سلسلة جلسات دفاعنا القانوني عن مغربية الصحراء: مفهوم الصحراء الغربية المغربية في ميزان القانون (الجلسة الأولى)
الأستاذ رضوان سند ( إطار قانوني)
تعددت المفاهيم التي خلقت لبسا في الأوساط الإعلامية و الشعبية و الأكاديمية، خاصة أنها تمتزج بما هو سياسي-أمني من قبيل إطلاق النار، أو تنطوي على معنى سوسيولوجي، كالصحراء الغربية و مفهوم الأمة والتعدد الثقافي، الذي يجعل البعض متحمسا في استغلالها لصالح دعوته الى تقرير المصير، والحال أنهم لا يمتلكون أسلوبا منهجيا ولا مجهرا قانونيا، و لا رؤية شمولية تؤهلهم لخوض معركة المفاهيم والتلويح بها في كل مكان، ظنا من المعادين لمغربية الصحراء، أنها ستحسم لصالحهم، بمجرد القفز على المفاهيم في جزئيتها، دون كلياتها، مما يدفعنا الى توضيحها واستيعابها عبر وضعها تحت مجهر العقل القانوني، وضمن سياقاتها المترابطة، لإماطة اللثام عما يكتنفها من غموض ووضعها في سياقها القانوني- السياسي الاجتماعي الصحيح دون أن يتيه الناس من وراء ذلك الوهم المفاهيمي طرائق قددا.
وبذا، فإنني نركز ضمن هذه المساهمة العلمية على بيان المفهوم القانوني الدقيق للصحراء المغربية. فمهما تغيرت التسميات بشأن الصحراء، فإنها تبقى ذات معنى واحد، لكن الجهات المعادية لمغربية الصحراء تتفنن في استعمال مراوغ لهذا المصطلح أو ذاك حسبما يخدم مصلحتها، دافعة به في اتجاه توظيفه ضدا عن مغربية الصحراء، بحيث نظرية هؤلاء الخصوم هي عدم الأحقية في وصف الصحراء “بالمغربية”، وإنما الوصف السليم لها في نظريتهم الوهمية هو “الغربية”.
لذلك، أستهل هذا العنصر بإثارة التساؤل التالي: هل مفهوم الصحراء الغربية معنى قانوني؟ وإذا كان له سياقه القانوني للقول به، ضمن التواصل الديبلوماسي الدولي أو له خلفياته الداخلية، فما هي هذه السياقات التي من خلالها ينبغي تدقيق المفهوم قانونيا، دون أي شطحات لا قانونية، يمينا أو شمالا؟
لذا، سوف نبرز ملابسات هذه المغالطات المكذوبة، حسب ادعاءات أصحابها، على أن نردفها بردنا القانوني المفحم لتلك المزاعم المفاهيمية المحرفة فيما يلي.
– أولا: مفهوم الصحراء الغربية
يزعم باستمرار أصحاب الأطروحة المعادية لمغربية الصحراء أن مصطلح الصحراء الغربية هو الصواب، وليس الصحراء المغربية، تحت علة أن القانون الدولي قد دأب على استعمال كلمة “الصحراء الغربية”، بل هي التسمية المنصوص عليها في جميع نصوص ولوائح المنظمات الدولية بما في ذلك اللائحة 2468.
أود -هنا- أن أشير إلى أن منطقة الصحراء الغربية، تضم كلا من الساقية الحمراء ووادي الذهب، ويقعان من الناحية الجغرافية جنوبي المملكة المغربية، وقد استعملت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1963 مصطلح الصحراء الغربية صراحة في قرار لها، معتبرة إياها مندرجة ضمن المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وجعلت منها منطقة وذلك بعد مجهودات جبارة من المغرب لاسترجاع أراضيه من إسبانيا، لكن سرعان ما تم صرف مفهوم “الصحراء الغربية” عن معنى التحديد الجغرافي، المعطى له إلى جعله منطويا على حمولة سياسية في تجاوز صريح للأبعاد التاريخية، والامتدادات الجغرافية الحقيقية، التي ساهمت في تشكل هذا المفهوم في ذهنية الجمهور إقليميا ودوليا، مسلحين في ذلك بطاحونتهم الإعلامية الممولة، وتفاعلا مع ذلك، وقف المغرب منتفضا على المصطلح الذي صرفه خصوم الوحدة الترابية عن معناه الجغرافي إلى غايات سياسية مخادعة موهومة، باعثا إياه على تعاطيه مع هذا المفهوم الجغرافي، بالمواجهة التأصيلية الدفاعية القانونية والتاريخية وبصورة مكثفة، ويحق له ذلك، هذا رغم غاية الخصوم المتمثلة في سعيهم إلى خلق التضارب والتضاد بين المصطلحين، وإن كان من الصعوبة بمكان نجاحهم الكامل في خلق هذه الدلالة الثنائية المتضادة في المفهوم الواحد، لطبيعة حجاجهم الدلالية الواهية، علما أن مصطلح الثنائيات الضدية يطلق على الوحدة التي تشتمل على تعددية داخلية، وتأخذ شكل مركبات ثنائية يحكمها التضاد بين طرفين متضادين، يمكن أن تتولد صور لا نهائية من المتضادات، وهذا الأمر لم يتمكنوا من تحقيقه إلا لماما. بالرغم من افتراض بعض الباحثين أن مصطلح “الصحراء الغربية” على المستوى الإعلامي طالما كان له حضور مكثف في مختلف القصاصات الإخبارية والمقالات والكتابات على مستوى المنابر الدولية، بل المصطلح هذا، يعتبر من كلمات المفتاح الرئيسية وبجميع اللغات، خاصة على مستوى محرك البحث “غوغل”، إن لم نقل أن المفهوم الجغرافي قيد الذكر أمسى يكاد يكون مقترنا بأطروحة الانفصال، على اعتبار أنه نادرا ما يتم استعمال وتوظيف هذا المفهوم من لدن الباحثين والإعلاميين المغاربة، مقابل التوظيف المكثف لهذا المصطلح من طرف من يتبنى الأطروحة الانفصالية.
على أننا نضيف مسألة غاية في الأهمية وهي أن المملكة المغربية تمتلك وثائق تاريخية -قانونية تتجاوز الخمسين رسالة ووثيقة صادرة ما بين 1692ـ 1910 التي من شأنها تعزيز البعد التاريخي-القانوني لأحقية المغرب في صحرائه دون فقدان أي شبر من ترابها، والتي تتجه في جل مضامينها نحو التأكيد على الارتباط الأصيل المتواصل العريق للقبائل الصحراوية بالدولة المغربية، الذي لم ينقطع عبر التاريخ، بحيث على امتداد قرون عديدة تشبثت هذه القبائل ببيعتها لسلاطين المغرب، وتم تجديد تلك البيعة وتأكيد استمراريتها في مناسبات مختلفة.
– ثانيا: تصحيح المعنى القانوني السليم لمفهوم الصحراء الغربية
إن توصيف الصحراء الغربية توصيفا جغرافيا لم يكن وليد اللحظة، بقدر ما استعمله الاستعمار الاسباني ام 1961 عبر إعلان الصحراء المغربية محافظة إسبانية.
ونفتح هنا قوسا، وهو أن الاصطلاح (الصحراء الغربية) قد تم استعماله عادة وبكيفية جد مألوفة من طرف الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي ودول ومنظمات أخرى، من غير تسييسه، ومن دون انصراف الذهن إلى أنه يقصد به صحراء الصحراويين وليس صحراء المغرب. بل حتى المغرب، هو الاخر ليست لديه أية عقدة في الحديث عن الصحراء بوصفها غربية لطالما وانه اصطلاح يتم تداوله في سياق ديبلوماسي أكاديمي أو في إطار العلاقات الدولية، إدراكا منه بأن ذلك لا يؤثر بأي حال من الأحوال، لا على ثبات مواقفه، كما أن ذاك ليس بمؤثر سلبي على الانتماء الواضح للأقاليم الجنوبية للوطن المغربي الأم.
على أن نضيف هنا أن المغرب في سياق الشؤون الدبلوماسية التي يخوضها، يحترم المصطلحات التي يختارها شركاؤه، دون أن يعني ذلك التنازل على مبادئ هو ذاته مقتنع بمدلولاتها السياسية الثقيلة، بحيث لا يقوم مثل الجزائر بالنطق بالصحراء الغربية تحت نواياه السياسية السيئة المغرضة وما يعكسها مجسدة في واقع التواصل السياسي والإعلامي التابع لها، من قبيل: التلاعب، وتحريف السياق وتزييف الحقائق، أو التصريحات ومواقف محاوريه الأجانب.
ويعد توصيف “الصحراء الغربية” -كما سلف معنا ذكره- مجرد توصيف اصطلاحي يراد به التحديد الجيوغرافي المحض، تعتمده الأمم المتحدة في التزام تام بالحياد لتسوية ملف النزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية. كما أن منظمة الأمم المتحدة كانت توظف، قبل 1975، توصيف “الصحراء الإسبانية” نسبة لاستعمارها من قبل إسبانيا.
ولئن كان مفهوم “الصحراء الغربية” أمر واقع تاريخيا، فقد تأسس بناء على مرجعيات قانونية، إذ اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار لها عام 1965، الذي طالبت فيه إسبانيا بإنهاء استعمارها للصحراء الغربية، كما اعتمدته الأمم المتحدة أيضا عام 1966 في مناقشتها في دورتها الـ22 لقضية الصحراء، عقب تقديم إسبانيا والمغرب وموريتانيا كل من جانبه عريضة للمطالبة بالحق في الصحراء، واعتمدته أيضا محكمة العدل الدولية سنة 1975 في رأيها الاستشاري حول الصحراء.
– خاتمة:
ختما للورقة العلمية بشأن الموضوع محل الدراسة، أود أن أشير إلى أن توصيف الصحراء الغربية توصيفا جغرافيا لم يكن وليد اللحظة، بقدر ما استعمله الاستعمار الإسباني عام 1961 عبر إعلان الصحراء المغربية محافظة إسبانية. كما يعد توصيف “الصحراء الغربية” من قبل خصوم الوحدة الترابية مجرد توصيف اصطلاحي يراد به التحديد الجيوغرافي المحض، تعتمده الأمم المتحدة في التزام تام بالحياد لتسوية ملف النزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية. كما أن منظمة الأمم المتحدة كانت توظف، قبل 1975، توصيف “الصحراء الإسبانية” نسبة لاستعمارها من قبل إسبانيا. على أن نشير إلى أنه إذا كان مفهوم “الصحراء الغربية” أمر واقع تاريخيا، فقد تأسس بناء على مرجعيات قانونية، إذ اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرار لها عام 1965، الذي طالبت فيه إسبانيا بإنهاء استعمارها للصحراء الغربية. كما اعتمدته الأمم المتحدة أيضا عام 1966 في مناقشتها في دورتها الـ22 لقضية الصحراء، عقب تقديم إسبانيا والمغرب وموريتانيا كل من جانبه عريضة للمطالبة بالحق في الصحراء، واعتمدته أيضا محكمة العدل الدولية سنة 1975 في رأيها الاستشاري حول الصحراء.
على أنه يتعين تدقيق مفاهيم معينة أخرى- بعد تفكيكها طبعا- بما فيها أن النزاع المفتعل حاليا هو نزاع إقليمي وليس دولي، وكذلك نزاع خارج عن إطار قوانين الحروب، كما أنه نزاع ترابي لا حدودي.








