رقائق رمضان (7).. إمارة المؤمنين وصناعة التدين المغربي

إن ما يميز تاريخ الدولة المغربية، كونها تقوم على أساس الشرعية الشريفية أي الانتساب للشجرة النبوية، وارتكازها على مؤسسة البيعة التي بموجبها يتم تولية السلطان عن طريق أهل الحل و العقد على عامة المسلمين، وعلى مؤسسة المخزن السلطاني.

وهكذا فإن السلطان في التاريخ السياسي المغربي هو الإمام، الذي يعمل على حراسة الدين والسهر على الشؤون الدنيوية. واعتبار الملك أميرا للمؤمنين يدخل في إطار استمرارية التقاليد السياسية المغربية الموروثة، والتي تستمد أصولها من القانون الإسلامي، والأعراف السياسية المغربية.

ويستمد السلطان المغربي مكانته من الشرعية الإسلامية، والانتساب إلى البيت النبوي، وهو امتداد يمكنه من صدارة المشهد الديني إقليميا وعربيا. حيث تعمل مؤسسة إمارة المؤنين على تحصين الأمن الروحي للمغاربة من خلال نهج نموذج إسلامي معتدل، نجح في التصدي لمكافحة المد الوهابي الدعي إلى ترسيخ ثقافة العنف.

لعبت إمارة المؤمنين أدوارا كبرى في التاريخ المغربي، من خلال توجيه المغاربة إلى محبة رسول الله، والدفاع عن الإسلام والمسلمين، دون انتهاك حرمات الله؛ فقاوموا المستعمر دفاعا عن الوطن، ووقفوا في وجه التوجه اللائكي الذي سعى إلى فرضه بكل الوسائل، وحموا أهل الأديان وغيرهم الذين عاشوا في كنف الوطن بتسامح وتعايش وكرامة، كذلك الشأن عند عيشهم في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد أرست إمارة المؤمنين، على مر التاريخ، دعائم تدين وسطي، يقف عند حدود الله، ويحقق المقصد من النص التشريعي الإلاهي، وبني حصون مكارم الأخلاق، ويجتهد فيه علماء الأمة لتحقيق التجديد العلمي والديني المواكب لسياق التنزيل والناظر في مآلات التفعيل، والمحقق لمناط التأصيل.

يرتكز الأمن الروحي للمغاربة على مجموعة من العناصر الحسية والمعنوية، بهدف التصدي للانحرافات الضالة، والمعتقدات الفاسدة، والتأويلات الخاطئة التي تدعو إلى العنف والقتل وإراقة دماء المسلمين بغير الحق، الناتجة عن التطرف و الغلو والتشدد، بغرض الاتجار بالدين واستغلاله لتحقيق نزوات شيطانية غريزية، تهدف إلى تخريب المجتمع، وما أفرزته من نظرة جديدة للدين من قبيل “الإسلاموفوبيا”، الداعي إلى التحامل والكراهية والخوف من الإسلام والمسلمين.

تسلح التدين المغربي بمذهب فقهي يعمل عمل أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطرق صوفية للتربية السلوكية وتزكية النفوس والاجتماع على الله، ترسيخا لقيم المحبة والتسامح وحسن الخلق الذي بعث لأجله نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، فحرص على ذلك أحفاده الذين تعاقبوا على حكم المملكة المغربية، ليتشبث المغاربة بإمارة المؤمنين، الضامنة لوحدتهم الدينية، والساهرة على أمنهم الروحي من كل خطر يهدده، و”كلهم من رسول الله ملتمس”.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني