زيارة جاكوب زوما للمغرب: دلالات سياسية تتجاوز الرمزية وتربك حسابات الجزائر

في مشهد غير مألوف، لكنه محمّل برسائل قوية، استقبل وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، مساء الثلاثاء بالرباط، الرئيس السابق لجنوب إفريقيا، جاكوب زوما، زعيم أحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، في خطوة تكسر جليد العلاقات المتوترة بين الرباط وبريتوريا، وتعيد تشكيل معادلات الدعم الإقليمي في قضية الصحراء المغربية.

الحدث، رغم طابعه الرمزي، لا يمكن فصله عن سياقه السياسي العميق، خصوصًا وأنه جاء عقب التصريحات غير المسبوقة للحزب الذي يقوده زوما، والتي عبر فيها بشكل صريح عن دعمه لسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، في تناقض صارخ مع الموقف الرسمي لحكومة جنوب إفريقيا، التي طالما اصطفّت إلى جانب أطروحة الانفصال، وكانت ثاني أكبر داعم لجبهة “البوليساريو” بعد الجزائر.

هذا التحول الجذري في موقف حزب يتمتع بثقل سياسي وتاريخي كبير في جنوب إفريقيا، بقيادة شخصية كانت حتى وقت قريب من أشد المنتقدين للموقف المغربي، يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار التوازنات الإفريقية حول النزاع المفتعل في الصحراء.

جاكوب زوما، الذي عُرف خلال فترة رئاسته بخطابه الداعم للبوليساريو، يحط الرحال اليوم في الرباط، لا كمجرد زائر سياسي، بل كصوت مؤثر ضمن تيار بدأ يتنامى داخل جنوب إفريقيا، يطالب بإعادة النظر في تحالفات قديمة أضحت مكلفة، سياسيا وأخلاقيا، لحزب حاكم يتشبث بمواقف متجاوزة.

وإذا كانت الجزائر قد بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها الإقليمية على حلفاء مثل جنوب إفريقيا في ملف الصحراء، فإن هذا المشهد الذي جمع بوريطة وزوما في العاصمة المغربية، لا يمكن إلا أن يثير قلقًا كبيرًا في أروقة صانعي القرار في قصر المرادية، ويزيد من حالة العزلة التي باتت تعانيها الجزائر في محيطها الإفريقي.

المعادلة تغيرت. والديناميات الجديدة في القارة تؤشر إلى تراجع النفوذ التقليدي للجزائر والبوليساريو في المؤسسات الإفريقية، مقابل تصاعد أصوات أكثر واقعية، ترى في المغرب شريكًا موثوقًا، وقوة إقليمية مسؤولة، استطاعت أن تكسب احترام الدول الكبرى في القارة عبر سياسة تنموية، لا خطاب عدائي.

لقد بات من الواضح أن جبهة البوليساريو ومن خلفها الجزائر، لن تنعما بنوم هادئ بعد هذا التطور السياسي غير المتوقع. فالصمت الرسمي من بريتوريا، مقابل الدعم الصريح من طرف حزب يقوده رمز تاريخي مثل زوما، يعكس وجود تيارات داخلية بدأت تعيد قراءة المشهد الإقليمي بعيون جديدة، لا تكتفي بشعارات “حق تقرير المصير”، بل تبحث عن مواقف منسجمة مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة.

هكذا، تتحول زيارة جاكوب زوما من مجرد بروتوكول سياسي، إلى عنوان لمرحلة جديدة، قد تفتح الباب أمام اختراقات دبلوماسية مهمة في اتجاه جنوب القارة، وتعيد للمغرب زمام المبادرة في معركة دامت لعقود، لكن ملامح نهايتها بدأت تتضح من الآن.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني