازمة “النية أبلغ من العمل”. الأهم تحقق، ولو تردد شيء لم يكن أكثر خجلا من تردد خبر بيع التذاكر من طرف صنف من البشر خاضوا مباريات الإياب في بطولة “التشلهيب”، ولعل أحدهم شوهد بربطة عنقه وأبهته يبيع التذاكر، مبتدعا “مارشي نوار” من صنف “بي اي بي”. أحدهم يحكي والعهدة على تطبيق “الواتساب” أنه شاهد صنف من الرخويات، مثنى وثلاث ورباع، أحدهم يحمل صفة رئيس مقاطعة ومنهم من يحمل صفة “بار لا ماني”، وآخرون شعارهم “الحبة والبارود من دار القايد”، شوهدو بين جمع من الناس بقلب سوق واقف يبيعون التذاكر قياما وقعودا وعلى جنب. بالأمس القريب كانت لهم برامج انتخابية سقطت منها الكرة والرياضة، وكلما ذُكِرت الكرة على أفواههم ذكروا معها السمن والعسل. بل اعتبروها رجس من عمل الشيطان خلال خطبهم على المنصات الانتخابية، جماهير بالأمس ما كان يهمهم منها الرجل إلا إذا كان صوتا، ولا تهمهم منها المرأة إلا إدا كانت عارية. أما في قطر فلا يهم إلا إذا كان يذفع سعر تذكرة ولو بألف دولار، والله “ايجيب الغفلة بين البائع والمشتري”.

نحتاج للتجربة الركراكية في قطاع الصحة والتعليم والعدل، والحكامة والحريات العامة، لنترك الرتبة 123 للرخويات، ونتأهل للمربع الذهبي من كأس التنمية البشرية. سواعد الرجال تبني الأوطان، أما معاول الهدم فلا استقامت لأهلها قائمة. حتى نعطي لقيس ما لقيس، بعثة المنتخب الوطني المغربي بقطر أبلت خير بلاء، ويستحقون كل الثناء، وجسد العاهل المغربي ذلك بتوشيح صدور الرجال بأوسة فخرية. في كتيبة الفريق الوطني رجال يستحقون جائزة نوبل للكرة إن كان نوبل فكر في ذلك، وآخرون يستحقون الديناميت الذي اخترعه. أما أنتم يا أهل العرب فشكر الله سعيكم.

بقلم عبدالله أطويل


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني