بقلم : محمد حسيكي
قبل أن يتدرج المغرب من جناح الأمة، إلى جناح الأممية، مرت حياة المغاربة من العيش على الطبيعة من عصور الرعي، ومن العصر الزراعي، ثم عصر الاستثمار الفلاحي، وعرفت من كل العصور نوعا من الاستثمار بالمجال القروي، ارتبط بالمعاملات الخاصة بين الأفراد، من الزرع والحرث والكسب، وأيضا الاهتمام بمشاريع السقي لتنويع مصادر الغذاء لدى الساكنة، والحفاظ على الماء من وجهة القطاع العام، تحسبا للسنوات العجاف، التي تهدد الاستقرار السكاني بالهجرة القروية، وعدم التوازن السكاني بين الجهات .
السنوات العجاف :
تعرف السنوات العجاف بالبلدان ذات المناخ الشبه الجاف بسنوات – الجفاف-، الذي يميت الأرض عطشا، ويحرق الأجواء احترارا، وهي سنوات قد تكون متقطعة، أو متتابعة، كالحالة المناخية من أربعينات القرن العشرين، وهي سنوات حرب عالمية، وجفاف بالمغرب، نتج عنه ارتفاع في درجات الحرارة، وانتشار أمراض الحمى المعدية، والتي حصدت العديد من الأرواح البشرية .
غير أن التدخل الامريكي إلى جانب الحلفاء، وتواجده بالمغرب قد خفف عن كربة المغاربة من جائحة الاحتلال والجفاف خلال الأربعينات، حيث أصبح الساكنة يحصلون على رصيد منظم من المساعدة الغذائية، وبدأ حينها يغيب من الفضاء شبح الجفاف الطبيعي، وظهور بوادر الاستثمار المحلي في المجال القروي .
المرأة والمستثمر :
من طرائف الصدف من جانب الأمومة، لتشغيل الفراغ الزمني من حياة البنوة، السعي نحو المستثمر للدفع بالمردودية من الموسم عبر طاقة البنوة التشغيلية، تعود بالنفع من توظيف مالي في شراكة موسمية، رائدته المرأة من سعيها لبناء مستقبل يشد روابط التحام الأسرة .
المبادرة الموسمية :
من طلعة اليمن على الفلاح المغربي، أن تجود السنة بالمطر العميم، حيث يتجدد من الأرض ربيعها، وتتغنى الأحياء من ألوان نظارتها، إذ يعطف كبيرها على صغيرها، من نعمة الطبيعة التي تجود بعطائها .
تلكم كان حال المرأة القروية، التي توجهت إلى المدينة، لمقابلة مستثمر فلاحي يتعامل مع القرويين، بالعرف المحلي الجاري على المعاملات الموسمية، من مدار الأمطار السنوية .
حيث أقبلت القروية المتواضعة على طلبية من المستثمر المتربع على مقعده، انحنت بالتقبيل تقديرا لمكانته واستعطاف شخصه كي تعود راضية مما تسعى إليه، حينها بادر بالمخاطبة ما حاجتك يا سيدة .
وقتها طرحت عليه حاجيتها قائلة : الطبيعة والحمد لله جيدة، والأرض وفيرة، لم نجد لها بدورا للزرع، ولا كسبا للرعي، يكسوها الربيع بأنواره و يضيئها المطر من تعدد ضاياته، وحاجتي منك أن تعاملني برؤوس من الماشية، تدر علينا وعليك من العام نفعا، ومن الخير فيضا .
فانصاع لقولها وخاطبها، هل لك من يقوم على الشياه? فقالت لدي ولد يعمر عني وحشة البيت، عمر الله بيتك باليمن والبركة، ثم رد عليها ابعثيه عندي لحاجتك يوم السوق، وما وعد به قولا فعله خيرا يوم حضور الابن للحاجة من السوق، إذ اشترى له قطيعا من البقر .
كان وقتها القرويون يعيشون حياتهم الأهلية على آدميتهم من الارض، يقطعون المسافات على الأرجل، أو امتطاء ظهور الحيوان .
ومن التسوق أخذ الطريق راجلا يسوق القطيع، من وقت الضحى إلى مغيب الشفق .
فرحت الأم بما وصل، واتسع عليها المكان بما رحب، وشمرت على الساعد مع الابن رجل المستقبل الواعد، يشتغلون بالرعي، وإلى جانبه يقومون بتحضير حمولات الأعشاب المغذية للحيوان، باقتلاع الربيع الطري من وسط الزرع، يرتاع منه القطيع وقت القيلولة من الظهيرة، ومن الليل إذ ينزع القطيع للأكل من برودة الأجواء .
المساعدة الغذائية :
مرت الظروف الدولية خلال الحرب العالمية، قاسية جدا على الحياة البشرية، الجفاف والمجاعة والأمراض المعدية، والدمار المميت بأروبا من التطاحن العسكري .
كل ذلك جعل البشرية تعيش تحت الزمن الذي لا يرحم، المناطق المعمورة مخربة، والمناطق المعزولة لاحول لها، إلا من رحم ربك
وعن تلك الفترة المشينة في حياة البشرية، كانت الصور التاريخية تطالع المتمدرسين، عن حال الأسرى الذين يموتون جوعا، ومن حال المعمرين بالقصص المصورة من الفترة الاستعمارية، وأجسامهم ممتلئة، كما بطونهم ناعمة من حركة الشارع والمقاهي والملهى، وحول موائد التغذية، عبر رسومات حوارية من اللغة، تحاكي رفاه الإنسان الأوربي من قصص اجتماعية ممتعة بالقراءة على الصور المضحكة .
في فترة التواجد الأمريكي من الأربعينات، اخضرت الأرض بالنبات، وتغنى المغاربة بالحياة الرحبة، حيث طلعت عليهم السنة بالمساعد الغذائية، من الحصول على الحصص التموينية، والرخص التجارية، كما عرفوا من وقته الاحتفال بالسنة الميلادية .
ومن حجر الامومة قفز ابن القروية على سمنة قطيع البقر والدفع به إلى السوق، ثم راح يقتني المشتريات من طابور المستفيدين بالحصص التموينية، من ثمن القطيع الذي حصل عليه من السوق .
وبعد أن استوفى حاجته المالية من قطيع المستثمر، ومن مقتنيات ارصدة التموين من الفئات المستفيدة، دخل المدينة من سوق المتاجرة .
الأم بين عويل المستثمر وفرقة البنوة :
راحت الام تائهة لاهي بالبقر ولا هي بالراعي، وما عساها أن ترعى، إذ بعد تيه منها، لم تجد بدا من التوجه نحو المستثمر، شاكية باكية حالها، والويل لها من ضياع ما بذمتها وتحت يدها، والتابعات من أهله يوم لا ينفع استجداؤها، خاصة والمستثمر له مكانة اجتماعية من السمعة وحرمة من السلطة .
ولم يمض الاسبوع حتى بطل العجب، وتم العثور على المختفي وما كسب، وقتها كان يعرف الإنسان من الأرضية، بوجهه كما ولدته أمه، عاري الهوية، لا وثائق ثبوتية، ولا صور تعريفية، حينها أحضرته السلطة وهو يرتجف من صنيع فعلته .
وبعد الاقرار أن لا نية له في مال الغير، بل يريد ربح الوقت وشيء من الصرف للجيب، لفترة ما قبل المحاسبة الموسمية، والسداد يوم المطالبة، عله يحصل من العمل الجاري على أتعاب خارجة عن مردودية الرعي، التي هي من حقوق امه صاحبة الطلبية من المستثمر، الذي هو فاعل خير .
وحين سمع المستثمر رصانة الابن، تشفع له من جانب السلطة، وأن ما فعله المتخفي عن الأنظار، ذكره من وقت طفولته، مما فعل هو من سابق الزمن مع امه، يوم استجمع القفاف التقليدية من سعف النخيل التي تصنعها والدته، وتعدها للتسوق على البيت، إذ بعد بيعها بدل أن يقضي حاجة البيت، خفف وطأة القدم من السوق، وشد الرحال على الطريق، مع القوافل التجارية المتجهة نحو المدينة، ومنها راح يشتغل ويتاجر إلى وصل إلى درجة مستثمر .
وهكذا تعاملت وأطعمت البطون الممتلئة البطون الجائعة، يوم حل الاستثمار من تعمير الديار، وعفا الزمان من الحروب، ومن المجاعة، والجفاف، والأوبئة الجائحة .




