الملك محمد السادس: لا مكان لمغرب يسير بسرعتين وآن الأوان لتنمية ترابية مندمجة

 

في لحظة تقييم وطني تتكرر سنويًا بمناسبة عيد العرش، اختار جلالة الملك محمد السادس هذه السنة أن يضع ملف العدالة المجالية والتنمية المتوازنة في صلب أولويات المرحلة المقبلة، موجهًا رسائل واضحة للحكومة والفاعلين المحليين مفادها أن استمرار التفاوتات بين الجهات لم يعد مقبولًا في مغرب اليوم.

الملك، وبلهجة صريحة، أكد أن التنمية الاقتصادية مهما بلغت من مؤشرات، ومهما أنجز من بنى تحتية، تظل منقوصة إذا لم تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطن، في كل مناطق المغرب، ومن مختلف الفئات الاجتماعية. وقال جلالته: “لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين، من كل الفئات، وفي جميع المناطق والجهات.”

هذا التصريح لا يحمل فقط نقدًا ضمنيًا لبعض السياسات السابقة، بل يؤشر على تحول مفاهيمي واضح في رؤية الدولة للتنمية، حيث يتم الانتقال من منطق الرعاية الاجتماعية إلى منطق تمكين المواطن في مجاله المحلي، وإعادة توزيع ثمار النمو بشكل عادل ومتكافئ.

ولأول مرة، استُعملت في خطاب ملكي عبارات صريحة مثل “لا مكان لمغرب يسير بسرعتين”، وهي إشارة مباشرة إلى الاختلالات المجالية التي ظلت تميز المغرب لعقود، حيث تنعم مناطق بعينها بالتنمية وفرص الشغل، في مقابل معاناة مناطق أخرى من التهميش وغياب الخدمات الأساسية.

وانطلاقا من نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024، الذي كشف عن تحولات ديمغرافية واجتماعية ومجالية مهمة، دعا جلالة الملك إلى صياغة جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يكون مرتكزًا على الخصوصيات الجهوية، وتكريس مبدأي الجهوية المتقدمة والتضامن بين الجهات.

ولم يكتف الخطاب بالتشخيص، بل قدّم ملامح البرنامج المطلوب من الحكومة والفاعلين تنزيله، محددا أربع أولويات استراتيجية:

دعم التشغيل الجهوي عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية المحلية، وخلق مناخ ملائم للاستثمار والمبادرة؛

تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية، خصوصا في مجالي الصحة والتعليم، بما يضمن الكرامة للمواطن ويحقق الإنصاف المجالي؛

تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل الإجهاد المائي وتغير المناخ؛

إطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج، بما ينسجم مع المشاريع الوطنية الكبرى.

هذه التوجيهات تضع أمام الحكومة مسؤولية مباشرة في تصحيح الاختلالات المجالية والقطع مع سياسات موسمية أو ظرفية، لصالح رؤية مندمجة وشاملة، تنظر إلى التراب ليس فقط كوعاء جغرافي، بل كفاعل تنموي.

إن دعوة جلالة الملك لإحداث “نقلة حقيقية” في التأهيل الترابي، هي بمثابة نداء قوي لإعادة بناء عقد اجتماعي جديد، يكون فيه لكل جهة نصيبها العادل من التنمية، بعيدًا عن منطق المركز والهامش، والتمييز بين مغرب نافع وآخر غير نافع.

وفي ضوء هذه التوجيهات الملكية، يُرتقب أن تشهد المرحلة المقبلة مراجعة عميقة لكيفية صياغة وتنفيذ السياسات العمومية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الجهات، ويكرس مبدأ “العدالة المجالية” كأحد ركائز النموذج التنموي الجديد.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني