بقلم : محمد حسيكي
في عالم الأحياء الحياة وجود، والموت عدم، وبالموت تعرف قيمة الحياة التي لها صلة بالموت، من الوجود الكوني الساري الوجود، يؤمن الإنسان منه بخالقه، حين يجد نفسه حيا، ويبكي فراق الحياة حين يغدو ميتا .
ومن الآداب الاسلامية في مداعبة الحياة وقت النوم، القول : اللهم بك نمسي، وبك نصبح، وبك نحيا وبك نموت، وأنت حي لا تموت
وحين الموت يذرف الكائن الحي دمعة الفراق على الميت، وهو حال جارتنا المغتربة البلد والأهل، فيما أصابها من جلل موت شقيقتها
الجار قريب الدار :
الحياة بالجوار محل وصية في الدين الاسلامي، سندا صحيحا من قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .
ومن الوصية على الجار تنجلي العلاقة الانسانية، والروابط البشرية التي يوصي بها الرسول، من جبريل، الذي لا خلاف عليه من الدين.
ومن آداب المغاربة بالمدن العتيقة في المعاملة من الحديث، حين الطرق من خرصة البوابة، يقوم أهل البيت بالاستجابة ومخاطبة الطارق، من وراء البوابة وقبل فتح الباب، اسكن ! من تكون? يجيب الطارق بالقول : قريب، يعني جار قريب، حينها يجري فتح الباب والتعرف على الوافد . كان ضيفا، أو جارا قريبا .
ابن الجارة الطفل “ميسي”
الطفل “ميسي” ابن جارتنا لا يتعدى عمره سن السابعة، خفيف البنية، يقظ النظرة، حين نلتقي به من الاقامة، يناديني أدبا منه “بابا”، من علاقة لعب وتردد على البيت، كلما حل احفادي في زيارة لي، من وقت العطلة المدرسية، يركضون مع بعضهم، ويتبادلون كرة اليد بينهم، مرة يتسلقون الدرج، ومرة يغمضون العين، ويختبئون على بعض، ومن وقت الرسوم يجتمعون بالبيت، لمتابعة حصة الأطفال .
وحين الحضور إلى البيت مع الأطفال، في غالب الأوقات يعتذر الطفل “ميسي”، على الاستجابة للطعام كلما عرض عليه ذلك .
غير أنه في يوم حزن والدته، أقضى اليوم كاملا مع الأطفال، بل تناول معهم الغذاء، ومن وقت العصر، شاركنا من البيت إلى جانب الأطفال وجبة خفيفة .
وحين الجمع حول المائدة، خاطبته طفلة لكم أنت زين يا جميل? فرد قائلا، نو..NO.نو.، أنا عزي ضاحكا، وضحكنا معه، ثم سألناه ما بلدكم يا “ميسي”، فقال كونغو .CONGO وقلنا مرحبا بالضيف الصغير، من بلد النهر الكبير .
وهكذا لازم أصدقاءه إلى أن حان وقت العودة إلى السكن، ثم فارقهم من وقت سفرهم بالعودة إلى بيت أهله .
وهكذا تكون العلاقة بين الصغار أجمل بكثير، إذ تقوم على المرح والتآخي من الروح الانسانية، وإن وقع التشكي بينهم من شيء، قد يزول لحالة من لا شيء، غير أنه مع الكبر ينسى الجميع عفوية الطفولة، وما عليها من مجريات الحياة السليمة .
الجارة المغتربة :
جارتنا الحزينة ساكنة افريقية، تلتزم بالهدوء مع الجوار، من الأجواء التي تخيم على الاقامة السكنية، بل حين عاد “ميسي” إلى بيت أمه لزم السكينة والهدوء من أجواء الأسرة داخله، وهو أدرى بحالها، خاصة الأم التي هي أقرب إلى الأطفال، يفرحون لفرحها، ويمتعضون لتغير أحوالها .
وبعد وقت من مغادرة الضيوف بيتنا، هز مسامعي من نافذة البيت أنين ونحيب المرأة المغتربة، بعد أن أغلقت باب بيتها على الأطفال، وهي تخطو خارجه وتعود من ممر الإقامة على البوابة في ذهاب وجيئة، ويدها مشدودة على هاتف الجيب، وعينها على صورة جثمان شقيقة لها وهي توارى التراب بعد أن فارقت الحياة، ومما ترى لم تترك الروابط الروحية بينهما صبرا للمغتربة على النحيب والدمع من الفراق .
حينها ناديت سيدة بيتي للاستغاثة مما نسمع، ونعرف ما يحل بالمرأة الجارة بيننا، نكسر به سكون الغياب بالمحيط، وكأن الاقامة قائمة على الجدران من غير وجود للإنسان
وبعد أن اقتربنا من السيدة سألناها عن ما يحل بها من الأحوال ? فردت علينا بالقول، أن الذي أوجع حالها فقدان شقيقة لها، تئن وتبكي، وعينها على الصورة المنقولة على لوحة الهاتف النقال، لمشاهد الدفن لجثمان الفقيدة.
خلال ذلك الألم الحزين، قمنا باحتضانها ومواساتها بالصبر على المصاب، والتخفيف عن حالها في فقدان عزيزتها .
ومن الألطاف التي حلت بنفسية تلك الجارة، أنها بعد المواساة من الممر السكني، دخلت بيتها، هادئة إلى جانب أطفالها وعم سكون الحياة على سكون المكان .
ورحت بعد ذاك أتساءل في حديث مع سيدة بيتي، كيف انفجرت تلك الجارة حزينة من ضائقة الألم والغربة، لتعلن للجوار مصابها، علها تجد قريبا تسمعه ماحل بها، وحين وجدت منا المواساة خفف ذلك الحضور عنها الحزن وانفرج الضيق، وحلت بنفسها السكينة من كلمة جوار كانت بلسما على ألم، من حزن المغترب على القريب .
وخير الختام من الموضوع، تجتمع في الأحياء الحياة والموت، والله على جمعهم لقدير .




