انفض السامر وقفل السكان عائدين إلى منازلهم مصحوبين بعدة الفطور التي رفض عون الاستعمار بويهوكن الزاياني، تناولها مع الممرضين الفرنسيين. بعضهم أخذ يتحسس الخدش الصغير في موضع التطعيم على أذرعهم المكشوفة.بينما الأمهات في حالة من السرور بعد أن مرت عملية التلقيح بسلام على أطفالهن. كان أبي متسمرا في مكانه مقطب الجبين وكاسف البال سألته:
– مالخطب ؟.
فأجاب بنبرة مليئة بالحسرة :
– وقاحة الزاياني بويهوكن باتت بلا حدود. لقد أهاننا على الملأ جميعا.
قلت مواسيا :
– سيأتيه يوم سيدفع فيه الحساب. سواء هنا في الدنيا، أو في الآخرة عند رب العالمين.
سمعنا أحد الرجال من المعتكفين المواظبين على الصلاة بمسجد القرية. وكان من معطوبي الجيش الفرنسي. يستعين على المشي برجل اصطناعية. فتدخل قائلا :
– سمعت من أحد الموظفين بمكتب بيرو عراب، أن الگومي بويهوكن سينتقل من مدينة دمنات نحو مسقط رأسه بمدينة مريرت.
فتنفس أبي الصعداء ورد قائلا :
– إن شاء الله ستكون مغادرة من دون عودة.
وبينما استرسل أبي في الحديث مع هذا العسكري قمت بجمع عدة الفطور خاصتنا على صحن من الدوم . وضعته فوق رأسي وانطلقت نحو المنزل. وكان الناس في الطريق يتحدثون عن الجدوى من عملية التلقيح ضد مرض الجذري . وصلت إلى المنزل وضعت مرتجع الفطور على الطاولة.وشرعت في تناول حصتي منه . وبعد لحظات وصل أبي إلى المنزل وهو يلعن بصوت جهوري سنسفيل الاستعمار الفرنسي وأعوانه من الخونة وأمي خلفه تدعوه إلى الصبر. قلت له ساخرا :
– لقد أخذنا التلقيح من دون أن ندفع فرنكا واحدا وهذا مكسب لنا.
فرد علي مبتسما:
– حتى الفطور الذي أعددناه لإطعامهم عدنا به كما هو إلى المنزل.الله لا يطعمهم من نعمه أبدا.
– آمين يارب العالمين.
رددت بصوت عالي ثم مالبتث أن طلبت منه ضرورة الشروع في تعبئة الدكان بالسلع. فنظر إلي محدقا وقال :
– علينا أولا أن نذهب عند تاجر الجملة اليهودي بنلحزان حبيب لنستقصي عن أنواع وأسعار البضائع. كانت والدتي تنصت إلينا بإمعان وهي منهمكة في إعداد عجين الخبز فتدخلت قائلة:
– يجب عليكما الاهتمام بمورد الرزق لأنه أمر ضروري للعيش.كما يجب عليك ياولدي أن لا تنسى أمر الزواج.
– سأتزوج يا أمي إن شاء الله حالما نستقر بمدينة دمنات.
قلت مطأطأ رأسي وأنا أشعر بشلال ساخن من احمرار الخجل يغمرني وأنا أقول في دواخلي :
– آه لو كنتما تعرفان بمغامراتي مع اليهوديتين حنا وصولا بحي الملاح. ومع الغانية السبليونية مولاة الخال بفندق إيشان. لسخطتما على سخط الأنبياء، على أقوامهم المشركين.
ونحن في جو هذا النقاش العائلي سمع طرق خفيف على الباب، فهرعت بسرعة لأرى من الطارق فكانت المفاجأة أن وجدت أمامي ضيفا عزيزا، خفيف الظل. إنها خالتي سعدية فوق متن دابتها تعلو وجهها ابتسامة عريضة. نزلت بخفة ونشاط. وناولتني سلة مملوءة عن آخرها بالفواكه والخضر.وخيش بداخله أرنب سمين، يقاوم بقوة للانفلات خارجا. استقبلتها أمي بالأحضان، وكلمات الترحيب.كما سلم عليها أبي مرحبا بها بحرارة. جلست على الكاطري وبدأت في سرد تفاصيل رحلتها .ذهب أبي إلى الزريبة الملحقة بالمنزل للإطمئنان على القطيع. انتهزت الفرصة فتناولت من هدية خالتي سعدية رمانا وبرتقالا. وخرجت للتجول بين الحقول. كانت شمس الظهيرة متوهجة. والسماء صافية، تحلق في أجوائها أسراب كثيرة من طيور اللقالق. لكن المشهد العام للطبيعة مايزال كئيبا. ما لم ينزل الله الغيث من السماء. وبعيدا يبدو الحزام الجبلي الذي يطوق دمنات، مثلما يطوق السوار المعصم أصفر اللون . جلست عند جذع شجرة تين ضخمة. وشرعت في تناول الفاكهة ثم استغرقت في التأمل…
في الليل وعلى مائدة العشاء، أعدت والدتي مع خالتي سعدية. أقراصا من خبز الشعير المشبع بعروق نبتة تاروبيا. مع صحن مليئ بزيت الزيتون. وقدر مفعم بأكلة بركوكس. ونحن نتناول هذه الوجبة قالت لي خالتي سعدية :
– إن خبز تاروبيا يعطى كغذاء وعلاج في نفس الوقت وهو يقي من مرض الهزال.
وقبل أن يذهب أبي للنوم سألته عن موعد ذهابنا إلى دمنات، للقاء بالتاجر بنلحزان حبيب؟
فأمرني قائلا:
– غدا عليك بالذهاب لتنظيف أرضية الدكان. وفي اليوم الموالي علينا أن نزور سويا محل السيد ليفي بخصوص صرف بعض من قطع الذهبية.
قلت له مقترحا :
– بخصوص بيع القطع الذهبية. علينا أن نجرب مشتريا يهوديا آخر. يدعى موشي مزراحي، يشتغل صائغا بالملاح.
– سنبيع القطع الذهبية لمن يعطينا السعر الأفضل.
قال أبي بحزم، ثم قام نحو غرفة النوم.
في صباح اليوم الموالي. تناولت فطوري بسرعة. ثم ودعت والداي واتجهت نحو الباب للمغادرة.
تعقبتني أمي إلى خارج المنزل. وهي تمطرني بدعوات الخير والتوفيق.
انطلقت بين الممرات وسط الحقول والبساتين. لكي اختصر الطريق نحو مدينة دمنات. كان الجو باردا والسماء تملأها سحب ثقال . ومن قريتنا بتاودانوست نحو مزارع دوار أيت معياض ثم إلى مزارع أيت حليلي وصولا في الأخير إلى بوابة باب إعرابن . وكانت السماء وقتها قد بدأت تمطر بقطرات قليلة. وطيور السنونو تقوم بجولات فوق أرضية المدينة. ألقيت نظرة على ساحة المحرك. ماتزال المحال التجارية مغلقة. باستثناء دكان بيع الخمور لصاحبه السيد لوازيس. ومتجر الجملة لمالكه التاجر بنلحزان حبيب. لكن منظرا مريبا أمام باب فندق إيشان أثار انتباهي. بحيث تحلقت مجموعة من الناس أمام باب الفندق. وعلى مسافة قريبة تجمع بشري آخر . ترى ماذا جرى وماذا وقع ؟ تساءلت في نفسي. ثم مالبتث أن ذهبت بخطى سريعة لأستطلع الأمر. فنبهني أحد الدمناتيين وكان يقف عند مقدمة زنقة سيدي احمد اوسعيد ويحمل على كتفه معولا وفي يده منجلا صغيرا:
– كون على بال يا ولدي ٠
قلت له مستفسرا:
– ليرحم الله والديك قل لي ماذا وقع ؟ .
-لقد وجدوا امراة مقتولة بفندق إيشان.
وعلى الفور خطرت ببالي صديقة العمر الغانية السبليونية مولاة الخال، فتسارعت نبضات قلبي. وأمام فندق إيشان وقف المراقب العام المدني الفرنسي بلباسه الكاكي الأزرق، الذي تزينه النياشين والأزرار الذهبية. مع ضابط شاب يرتدي لباس المظليين وهو يدون بالقلم على كناش وإلى جانبهم مجموعة من جنود الگوم والمخازنية، بوجوه متجهمة… فجأة خرجت من الفندق ممرضتان نصرانيتان بلباسهما الأبيض. تحملان نعشا عليه جثة مغطاة بملاءة بيضاء. تبعتهما كل نساء فندق إيشان. وهن ينتحبن ويولولن بأعلى صوت. رأيت بينهن الغانية السبليونية مولاة الخال، وهي تجهش بالبكاء. فحمدت الله في قرارة نفسي على سلامتها.
تم نقل الجثة على عربة مقطورة. نحو مستشفى إسران. مخفورة بعناصر من حرس الگوم. قام ضابط الشرطة الفرنسي بوضع الأصفاد في يدي حمادي بوتازرين حارس الفندق الأمين والساهر على راحة الساكنين به والزائرين . وهو يبكي ويتوسل من الضابط الفرنسي أن يطلق سراحه. كما تم التحفظ على جميع نساء الفندق من طرف عسكر القائد الگلاوي وبمساعدة العريفة المكلفة بالحريم في محكمة القائد الگلاوي . وهي امرأة شرسة معروفة عند أهل دمنات بلقب الحقونية.
وسيق الجميع مثل القطيع مشيا على الأقدام. نحو مكتب بيرو عراب. سمعت أحد الوشاة وهو يقول لأحدهم، بأن كل من تربطه علاقة بالبنت الرومية سيعذب بالتريسينتي. وبينما كنت مستغرقا في متابعة هذا المشهد الحزين. إذا بعساكر الگوم يندفعون نحونا ملوحين بعصيهم الغليظة وهم يصيحون:
– ليذهب كل واحد إلى حال سبيله.
فتفرق جمهور الناس في أرجاء دمنات شذر مذر صعودا من ساحة المحرك نحو حي آرحبي وتاخناشت أو نزولا خارج السور العتيق .
غادر المراقب العام المدني، رفقة ضابطه على متن سيارة البوغاتي في اتجاه مكتبه ببيرو عراب. وقتها تذكرت صديقي المعياضي، الذي تربطه علاقه حميمية مع البنت المقتولة. وخفت من أن يستدرج هو أيضا إلى التحقيق . باعتباره من أحد أصدقائها الأوفياء . لكن خوفي الأكبر كان على أن تقوم إدارة الإستعمار بإغلاق فندق إيشان. فأحرم من خدمات الغانية السبليونية مولات الخال. تأسفت وحزنت على البنت الرومية.التي انتهت حياتها بهذه الطريقة المأساوية. وكانت قد جمعتني بها ليلة حمراء رفقة عشيقها المعياضي. وكيف كانت تغني مواويلا جميلة بصوتها العذب.
ذهبت نحو زنقة القشاشة، وفتحت باب الدكان. ثم شرعت في كنس أرضيته وتنظيف جدرانه بكل همة وحماس. بعد ذلك عرجت على مقهى دار الناظر. تناولت إبريقا من الشاي، وجلست أراقب حركات المتسوقين، والناس العابرين. وكان خبر موت البنت الرومية يروج على جميع الألسن بزنقة الزيواني. وكل واحد ينسج قصة بوليسية على منوال خياله. جلست متسمرا بالمقهى حتى وقت الظهيرة عندما هرع أحد الشباب نحو القهوجي ليخبره :
– لقد أتوا بجثمانها الآن إلى مقبرة الغرباء.
رد عليه القهوجي:
– وهل مسكوا بالقاتل؟
– سمعتهم يقولون بأن موتها كان انتحارا.
وفور سماعي لهذا الخبر غادرت مقهى دار الناظر بسرعة متوجها نحو مقبرة الغرباء التي تقع بجوار باب إعرابن لألقي نظرة على جنازة البنت الرومية لكن للأسف وجدت الجثمان قد وري الثرى ولم يكن بالمقبرة وقت الدفن سوى عدد قليل من المشيعين. وعند باب إعرابن وقفت مجموعة من نساء فندق إيشان وهن يلقين بنظراتهن الأخيرة نحو قبر المرحومة. رأيت بينهن البنت السبليونية مولاة الخال وهي في حالة انهيار. كانت عيناها حمراوين من شدة الحزن والبكاء قلت لها مواسيا:
-عظم الله أجركم في وفاة المرحومة.
فردت علي بصوت مبحوح :
-لا أحزنكم الله.
عرجت على محل بيع الخمور عند المسيو لوازيس اشتريت قنينة من خمر الكونياك سعة نصف لتر. فتحتها ثم جرعتها في سحبة واحدة. والسيد لوازيس ينظر إلي بنظرة تشي بكثير من العدوانية…
عصام صولجاني
مع تحياتي







