إلا القمع فهم فيه صادقون

*حسين عابديني
في النظم الديمقراطية والدکتاتورية على حد سواء، يتم إطلاق الوعود المعسولة بتحسين الاوضاع المختلفة التي تکفل العيش المرفه والرغيد للناس، لکن مع ملاحظة إن إطلاق هکذا وعود في ظل الانظمة الديمقراطية من قبل الساسة والاحزاب التي يتم إنتخابها على أساس منها وعدم تحقيقها، تکلفهم کثيرا وحتى إن الحکومات تسقط على أثرها وفي الانتخابات التشريعية القادمة لاتحظى إلا بالخسارة الفادحة.
أما في النظم الدکتاتورية، فإن الحال وإن کان يختلف إختلافا کبيرا، لکن مع ذلك فإن هناك تباين بين هذه الانظمة من حيث الإيفاء بوعودها، إذ أن بعضها قد يقوم بالإيفاء بجانب ملموس فيها، والبعض الآخر يفي بقسم قليل منها فيما يهمل أو يتغاضى عن القسم الاکبر ولکن وفي کل الحالات فإنه يکون هناك نوعا من الإيفاء خصوصا في هذا العصر الذي صار من الصعب على الانظمة الدکتاتورية أن تتصرف کما کان الحال في العصور السابقة، إلا أن الامر مع النظام الايراني يختلف تماما، فهو من النوع الذي لايفي لا بالجانب الملوس من الوعود ولاحتى بالقليل منها وإنما لايفي بکل الوعود، ولکم في الوعود ال50 لإبراهيم رئيسي التي قطعها على نفسها أثناء الانتخابات الرئاسية التي مر هذا الشهر عليها عامين، خير مثال حي!
ومن دون شك فإننا إذا ماقمنا بالتعامل مع رئيسي ووعوده ال50 التي أطلقها في ضوء الخط العام للنهج الذي سار ويسير عليه النظام منذ تأسيسه وتحديدا منذ أيام الخميني، فإننا نرى الرجل محقا ولايستطيع أي فرد في النظام مسائلته وإسقاط حکومته لأنه من الممکن أن يحاجج بالوعود التي أطلقها الخميني بتحقيق العيش الرغيد للشعب الايراني وجعلهم يتنعمون بخيرات البلاد ونعمها والتي لم يتحقق منها شروى نقير!
بعد مرور عامين على تولي رئيسي للحکم وتشکيل حکومته، وبعد وعود خامنئي بالحکومة”الاسلامية الفتية” التي ستحل کل مشاکل وأزمات البلاد، بل وبعد خطبته”العصماء!” في 21 مارس/آذار2023، التي کانت مختلفة عن کل الخطب السابقة للولي الفقيه في مثل هذه المناسبة، حيث وعد وعدا ملفتا للنظر بتحسين الاوضاع الاقتصادية ورفع مستوى الانتاج، ولکن بعد مرور 5 أشهر على هذه الخطبة”الملفتة للنظر”، فإن الذي تحقق لحد الان يمکن أن نلمسه وبکل وضوح في تقريرين صادمين يضعاننا في الصورة تماما!
التقرير الاول، جاء في صحيفة”جهان صنعت” الحکومية في عددها الصادر في يوم الاحد المصادف السادس من أغسطس/آب2023، والتقرير المذکور تحت عنوان:” شراء نصف رغيف للعيش!”، حيث جاء فيه:” لا شيء كان من المفترض أن يكون باهظ الثمن في العام الجديد ؛ الآن أصبح الخبز، القوة المهيمنة للفقراء، باهظ الثمن في عدد من المحافظات. كان من الشائع شراء نصف خبز لفترة طويلة.”، وأضافت الصحيفة:” السؤال الآن هل يجب أن ننتظر موجة جديدة من ارتفاع الأسعار؟ عندما يصبح الدقيق باهظ الثمن، تصبح السلع مثل الحلويات والمعكرونة وما إلى ذلك أكثر تكلفة ؛ سعر الخبز له تأثير نفسي وسبب وتأثير في السوق.”، ولاسيما عندما تستطرد هذه الصحيفة الحکومية وهي تتحدث عن تأثير وتداعيات هذه المسألة على الواقع بقولها:” إن تأثير سعر الخبز على موائد العمال واضح تماما. يعد الخبز عنصرا رئيسيا واستراتيجيا على المائدة، ويمكن أن يؤثر سعره المرتفع على العناصر الغذائية الأخرى في ميزانية الأسرة مثل الموجة. حتى لو اعتبرنا الخبز منتجا منعزلا ومنفصلا عن السلسلة الاقتصادية، فهو المنتج الأكثر استهلاكا للعديد من الأسر العاملة والعمال الموسميين وعمال البناء، ومن المفارقات في العقود الأخيرة، بسبب ارتفاع أسعار الأرز والمواد الأخرى، أن تم العثور على الحصة الأكبر في موائد هذه المجموعات.”!
التقرير الصادم الثاني فقد صدر عن موقع کسترش نیوز للنظام، والذي يسلط الاضواء على ظاهرة بيع أعضاء الجسد والذي ومنذ أکثر من 10 أعوام تقريبا ليس بظاهرة جديدة، لکنه إزداد وتوسع مٶخرا وإن جدران بعض المستفيات والاماکن المختلفة في طهران مليئة بإعلانات بيع أعضاء الجسم. السلطات ترسم الجدران لتغطية الإعلانات. لكن البائعين يواصلون عرض أرقام هواتفهم بخطوط دقيقة وجريئة باستخدام علامات أو بخاخات. وأکثر مايلفت النظر ويسترعي الانتباه هو تأکيد التقرير أن:” الدول الأخرى جعلت شراء وبيع أعضاء الجسم غير قانوني، وإيران هي الدولة الوحيدة التي يسمح فيها قانونا ودينا بشراء وبيع الأعضاء”!
لکن، من المهم جدا أن نلفت الانظار هنا الى ثمة حقيقة مهمة جدا بخصوص النظام الايراني من حيث إطلاقه للوعود والثقة بمصداقيته من حيث تنفيذها، إذ أنه وإن کان لايفي بوعوده وعهوده المعسولة بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية وتحقيق الرخاء والرفاهية للشعب، فإنه قد أثبت مصداقيته وبصورة واضحة وملموسة في مجال وعوده في مجال الممارسات القمعية التعسفية التي أطلقها ويطلقها بعد کل إنتفاضة تندلع ضده، ومن هنا، فإن قادة النظام الايراني إذا ماکانوا في إطلاق الوعود الخاصة بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب على الاغلب کاذبين، فإنهم والحق يقال في الممارسات القمعية صادقين!
*نائب مدير مكتب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني