رقائق رمضان (3).. التضامنُ الملكي والعطاءُ القلبي في شهر الصيام

أعطى أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، نصره الله، تعليماته السامية بإرسال المساعدات لسكان غزة والقدس الشريف، ويسر طريق وصولها إلى المحتاجين والضعفاء، كما تفضل بإعلان توزيع الدعم الرمضاني على المحتاجين من أبناء شعبه ورعيته، في مشهد تضامني راق أشاد به كل من له قلب وألقى السمع وهو شهيد.

إنه درس من أمير المؤمنين في التضامن، باعتباره قيمة كبرى من قيم الإسلام، ومقصد أسمى يربي النفس ويطهرها، ويرتقي بها من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس اللوامة ثم النفس المطمئنة الراضية المرضية.

فبالتضامن والعطاء والسخاء ترتقي قلوب المحبين إلى أسمى مقامات المحبة وتسبح في سماء التقوى واليقين والإيمان، والبخل يورث الخيبة والفشل ويلوث النفوس ويجعلها متعلقة بماديات حسية، فتلفت القلوب عن حضرة علام الغيوب، لتتعلق بمحسوسات مخلوقة فانية محدودة؛ فالعبد مستخلف على النعم التي بين يديه، والمالك الأصلي لها هو البارئ جل وعلا، ومنحها إياه ليمتحن إيمانه ويرى تصرفه في ما منحه، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره.

لقد أقسم الحق جل جلاله في سورة الليل، على رفعة شأن المعطي وخيبة البخيل فقال عز من قائل: “وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ”

يقول ابن عجيبة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوبَ المحجوبة، ونهار التجلي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إنّ سعي الناس لشتى، فأمّا مَن أعطى ماله ونفسَه، واتقى كلّ ما يشغله عن المولى، فسنيسِّره لسلوك الطريق اليسرى، التي توصل إلى حضرة المولى.

وقال الورتجبي: سهّل له طريقَ الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة
والتعب في العبودية. وقال القشيري: نسهِّلُ عليه الطاعات، ونكَرِّه إليه المخالفات، ونهيىء له الإحسان. وأمّا مَن بَخِلَ بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان، وقنع بمقام الإيمان، فسَنيسره للعُسرى، وهي طريق
البعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البعد والردى.

إن العطاء أسمى من المحسوسات المادية، إنها عملية قلبية روحية، يأخذ منها المانح أكبر مما يعطي، يمنح من ماديات فانية، ويتنعم بأنوار وأسرار ومكرمات وفضائل ربانية، لا تحصى فضائلها.

تصدقوا وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه.. تقبل الله صالح أعمالكم، ورفع الله درجتكم في الدنيا والآخرة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني